وُلد مسار العدالة الإنتقالية في تونس وسط تجاذُب سياسي كبير جعل من النجاح في تشكيل هيئة الحقيقة والكرامة، وهي الهيئة المُكلفة دستوريا بتنزيل هذا المسار على أرض الواقع ومُعالجته إنجازا في حدّ ذاته، ومع التغيير الذي شهدته الساحة السياسية في تونس بصعود حزب نداء تونس للمرتبة الأولى برلمانيا وبالتالي مسكه بزمام الأمور حكوميا ثُم انتخاب رئيس الحزب، الباجي قائد السبسي، رئيسا للبلاد، ازداد وضع الهيئة والمسار تعقيدا باعتبار أن هذا الحزب مدعوم من جزء كبير من أنصار النظام السابق، والمعنيون أساسا بمسار المُحاسبة.

أول إرهاصات هذا المشهد الجديد انطلقت بتصريحات لمّحت لضرورة أعادة تشكيل الهيئة، إبان الفترة الأولى التي تلت الإنتخابات، كورقة ضغط سياسي على النهضة أساسا، إلا أن التوافق على تشكيل الحكومة ودعم النهضة لها دفع نحو التخلي عن هذه الدّعوات لينطلق عمل الهيئة ببعض الندوات والإنطلاق في جلسات الإستماع لضحايا النظام السابق.

وعلى نحو مُفاجئ، قام الباجي قائد السبسي بالإعلان عن مُبادرة تشريعية تتمثل في قانون المُصالحة الإقتصادية، وهو قانون يهدف للملمة ملف رجال أعمال تورطوا خلال الفترة التي سبقت الثورة في جرائم اقتصادية، من خلال حزمة من الإجراءات التي قدّرت رئاسة الجمهورية أن تسهر على تنفيذها خارج إطار هيئة الحقيقة والكرامة، وهو ما عُدّ سحب بساط من تحت أقدامها ومُحاولة لإفراغها من مضمونها، إضافة لما أُثير من إشكاليات دستورية  وقانونية.

قانون السبسي كان أول المخاطر الجدّية، كما اعتبره مُعارضوه، الذي تتعرّض لها الهيئة، إلا أن رسالة نائب رئيس الهيئة، زهير مخلوف، لرئاسة مجلس نواب الشعب والتي اشتكى فيها رئيستها داعيا إياه للتدخل، أشاحت عن مخاطر أكبر تُهدّدالهيئة وهو عدم قٌدرتها على إدارة الخلاف داخلها.

مُحتوى الرّسالة مثار الجدل

ورغم أن الرّسالة وُجّهت من مُؤسّسة إلى مُؤسّسة، تعمّد مجهول تسريبها للصحافة، أياما قبل انطلاق مشروع قانون لمُصالحة تحت قبة البرلمان، وهو ما مثّل ضربة سياسية موجعة للهيئة التي لا تُريد للقانون أن يمُر ولا تريد أن تسحب منها مُؤسّسة الرّئاسة جزء من صلاحياتها.

وقد تضمنت الرسالة "المسربة" موقف عضو هيئة الحقيقة والكرامة زهير مخلوف من تصريحات سهام بن سدرين الأخيرة حول ملف المصالحة حين تحدثت عن اتصال الهيئة بحوالي 250 ملفا من رجال الأعمال في حين أكد زهير مخلوف في رسالته لرئيس مجلس نواب الشعب أن الهيئة لم تتلق سوى ملفين فقط.

وانتقد مخلوف في رسالته بتاريخ 19 أوت/آب الجاري تصرفات رئيسة الهيئة سهام بن سدرين فيما وصفه بانفرادها بالرأي والقرار والتسيير واحتكارها لقرارات الصرف العشوائية و المخالفة للإجراءات والقانون والتي لا تستند فيها إلي قرارات مجلس الهيئة مما انجر عنه فساد في التصرف المالي والإداري حسب تعبيره.

وتعرض عضو هيئة الحقيقة والكرامة إلى ما اعتبرها "تجاوزات خطيرة تقوم بها السيدة سهام بن سدرين رئيسة الهيئة والتي أصبحت تهدد وحدة الهيئة وتضامن أفرادها ومسار العدالة الانتقالية"، كما اتهم رئيسة الهيئة ب"الإستقواء بالأجنبي" منخلال بحثها عن تعبئة حقوقية دولية ضد قانون المُصالحة.

كما دعا زهير مخلوف في رسالته رئيس مجلس النواب إلى “إيجاد الحلول الكفيلة لرأب الصدع الداخلي لهيئة الحقيقة والكرامة وإنقاذ المسار من التجاذبات والتنافس والصراع الذي انتهجته الرئيسة كأسلوب عمل في مواجهة الدولة ومؤسساتها وهياكلها وهو ما أشّر إلى التعاطي الانتقامي للهيئة اتجاه المؤسسات والمسؤولين والأفراد وتبرأ منه جل الأعضاء” وفق لما جاء في نص الرسال المسربة.

رد عنيف على مخلوف من رفاق الأمس

الماضي الحقوقي لمخلوف لم يشفع له أمام سليط الردّ من رفقاء النّضال ممن جمعهم الوقوف ضد نظام القمع التونسي ما قبل الثورة، فبالنّظر لتوقيت إرسال الرّسالة مع الهشاشة التي تمُر بها وغياب السّند السياسي اللازم لتصمُد أمام دعوات تعويم العدالة الإنتقالية، اُعتُبرت رسالته بمثابة رصاصة الرحمة التي أنهت كل شيء، بل اتهمه البعض بعقد صفقة شخصية مع الحُكّام الجدد ثمنها انتظارات المظلومين الذي لا زالوا ينتظرون إنصافا. وكرد فعل على ما أتاه مخلوف تُجاه الهيئة، كشف مصادر إعلامية أن مجلسها قرر إعفاءه من عضويتها، وهو ما اعتبره المعني بالأمر لاغيا

وأيا كانت أسباب  مخلوف التي دفعته لإرسال تلك الرسالة التي سيحفظُها سجلّه ولن ينساها له التاريخ، وبغض النّظر إن كان وراء تسريبها أم لا، أن يمضي في مثل هذا الصنيع مع الوضع الهش الذي تمرّ به الهيئة دفع شريحة واسعة من التونسيين لتُراجع ألف مرّة صورة ذلك الحقوقي الذي كان له وقع أيام كان النّضال ضمنه باهض، رسالة أخطأ بها في حق نفسه وفي حق الهيئة، أيا كان المُنطلق، تواطئ لابرهان عليه إلى حد الآن، أو سوء تقدير سيُكلّفه الكثير.

هل أُعيد إحياء أسلوب بن علي في التفجير من الدّاخل؟

وبالتوازي مع هذه "الرسالة القنبلة" كما اعتبرتها وسائل الإعلام التونسية، يروج حديث عن استقالة مُرتقبة لأحد الأعضاء الآخرين، وهو ما أحيى في الأذهان أسلوبا قديما استعمله النّظام في تفجيرالمُنظّمات الحقوقية التي يستعصي عليه حلّها، إذ يعقد صفقة مع أحد الوجوه البارزة، يدعم وصوله لمؤسسات القيادة داخلها، ليتولّى إنتاج الأزمات تلو الأخرى داخلها حتّى تركع.

وعلى عكس بورقيبة، الذي كان يخلق مؤسسات موازية لتضرب المُؤسسات التي تُشكّل له قلقا وإحراجا، اعتمد بن علي مُقاربة التفجير من الدّاخل لنيل مُراده، ويظلّ تركيع الرابطة الوطنية لحقوق الإنسان من طرف خميس كسيلة، القايدي اليوم في نداء تونس، إحدى أبرز التجارب المُماثلة التي نجح بها بن علي تركيع مُنظمة حقوقية.

كذا الأمر بالنسبة للإتحاد العام التونسي للشغل، المنظمة العريقة التي شاركت في "حرب الإستقلال" وكانت دوما خيمة يحتمي فيها الساسة والحقوقيون من عصا الدولة، إذ عمل بن علي طيلة سنوات على تثبيت "رجاله" داخل هياكله إلى أن دجّنه مركزيا على الأقل، ويُعدّ التلكّؤ في الإستجابة لمطالب الشارع أثناء الحرك الثوري أيام عُهدة عبد السلام جراد، أفضل دليل على الحال الذي وصلت لها هذه المُنظّمة التي أنقظتها النقابات الجهوية وحفظت ماء وجهها.

ولم يكن الحال أفضل بالنسبة لجمعيّة القُضاة، فبن علي لم يكُن ليصمُد طيلة سنواته الثلاث وعشرين لو لم ينجح في تفجير المُنظّمة من الدّاخل سواء عبر استعمال سلطة الدّولة من خلال تجميد كل من يجرُء على قول كلمة "لا"، أو من خلال تنصيب تُبّع نجحوا تدريجيا في إفراغ هذه الجمعيّة من جوهرها للتحوّل لأداة من أدوات النظام لممارسة الفساد والإستبداد.