تمثل علاقة دول الخليج مع إيران على وجه التحديد أحد الإشكاليات الكبري التي تواجه مجلس التعاون الخليجي دائمًا، فدول المجلس ليس لديها سياسة موحدة تجاه إيران وطبيعة التعامل معها فبينما تراها الشقيقة الكبرى السعودية عدو عقائدي وسياسي وأمني يجب الحشد لمواجهته دائمًا، ترى سلطنة عُمان أن التعامل الطبيعي مع إيران والتقريب بين وجهات النظر هو السبيل لحل القضايا العالقة بين الخليج وإيران.

 في حين تتراوح دول الإمارات والكويت وقطر والبحرين في طبيعة علاقتهم مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية بين تبنى وجهة النظر السعودية حينًا وبين تجاهلها أثناء الحديث في الاقتصاد والمال حينما تكون القضايا السياسية في جانب آخر.

لكن هذا الأمر أعلاه ليس من الثوابت في العلاقة الحتمية التي تربط بين دول الخليج وإيران، إذ لا يمكننا اعتبار العلاقات الخليجية الإيرانية دائمًا في حالة من السوء أو في حالة من الاستقرار النسبي، كل ذلك يتوقف على الدور الاستراتيجي لإيران في المنطقة والمواجهات مع الدول الخليجية خارج الحدود.

في هذه الفترة يمكن النظر للعلاقات الخليجية الإيرانية من عدة زوايا محيطة أهمها بالطبع الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب والدور الإيراني في الأزمة السورية والحرب السعودية في اليمن، وعليه باتت كل دول مجلس التعاون الخليجي تراجع طبيعة علاقتها مع إيران سواء كانت علاقة عدائية أو في حالة طبيعية.

فلا يمكن أن تستمر العلاقة العدائية في وجهة نظر البعض مع تقلد إيران دور أكبر في الشرق الأوسط والمنطقة عقب الاتفاق النووي معها، لأن تبعات هذا الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب طبقًا لما تراه بعض دول مجلس التعاون الخليجي سيكون إطلاق الولايات المتحدة يد إيران في المنطقة لذا لا ينبغي الدخول في صدام مباشر مع إيران.

وجهة النظر الخليجية الأخرى تتزعمها السعودية التي تقول يجب الحشد السياسي المذهبي والطائفي ضد إيران في المنطقة والتدخل لإفشال مخططاتها الطامحة في دور استراتيجي أكبر بعد اتفاقها مع الغرب، وتعمل السعودية بالفعل الآن للمضي قدمًا في هذه الحالة وجذب إليها أكبر عدد من الأطراف الخليجية وغير الخليجية، حيث التدخل العسكري السعودي المباشر في اليمن عبر قيادة تحالف عربي، وكذلك محاولة تكرار التجربة في سوريا بمساعدة الأتراك.

وسط هاتين الحالتين تولدت حالات وسط رافعة راية الوساطة بين دول الخليج وإيران وكانت صاحبة السبق في ذلك سلطنة عُمان التي عُرفت بدبلوماسيتها الهادئة في تناول مشكلة العلاقات الخليجية الإيرانية، هذا الموقف العُماني من إيران أدى إلى نوع من النبذ الخليجي لها بزعامة المملكة العربية السعودية، حيث دائمًا ما يتوقع من سلطنة عُمان مخالفة الإجماع الخليجي في القرارات المتخذة، وقد ظهر ذلك في رفض سلطنة عُمان قرار سحب سفراء دول مجلس التعاون الخليجي من قطر وكذلك رفض قرار الحرب السعودية على اليمن.

هذه الحالة العُمانية مفهومة في سياق تاريخي قديم شكل أمرًا واقعًا تفرضه الجغرافيا والمصالح المشتركة بين قوتين بحريتين كبيرتين تسيطران على مدخل الخليج العربي. وتبلورت هذه العلاقة في شكل تعاون سياسي واضح بعد تولي السلطان قابوس بن سعيد الحكم في العام 1970.

الجديد في العلاقات الخليجية الإيرانية أن دولة قطر أرادت أن تنضم لهذا المعسكر الذي يتولى الوساطة ودور تقريب وجهات النظر بين دول الخليج وإيران، ظهر ذلك في اعتبار أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أن الخلافات بين إيران ودول الخليج العربية سياسية بالأساس وليست مذهبية، وذلك قبيل دعوة وزير خارجيته خالد العطية إلى فتح ما أسماه "حوار جاد" بين الجانبين بشأن كافة القضايا من أجل تطبيع العلاقات.

هذه الدعوة لها ما بعدها على الصعيد الخليجي حيث تثير دعوة قطر إلى تطبيع العلاقات مع إيران في هذه الفترة عدة تساؤلات لعل أهمها هل النفوذ القطري داخل دول مجلس التعاون الخليجي يسمح لها بممارسة هذا الدور الوسيط؟، كما سيُطرح التساؤل ما هو رد فعل دول السعودية والبحرين والكويت على هذه المبادرة، إذ أن هذه الدولة الآن هي التي تقود الحملة ضد إيران متهمة إياها بالتدخل في شؤونهم الداخلية.

على الصعيد القطري الإيراني تحتفظ الدوحة بحد أساسي من العلاقات القوية مع طهران على عكس دول الخليج العربية المستشعرة مؤخرًا الخطر الإيراني على سياساتها الداخلية، وعلى عكس ذلك انتهجت قطر خطًا متوازنًا في علاقاتها مع إيران منذ نجاح الثورة الإسلامية، ويمكن تصنيفها بأنها ثاني أكثر الدول الخليجية تعاونًا مع إيران بعد سلطنة عُمان.

حاولت قطر خلال ما يزيد عن ثلاث عقود تقريبًا موازنة علاقتها المنفتحة مع إيران ومتطلبات العضوية في مجلس التعاون الخليجي، كما لم تشهد العلاقات القطرية الإيرانية خصومة حقيقية كما حدث مع بعض أعضاء مجلس التعاون الخليجي، حتى إبان الحرب العراقية الإيرانية ودعم قطر للعراق كانت العلاقات بين الجانبين يمكن وصفها بـ"الفتور" وليست العدواة كما في حال بقية الدول الخليجية.

فضلًا عن كون قطر أولى دول مجلس التعاون الخليجي التي أعادت علاقتها بإيران إلى طبيعتها بعد سنوات من المقاطعة بل وكانت أول المنادين بإشراك إيران بدور حيوي في مسألة حفظ الأمن في المنطقة، فلا يمكن أن ينس أحد حضور الرئيس الإيراني السابق "أحمدي نجاد" برفقة وفد إيراني رفيع المستوى إلى العاصمة القطرية الدوحة بدعوة من الشيخ حمد بن خليفة لحضور قمة تشاورية لدول مجلس التعاون الخليجي ليكون بذلك أول رئيس إيراني يشارك في قمة مجلس تعاون دول الخليج منذ تأسيس هذا المجلس في العام 1981.

وقد طرح نجاد على دول الخليج عقد اتفاق دفاعي مشترك وإنشاء مؤسسات أمنية للتعاون بين ضفتي الخليج للوصول إلى إنشاء منظمة التعاون الأمني، وقد كانت هذه الخطوة القطرية في منتهى الجرأة حينها.

ويرى بعض المحللين أن العلاقات القطرية الإيرانية قائمة بالأساس على مصالح اقتصادية مشتركة تمتد أحيانًا إلى تنسيق سياسي حول بعض القضايا الإقليمية، حيث وقعت طهران على صفقة استثمارات نفطية مع قطر بقيمة بلغت 50 مليار دولار، إضافةً إلى الاتفاق على تطوير حقل فارس الجنوبي، كما تم افتتاح خطين من خطوط الإنتاج في نفس الحقل في بداية عام 2012.

كما تقف قطر في نقطة وسط  بين المستويين الدولي بالتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية حتى تواِزن قوتها أمام السعودية، وعلى المستوى الإقليمي ترتبط قطر بعلاقات جيدة مع قوة إقليمية كإيران بدرجة لا تثير الدول الخليجية وبالتحديد المملكة العربية السعودية التي دخلت علاقاتها مع قطر في اضطرابات مؤخرًا، ولكن قطر بالرغم من ذلك لم ستعى إلى عداء إيران مطلقًا التي تتشارك معها في أكبر حقل نفطي بالعالم هو حقل الشمال الذي يحوي أكثر من 50%  من احتياطي إيران الغازي، وتشير تقارير اقتصادية دولية إلى أن إيران وقطر هما المنقذ الوحيد لمنطقة الخليج من أزمات الغاز، بفضل الاحتياطات الضخمة التي يمتلكها البلدان.

وإذا كانت قطر تسجل تحفظًا على المشروع النووي الإيراني فإنها تريد الآن بعد الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب أن تلعب دورًا فاعلًا في تقريب وجهات النظر بين إيران ودول الخليج بشكل واضح بعيدًا عن الدبلوماسية الخفية في الميادين الدولية، إذ تدرك قطر أن أي نزاع واسع في منطقة الخليج مع إيران لن يكون في مصلحتها خشية تأثر جغرافيتها المحدودة من وقوع اضطرابات غير منضبطة أو غير قابل للضبط، إذا تصاعد هذا الاستقطاب الإقليمي الحاد بين الدول العربية بقيادة المملكة العربية السعودية ودولة إيران، هذا الاستقطاب الذي يقترب من شكل حرب بالوكالة في سوريا واليمن والعراق ولبنان.

كذلك تجد قطر مشتركًا هامًا مع إيران في القضية الفلسطينية التي تعتبر من أهم المحفزات في العلاقة بين الدولتين، حيث تلعب قطر وإيران دورًا في معادلة الصراع الفسلطيني يدعم محور المقاومة في مقابل بقية دول مجلس التعاون الخليجي التي تدعم السلطة الفسلطينية ومسار المفاوضات مع الاحتلال الإسرائيلي، وقد لعب التجانس في المواقف السياسية لا سيما من الحرب على غزة دورًا في تعزيز هذه العلاقات، كما أدى هذا الانسجام النسبي في المواقف من التطورات الإقليمية.

نظريًا تمتلك قطر المؤهلات للقيام بهذا الدور الوسيط بين الدول الخليجية بقيادة السعودية من جانب وبين إيران من جانب آخر، وكانت قطر حتى وقت قريب تؤدي دورًا جيدًا  في دور الحلقة الواصلة بين عدة قوى إقليمية وقوى دولية، كما تمتلك شبكة شديدة النفوذية تتيح لها التموضع الوسيط في العديد من النزاعات الإقليمية كالنزاع في دارفور بالسودان وغيرها من النزاعات المعقدة التي لعبت قطرًا دورًا محوريًا في حلها، وذلك بفضل الإمكانات الدبلوماسية والعلاقات القطرية القوية.

أما عن جانب الاستجابة لهذه الوساطة، فالجانب الإيراني ربما ستجده قطر أكثر تجاوبًا في هذه المسألة ولو بحذر، لكن على الصعيد السعودي الأمر أكثر تعقيدًا مما يتخيله البعض، لأن السعودية لن تُعطي قطر هذا الثقل الإقليمي بيدها إذا ما قبلت بوساطتها، وسط الخلافات العميقة التي ظهرت مؤخرًا بين السعودية وقطر في العديد من القضايا الإقليمية.

كما ستواجه قطر مشكلات كبرى لم تستطع سلطنة عُمان قبلها التغلب عليها كالقضية اليمنية التي تدخلها السعودية بشعار الحياة أو الموت، ناهيك عن المشاركة القطرية في الحرب على اليمن، والتي ينظر إليها البعض بأنها سلاح ذو حدين تستخدمه قطر في هذه الوساطة مطروحة.

كذا الأمر في الأزمة السورية المعقدة التي يتطلب الأمر مناقشتها في أي دور للوساطة بين الخليج بقيادة السعودية وإيران كطرف ثاني، حيث بلغت القضية السورية من التعقيد الدولي مداها ولا شك أن ذلك يُلقي بظلاله على علاقات الخليج بإيران بسبب تباين وجهات النظر فيها، وعلى صعيد اتهامات دول الخليج لإيران بالتدخل في شؤونها الداخلية كالسعودية والكويت والبحرين بسبب وجود مكون شيعي كبير في هذه الدول سيجعل الأمر متحفظ عليه من حيث الاستجابة لهذه الوساطة وسيعقد من مهمة قطر أضعافًا.

وقد ينظر البعض إلى هذا الطرح القطري الأخير على أنه محاولة غربية لإطفاء نار الحرب المشتعلة في الشرق الأوسط بسبب الاستقطاب الثنائي بين الخليج وإيران، والوصول إلى اتفاق بين الطرفين قد يخفف من وطأة القادم على المنطقة خاصةً وأن الغرب لم يعد منحازًأ إلى الخليج كما هو في السابق، لذلك التحرك القطري  سيكون ممثلًا لوجهة نظر دولية تقول بضرورة تعايش الخليج مع إيران.