راهن الجمهوريون في الولايات المتحدة على مقدرتهم تعطيل إقرار الاتفاق النووي الذي أبرمه الغرب مع إيران بقيادة أمريكية، حيث قرروا خوض معركة ضد الرئيس الديمقراطي باراك أوباما وإدارته التي دفعت في اتجاه إقرار هذا الاتفاق منذ بداية المفاوضات النووية مع دولة إيران من جانب ومجموعة الدول التي عُرفت باسم 1+5 من جانب آخر، إلى أن توصل الجانبان إلى اتفاق يقضي برفع العقوبات الاقتصادية عن الإيرانيين في مقابل تحجيم البرنامج النووي الإيراني عن طريق عدة خطوات اتفقت عليها الأطراف الموقعة بضمانات دولية.

ومنذ ذلك الحين خرجت تنديدات الجمهوريين بهذا الاتفاق المبرم، مؤكدين أن هذا الاتفاق يعمل على توفير المليارات لإيران بعد أن نجحوا في تخفيف العقوبات من عليهم، وقد يكتسبون بهذا الوقت للمرواغة في وجهة نظرهم من أجل تعزيز قدراتهم على إنتاج قنبلة نووية بدون وجود ضغط اقتصادي أو سياسي ممارس من الغرب عليهم.

هذا وقد مثل الدافع الأكبر لدى التيار الجمهوري في الولايات المتحدة الرافض لهذا الاتفاق هو شراكتهم السياسية مع اللوبي الإسرائيلي داخل الولايات المتحدة، إذ يعتبرون أن هذا الاتفاق بمثابة "حكم إعدام محتمل على إسرائيل" كما صرح السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام. فقد قدم الجمهوريون طلبات إسرائيلية كاشتراط لقبول الاتفاق النهائي بين الدول الكبرى وإيران حول البرنامج النووي الإيراني، بحيث يُصبح الاتفاق أكثر قبولا بالنسبة إليهم، وفي مقدمة هذه الاشتراطات اعتراف إيران بدولة إسرائيل.

على الجانب الآخر اعتبر البيت الأبيض هذا الشرط خلط واضح للأوراق، لأن مطالبة إيران بأن تعترف بإسرائيل في إطار المفاوضات النووية أمر ليس في محله لأنه خارج إطار هذه المفاوضات، ومنذ تلك اللحظة دب الخلاف بين البيت الابيض وإسرائيل وحلفائها الجمهوريين، وقد برز هذا الخلاف في زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبيل الانتخابات الاسرائيلية إلى واشنطن عندما وجه خطابًا للأمريكيين أمام أعضاء الكونجرس الأميركي، وأبدي فيه تنديدًا بالمفاوضات التي تجري مع إيران، وهو الأمر الذي استحسنه نواب الحزب الجمهوري.

في الوقت الذي بدأ أوباما فيه الدفاع عن الاتفاق باستماتة أمام الجميع، عبر تأكيده أن الاتفاق هو أكثر من مجرد تأجيل لطموحات إيران النووية، وقد رد على منتقدي الاتفاق بقوله أنه بالرغم من كل الاعتراضات التي يبديها رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، وكذلك بعض الجمهوريين الذين تحدثوا عن الأمر، غلا أحد منهم تقدم للأمريكيين ببديل أفضل، معتبرًا أنه لا يمكن للعالم أن يعيش بدون هذه الصفقة بحسب تصريحات عدة أدلى بها في إطار الدفاع عن وجهة نظره في تمرير الاتفاق.

وعن محاولات الجمهوريين تعطيل الاتفاق عبر الأدوات التشريعية، كانت إدارة البيت الأبيض قد حذرت من أمر عدم تعاون النواب في الكونجرس مع الرئيس الأمريكي، مهددين بإمكانية الالتفاف على هذه العقبات، حيث أكدوا إن أوباما سيحاول التعاون مع الكونجرس بقدر المستطاع، إلا أن الناطق باسم البيت الأبيض جار كارنى وكبير المستشارين دان فايفر قالا إن البيت الأبيض سيتخذ خطوات عملية من خلال إصدار أوامر تنفيذية إذا اضطر إلى ذلك، هذه الأوامر التنفيذية تتمثل في استخدام الفيتو الرئاسي ضد أي مشروع قانون يقره الكونجرس ذو الأغلبية الجمهورية بحيث يمنع تطبيق الاتفاق الإيراني، وقد تصدى الأعضاء الديمقراطيون في مجلس الشيوخ مرارًا في السابق للمحاولات التي كان يقودها الجمهوريون للتدخل في المحادثات مع إيران.

الأمور كانت تسير في اتجاه محاولت جمهورية في الكونجرس لإلغاء الاتفاق وقد تأهب البيت الأبيض لخوض معركة في سبيل منع حدوث ذلك، وذلك بسبب تمتع الجمهوريون بالأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، لكن الأمر لم يكن بالسهولة التي يتوقعها الحزب الجمهوري لأن هذه الأغلبية لن تكفي لمحاولات العرقلة، بسبب احتياجهم لدعم أصوات أعضاء الحزب الديمقراطي الذي ينتمي له أوباما، وذلك لضمان إصدار قرار جماعي بالرفض، وهو القرار الذي كان من شأنه أن يعرقل الاتفاق، ولكن الأمر سار على غير هوى الجمهوريين في إصدار قرار بالرفض، فبعد تأييد الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب، احتاج الجمهوريون لأصوات ستة أعضاء ديمقراطيين على الأقل لتحقيق الأغلبية المطلوبة لتمرير قرار الرفض في مجلس الشيوخ وهي 60 صوتا.

وبهذا استطاع الرئيس الأميركي باراك أوباما الحصول على دعم أعضاء حزبه بشأن الاتفاق النووي الإيراني بعد أن حصد 42 صوتًا ديمقراطيًا في المجلس، وهو ما يكفي لعرقلة أي خطوة لرفض هذا الاتفاق من طرف الأغلبية الجمهورية في الكونجرس، بعد أن صوت 58 مقابل 42 في تصويت إجرائي بالكونجرس، في حين كان يتطلب تمرير قرار الرفض الذي طرحه الجمهوريون 60 صوتًا من أصل 100 نائب، وذلك لرفض رفع العقوبات الأميركية المفروضة علي إيران، ولكن أوباما نجح في توفير استخدام حق الفيتو ضد هذه التحركات بعد أن حسم المعركة في مجلس الشيوخ.

وقد نجح أوباما عبر ذلك في بث رسائل للعالم أن الأمر ليس محل خلاف جذري داخل الولايات المتحدة، حيث أنه هدد باستخدام الفيتو الرئاسي لكنه لم يُفضل اللجوء إليه، أمام من جانب الكونجرس فأمامه مهلة تنتهي في 17 سبتمبر الحالي ليبدي رأيه في الاتفاق، لكنه بات معروفًا سلفًا أن الجمهوريين لن يتمكنوا من جذب العدد الكاف من الديمقراطيين لتحقيق أغلبية الثلثين المطلوبة لتجاوز الفيتو الرئاسي.

وفي أول تعليق لأوباما على نتيجة التصويت اعتبره نصرًا للدبلوماسية وللأمن القومي للولايات المتحدة والعالم ككل، فيما دعا إلى التركيز على تنفيذ الاتفاق النووي بهدف ضمان عدم امتلاك إيران السلاح النووي.

لم تكن إسرائيل وحدها هي التي تضغط من جانبها لعرقلة الاتفاق عبر لوبي المصالح، لكن أوباما عرف بوجود دعم وترحيب من مجموعات ضغط يهودية وعربية وإيرانية في الولايات المتحدة لإنجاز هذا الاتفاق المرحلي الذي تم التوصل إليه في لوزان بين الدول الكبرى وإيران، وذلك باعتباره حلًا من شأنه أن يوفر على الولايات المتحده ثمن النزاعات في الشرق الاوسط، وهو الأمر الذي يُلاقي توافقًا مع سياسة أوباما في الشرق الأوسط.

كما روج أوباما لوجهة نظره في الداخل الأمريكي من خلال طمأنة الجميع بأنهتريد يريد أن يرى التزامًا إيرانيًا مع بدء رفع العقوبات، وإذا لم تلتزم إيران بذلك فإن العقوبات الاقتصادية سيعاد فرضها من جديد، حيث أن أمر رفع العقوبات هو ما يقلق الأمريكيين لأن من شأنه تعزيز قدرات الإيرانيين المالية التي ستمكنهم من استغلالها في نشاطات معادية للولايات المتحدة، وهو ما حاول أوباما نفيه مؤكدًا أن الأمر سيتم بالتدريج.

في حين خرجت بعض مراكزال دراسات الأمريكية وجلها تميل إلى الجمهوريين تقول أن مجلس الأمن الدولي يجب أن يُرجئ عملية التصويت على الاتفاق الخاص ببرنامج إيران النووي إلى أن تنتهي فترة المراجعة الأميركية للاتفاق، كما دعوا أوباما إلى وضع كرة هذا الاتفاق في ملعب الرئيس الأمريكي الجديد أيًا كان توجهه، داعين إلى مزيد من التريث بشأن إقرار هذا الاتفاق لأن به العديد من الثغرات التي يجب أن تُراجع.

في الوقت الذي يرى فيه أوباما أنه حقق أفضل ما كان في الوسع في هذا الاتفاق مع إيران، كما ينتوي أوباما العبور إلى مرحلة الإقرار النهائي رغم هذه المعارضة الشرسة الذي يلقاها، لكن بحسب محللين فإن إدارة البيت الأبيض قد نجحت في التسويق للاتفاق عالميًا وداخل الولايات المتحدة بما يضمن مروره مع علمها أن الاتفاق لن يمر بسهولة وسيمر بعقبات لكن البيت الأبيض نجح في إدارة هذه العقبات وتطويعها حتى الآن.

والأهم أن كافة  التكهنات التي لعبت على فشل إقناع أوباما نوابه الديموقراطيين قد خسرت، ورغم العديد من الاعتراضات على محتوى الاتفاق والمجهود الكبير الذي بذلته بعض الدول الخليجية وإسرائيل لعرقلة الاتفاق، فإن معركة أوباما أمام الجمهوريين لإفشال رفض هذا الاتفاق مع إيران قد نجحت كما راهن أوباما نفسه على نفسه.