اتخذ البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان، أكبر خطوة تتضمن خطرًا أمنيًا ضمن ولايته البابوية من خلال زيارته لمسجد يقع تحت حصار الميليشيات المسيحية المسلحة في بانغي، عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى، لتقديم رسالة سلام ومصالحة، واستعراضًا للتضامن.

تحت حماية مشددة من الأمم المتحدة والفاتيكان، سافر البابا فرنسيس في عربته الباباوية المفتوحة إلى قلب حي بي كي 5 (PK5)، حيث يُحاصر 15.000 مسلمًا بالميليشيات المسيحية، علمًا أنه قبل اندلاع الحرب الأهلية في مارس 2013، كان عدد السكان المسلمين في العاصمة يبلغ حوالي 122.000، ولكن أغلبهم فر بعد اندلاع الحرب، وتجمع الآلاف من الناس على جانبي الطريق للهتاف للوفد البابوي أثناء قطعه للطرق الترابية الحمراء.

الزيارة الباباوية إلى بانغي، والتي استمرت لـ26 ساعة، تعد المرة الأولى التي يزور بها البابا منطقة حرب نشطة، حيث هوت جمهورية أفريقيا الوسطى في خضم حرب أهلية طاحنة منذ الإطاحة بالرئيس فرانسوا بوزيزي في انقلاب نفّذه متمردون إسلاميون.

وصول البابا فرانسيس إلى مسجد كودوكو في بانغي

بعد خلعه لحذائه قبيل دخوله لمسجد كودوكو، والانحناء احترامًا لقبلة مكة المكرمة، توجه البابا بخطابه إلى عدة مئات من الرجال داخل المسجد، ليقول: "المسيحيون والمسلمون هم إخوة وأخوات"، وتابع قائلًا: "معًا، يجب علينا أن نقول لا للكراهية، للانتقام، وللعنف، وخاصة ذاك العنف الذي يرتكب باسم الدين أو باسم الله ذاته، الله هو السلام"، قالها مستعملًا كلمة "السلام" باللغة العربية.

من جهته، شكر إمام مسجد كودوكو، تيدياني موسى نايبي، البابا فرانسيس على زيارته، واصفًا إياها على أنها "رمز نفهمه جميعًا".

بعض المسلمين يعيشون داخل المسجد بعد أن أُجبروا على الخروج من منازلهم بسبب حملات العنف المرتكبة ضدهم، "نحن فخورون جدًا للترحيب به"، قال إبراهيم بولين، المتحدث باسم النازحين، وتابع "البابا ليس فقط للمسيحيين، إنه خادم الله، ولجميع سكان أفريقيا الوسطى".

تمركزت قوات حفظ السلام المسلحة التابعة للأمم المتحدة على مآذن المسجد، وحلقت طائرة هليكوبتر في سماء المنطقة، وعلى حافة الحي، تجمع المسلمون المسلحون أمام متاريس خشبية، خوفًا من وقوع أي تهديدات أمنية من قِبل الجماعات المسلحة المسيحية.

تأتي زيارة البابا إلى جمهورية أفريقيا الوسطى قبيل نهاية جولته الأفريقية التي استمرت لمدة ستة أيام، والتي شملت زياراته إلى كينيا وأوغندا، وبعد القداس الذي أجراه في ملعب رياضي في أفريقيا الوسطى، غادر البابا فرانسيس إلى روما.

البابا فرانسيس يقطع حي بي كي 5 (PK5) ذي الأغلبية المسلمة

انضمت مجموعة من المسلحين المسلمين لآلاف الأشخاص الذين حضروا القداس في استاد بارتيليمي بوغاندا، كما توقفت شاحنتان صغيرتان في منتصف الحشد قبيل وصول البابا، وقفز منها مجموعة من الحراس المسلمين من حي بي كي 5، يرتدون قمصانًا تحمل صورة البابا، وحينئذ هلل الحشد قائلًا "لقد انتهى الأمر"، في إشارة إلى أملهم بنهاية النزاع.

قوات الأمم المتحدة، الشرطة المحلية، أمن الفاتيكان، والمتطوعون المحليون، تكاتفوا جميعًا لتسيير دوريات حراسة خارج وداخل الملعب الذي يتسع لـ20.000 مقعد، "أنا سعيد لفعل هذا"، قال داوود، أحد متطوعي الحراسة البالغ من العمر 20 عامًا، وأضاف: "أشعر بأنني مفيد للبابا، وبأنني أرحب به شخصيًا في بلدنا، من المهم أن يشعر الباب بالأمان وبأنه موضع ترحيب".

توجه البابا بحديثه باللغة الإيطالية، والذي تُرجم إلى اللغة المحلية، السانغو، موصلًا رسالة سلام وتوحد، حيث قال للحشود بأن سكان جمهورية أفريقيا الوسطى يجب أن يكونوا "عناصرًا فاعلة لإحداث التغيير" في بلادهم، وغنت جوقة كبيرة، مؤلفة بالغالب من النساء الشابات، في القداس لمدة ساعتين.

بعد الزيارة، قال يسوع كوبومو البالغ من العمر 12 عامًا، بأن حلمه يتمثل بزيارة حي بي كي 5 الذي تقطنه أغلبية مسلمة "للتحدث مع إخواننا المسلمين وإحلال السلام في البلاد، تمامًا كما قال البابا"، وأضاف: "جميع مواطني جمهورية أفريقيا الوسطى يؤمنون بالله، وليس هناك فرق بين المسلمين والمسيحيين، قطاع الطرق والجماعات المسلحة يجب أن يضعوا سلاحهم جانبًا"، وأعرب عن أمله بأن يكون" المجرمون" قد استمعوا لرسالة البابا.

حشود تركض خلف البابا فرنسيس خلال زيارته لمدرسة كودوكو بعد خروجه من المسجد في بانغي

يُنظر إلى الصراع في جمهورية أفريقيا الوسطى عمومًا على أنه حرب طائفية بين الأغلبية المسيحية والأقلية المسلمة، حيث أسفرت الحرب حتى الآن عن مقتل الآلاف من الناس، وتشريد حوالي مليون شخص، ونهب الممتلكات وتدميرها، وشملت الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان أعمال القتل خارج نطاق القضاء، الاختفاء، التعذيب، واستشراء الاغتصاب والعنف الجنسي.

وحسب إحصائيات الأمم المتحدة تم إجبار حوالي 200 ألف مسلم على الرحيل من البلد الأفريقي، منذ بدء الصراع، نحو دول الكاميرون وتشاد وجمهورية الكونغو الديمقراطية والكونغو برازافيل.

وكانت هيومان رايتس ووتش قد زارت عدة بلدات وقرى في الجزء الشمالي الغربي من البلاد، حيث قالت بعد ذلك أن السكان المسلمين قد فروا جماعات في مواجهة الهجمات المستمرة التي تشنها ميليشيا مكافحة بالاكا، وذلك لأن تواجد القوات الفرنسية والاتحاد الأفريقي لحفظ السلام في تلك المناطق كان غير كافٍ لحماية السكان المسلمين الذين تم استهدافهم من قبل ميليشيا مكافحة بالاكا انتقامًا من انتهاكات ارتكبتها جماعة سيليكا الذى يغلب عليها العنصر المسلم على مدار العام الماضي.

منظمة العفو الدولية بدورها قالت أن على أفريقيا الوسطى وقف التطهير العرقي الممنهج ضد المسلمين على وجه السرعة، داعية الرئيسة المؤقتة الجديدة كاثرين سامبا إلى "كبح جماح " ما أسمها الميليشيات المنفلتة والمعروفة باسم "مناهضي بالاكا" المسيحية، والتي تدفع حالياً عشرات من السكان المسلمين بمغادرة البلاد للنجاة بأنفسهم من الانتهاكات المخيفة.

 

في يوم الأحد، دعا البابا الفصائل المتقاتلة في جمهورية أفريقيا الوسطى لإلقاء أسلحتهم، وفي قداس بانغي، استطرد هذه النصيحة قائلًا، بأن المواطنين ينبغي عليهم تسليح أنفسهم بـ"العدالة والمحبة والرحمة والسلام الأصيل".

في وقفة تضامنية أثناء الصلاة مساء الأحد، دعا فرانسيس شباب البلاد لاتباع "طريق المقاومة" لمواجهة الحرب والكراهية والانقسام، حيث قال: "الفرار من التحديات ليس هو الحل، هناك حاجة للمقاومة، علينا أن نتحصن بالشجاعة للمقاومة والقتال من أجل الخير، فمن يهرب ليس لديه الشجاعة ليهب الحياة".

وفي خضم حثه للسكان للعمل من أجل السلام، أضاف البابا: "السلام ليس وثيقة يتم توقيعها لتطرح جانبًا بعد ذلك، السلام يُصنع كل يوم، السلام حرفة، ونتاج يدوي".

موجة العنف المناهضة للمسلمين أطلقتها الميليشيات المسيحية، والآن يبدو من الصعب احتواء رد فعل الميليشيات المسلمة. والفرنسيون الذين يبلغ عددهم 1600 جندي ليسوا كافين لإيقاف الدم، ولا يُتوقع أن تكون هناك فرصة لإيقاف القتل حتى مع وجود قوة من حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة بأكثر من 6000 جندي، وزيارة البابا لم تؤثر كثيرا في المسيحيين المتطرفين الذين يحاصرون المسجد، ولا يُتوقع لها أن تغيّر من أوضاع المسلمين شيئا.

المصدر: الغارديان + نون بوست