ثمة مصنع للطابوق في أربيل معطل جراء الركود الاقتصادي وشح النقود في الجيوب، وثمة دار مهدمة في الأنبار تحتاج للطابوق لكن صاحبها لا يملك الثمن، فما العمل؟

النقود هي المشكلة وهي الحل، لقد توقفت الأعمال بسبب ركودها، وحتمًا ستزدهر الأعمال من جديد بمجرد تحريكها وتصريفها، فالنقود هي الوسيط بين مولدي العملية التبادلية - العرض والطلب - في سوق أي سلعة، ووجودها ضروري لإتمام أي عملية تبادل وإدارة عجلة النمو والتقدم الاقتصادي في البلد من جديد..

 فمن أين نأتي بالنقود؟ من يمكن أن يولدها أو يجمع ما يوجد منها في الخزائن بشكل مدخرات معطلة؟

إنها المصارف من يملك مفاتيح تلك الخزائن، ومن بإمكانه إعادة تصريف النقود الراكدة عبر قنوات الأعمال المختلفة لتزهر وتثمر، إذ المصارف مولدة للنقود، فهي تحول الطلب على القروض إلى قوة شرائية تمول بها مختلف الأنشطة التبادلية، فيتولد الدخل لتتعاظم قوة العرض والطلب وتتسارع وتيرة المبادلات وتسير عجلة النمو الاقتصادية قدما نحو الرواج، لكن ثمة مشكلة ثقافية تحول دون عمل المصارف في مجتمعاتنا المسلمة تتمثل بالفائدة المصرفية المحرمة في الشريعة الإسلامية كونها تعد شكلاً من أشكال الربا، ليس هذا فحسب بل إن القروض الربوية غالبًا ما تسبب مزيدًا من الإفقار للمقترضين لأغراض استهلاكية لاسيما المقترضين لبناء المساكن، فهم بالكاد قادرين على تسديد أصل القروض التي اقترضوها، وقد يتخلفون في بعض الفترات عن سداد أقساط الديون، فتتراكم عليهم الفوائد إلى حد قد تفوق قيمتها مبلغ القرض الذي اقترضوه.

هناك من يطرح المصارف الإسلامية بوصفها بديلاً إسلاميًا للمصارف التقليدية (الربوية)، لكن هذه المصارف غير قادرة حتى اليوم أن تقوم بتوليد النقود على نحو ما تقوم به المصارف التقليدية عبر فتح حسابات ودائع تحت الطلب لمن يريد الاقتراض، ومنح الصكوك بموجب هذه الحسابات، أما المصارف الإسلامية فلا تملك مثل هذه الإمكانيات، بل هي متشددة في منح التمويل، وغالبًا ما يكون عقد التمويل مؤطرًا بإطار شرعي يضمن تحقيق الأرباح لأصحاب رؤوس الأموال مثل عقود المرابحة والاستصناع والإجارة المنتهية بالتمليك وغيرها، لذا فهي تنشط في المجتمعات المزدهرة اقتصاديًا والتي لديها فائض في السيولة وفرص الربح فيها مرتفعة.

أما في أوقات الأزمات فالمصارف الإسلامية - رغم أنها أقل تأثرًا بالأزمات - لا تقدم حلولاً للخروج من هذه الأزمات، لكن هذا لا ينفي إمكانية تفعيل دورها في مساعدة البلدان المنكوبة مثل العراق أو سوريا أو اليمن أو غيرها من البلدان الإسلامية التي تشهد حروبًا، والتي ستكون بأمس الحاجة لتمويل عمليات إعادة الإعمار بعد أن تتوقف العمليات القتالية فيها ويعود إليها أهلها المهجرون.

إن بإمكان المصارف الإسلامية اليوم أن تستفيد من الموثوقية المالية التي تحظى بها، والمتأتية من ممتلكاتها المالية والمادية في إدارة عمليات تمويل إعادة الإعمار في المناطق المتضررة من الحرب، كما أن لديها المقدرة على خفض تكاليف الإعمار إلى حد كبير عبر إدارة عمليات إعادة الإعمار ذاتها، وذلك من خلال التعاقد مع المنشآت المعنية بتجهيز مستلزمات إعادة الإعمار لمدن بأسرها مقابل خصومات كبيرة، ومن خلال تشغيل عدد كبير من الأيدي العاملة في المناطق الخاضعة للإعمار بأجور منخفضة نسبيًا مستفيدة من حاجة الناس للدخل وشحة فرص التشغيل الأخرى.

أما تمويل هذه العملية فيمكن أن يتم عبر إبرام عقود يمكن تسميتها عقود إعمار (على غرار عقود الاستصناع) مع المؤسسات الحكومية أو الأفراد، يتعهد بموجبه المصرف الإسلامي (بصفته مقاولاً) بإعمار الأبنية المتضررة مقابل ثمن يدفع في الآجل وعلى أقساط، إذ يمكن للمصرف الإسلامي أن يحقق عائدًا من الفرق بين تكاليف الإعمار والمبالغ المتعاقد عليها مع المؤسسات والأفراد، والضمان هو البناء الذي يتم إعماره إذ يمكن أن يرهن لحين إكمال تسديد المبالغ المستحقة للمصرف الإسلامي.

أما المبالغ اللازمة للتمويل فيمكن للمصرف أن يؤمنها عبر قنوات مختلفة منها رأس مال المصرف، أو فتح باب المساهمة في التمويل للجمهور الراغبين بالحصول على عائد مضمون، أو الاستفادة من عقود الاعمار (بوصفها ضمانات مالية) في الحصول على قروض بالدينار العراقي من البنك المركزي العراقي على أن تكون القروض غير ربوية، وهذا يتيح للبنك المركزي زيادة الإصدار النقدي بالقدر الذي يغطي المبلغ المقترض والمضمون بعقود الاعمار، حيث لن تؤثر هذه الزيادة في الإصدار النقدي على قيمة العملة كونه موجهة لزيادة مقدار الناتج المحلي من خلال تشغيل الشركات المحلية التي ستقوم بإنتاج مواد البناء محليًا أو تشغيل الأيدي العاملة التي ستوجه نفقاتها للاستهلاك، وأيًا كانت  طريقة التصرف بالمال فإن النقود الصادرة سيستردها البنك المركزي بعد سداد المصرف الإسلامي للقرض، ويمكنه عندها أن يعيد حجم الإصدار النقدي لمستواه السابق إذ اقتضت السياسة النقدية ذلك.

إن قيام المصارف الإسلامية بهذا الدور في عملية الإعمار سينعكس عليها وعلى المجتمع بعوائد اقتصادية واجتماعية وأمنية كبيرة وذلك من خلال: أولا- تشغيل الموارد المحلية العاطلة من رأس مال مادي ممثلاً بالمصانع، ورأس مال بشري ممثلاً بالأيدي العاملة، وهذا يعني زيادة حجم الناتج المحلي من السلع والخدمات، ثانيًا إعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب وإعادة المهجرين إلى مناطقهم واستئناف الحياة فيها بمختلف أوجهها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ثالثًا استيعاب الطاقات لاسيما الشبابية في عمليات إعادة الإعمار وصرفهم عن الانزلاق في أعمال عنف محتملة إذ ما بقي الوضع المعيشي سيئًا بسبب تأخر الإعمار ما يزيد من السخط العام على الحكومة، رابعًا تحقيق عوائد اقتصادية للمصارف الإسلامية ما يعزز من إقبال الجمهور في المجتمعات المسلمة على المساهمة في رأس مالها، خامسًا تعزيز العلاقة بين المصارف الإسلامية والبنك المركزي وتشجيع الحكومات على وضع آليات للتعامل مع المصارف الإسلامية وتقديم الدعم المالي لها وذلك وفقًا لقواعد الشريعة الإسلامية، سادسًا تمكين المصارف الإسلامية من عملية توليد النقود عبر تعاونها مع البنك المركزي وحصولها على القروض منه، وهذا الدور يضع المصارف الإسلامية في مصاف المصارف التقليدية من حيث إمكانية التأثير في السياسة النقدية للبلد ومن دون اللجوء إلى القروض الربوية.

 إن المصارف الإسلامية مدعوة اليوم لتثبت حضورها في الحياة الاقتصادية في مجتمعاتها على أقل تقدير، ومساهمتها الفاعلة في توفير التمويل الضروري لإعمار المناطق المتضررة من الحرب سيعزز ثقة الحكومات والشعوب الإسلامية بأهميتها وفاعليتها، ويرفع عدد المتعاملين معها، ويزيد من تأثيرها الاقتصادي والاجتماعي في تنمية مجتمعاتها المسلمة، وربما تنافس المصارف التقليدية في المجتمعات غير المسلمة أيضًا.