عام تقريبًا يمر على إغلاق مقهى "الإسلام،" ولا تزال أبوابه الزجاجية مزينة بالخط العربي الذي كُتِبَت به الشهادتين، وهي ليست كلمات كتبها أحد أصحاب المقهى تمسكًا بتراثه أو إعجابًا بالخط العربي، ولكنها كانت في الواقع جزءًا من أيديولوجية القائمين على المقهى، والذين إن شاركوا من حولهم الشهادتين واعتناق الدين الإسلامي بشكل عام، إلا أنهم رفضوا أن يصلوا معهم في الجامع الموجود بالحي، وأطلقوا العنان يوم الجمعة لآذانهم الخاص وصلواتهم المنفصلة التي أقاموها في الدور الثاني من المقهى.

لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا لتنكشف العلاقة الوطيدة بين مقهى الإسلام، الواقع في ولاية أديامان بجنوبي شرقي تركيا، وماكينة تجنيد الجهاديين التي تعمل لصالح دولة الإسلام بالعراق والشام (داعش)، لا سيما وأن أصحاب المقهى لم يخفوا توجهاتهم، فقد تردد ملتحون يرتدون الجلابيب على المقهى منذ افتتاحه، واسترعت أنشطتهم انتباه سكان المدينة بشكل دفعهم لإبلاغ الشرطة، لتنكشف بالفعل نشاطات استجلاب مقاتلين لتدريبهم على التفجيرات في سوريا قبل أن يعودوا ويقوموا بأنشطة لصالح داعش داخل تركيا.

الإخوة ألاجوز بين سوروج وأنقرة

كشفت التحقيقات بالطبع تلك العلاقة الوطيدة لتقوم السلطات بإغلاق المقهى، بيد أن الشبكة التي وُلِدَت بداخله لم تَمُت على ما يبدو، فقد ضلع أحد أبناء أديامان من المترددين على المقهى، وهو أورهان جوندر، في تفجير دياربكر الذي طال مسيرة انتخابية لحزب الشعوب الديمقراطي الكردي في الخامس من يونيو الماضي، قبيل الانتخابات البرلمانية السابقة، كما قام آخر من نفس الولاية، وهو شيخ عبد الرحمن ألاجوز، بتفجير نفسه في هجوم سوروج على الحدود مع سوريا في يوليو، مستهدفًا نشطاء أكراد من المعادين لداعش، ليقتل 32 شابًا، ويدفع أنقرة لبدء حملتها العسكرية ضد داعش وحزب العمال الكردستاني على السواء.

ورقة هوية رسمية لشيخ عبد الرحمن ألاجوز، الانتحاري منفذ هجوم سوروج، وأخو يونس ألاجوز أحد المتهمين بالضلوع في تفجير أنقرة

عبد الرحمن ألاجوز ليس الأخير من أسرته في سلسلة المنضمين لداعش، إذ أشارت تحليلات في صحيفة حريّت منذ أشهر، ومعلومات من مصادر أمنية تركية عقب حادث سوروج، أن يونس إمره أخيه يقوم بالتحضير لتفجير آخر بعد سوروج، وهو ما جعله من المطلوبين لدى السلطات دون أن يجد له أحد أثرًا، غير أنه بعد تفجير أنقرة وبدء التحقيقات، تشير المصادر الأمنية الآن أن يونس ألاجوز يُحتَمَل أن يكون واحدًا من الانتحاريَّين اللذين فجرا نفسيهما في أنقرة منذ أيام، وأن ما جرى في أنقرة كان بالفعل هو ما تخشاه الشرطة التركية بعد سوروج.

تعرف السلطات التركية أن الأخوان ألاجوز قد تم تجنيدهما من جانب داعش بعد تأجير المكان المذكور في أديامان ليكون مقهى الإسلام، والذين كان يديره في الحقيقة يونس ألاجوز نفسه، وقد كانا ضمن مجموعة معروفة بين دوائر الإسلاميين في أديامان باسم "دوقوماجيلر" Dokumacılar التي شكلها مصطفى دوقوماجي أحد المسؤولين عن تجنيد الشباب لصالح داعش، وبعد إغلاق المقهى اتجها إلى مدينة تل أبيض بسوريا، ولكنهما عادا بطرق غير مشروعة بعد أن سيطرت قوات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني على المدينة منذ أشهر.

 يلفت النظر هنا أنه بعد معركة تل أبيض بين داعش وقوات الأكراد، قامت الأخيرة بالقبض على تركيَّين آخرين من نفس المجموعة هما حسين بيري ومحمود غازي، واللذين قدما من أديامان وتم تجنيدهما مرة أخرى عن طريق مقهى الإسلام، ورُغم أن الحكومة التركية ترفض التعاون بشكل موسع مع قوات الأكراد تلك، إلا أنه لا شك أن المعلومات تصلها بشكل أو آخر عن شبكة تجنيد داعش في أديامان، والتي يثبت تفجير أنقرة الآن، خصوصًا بعد استهدافه مسيرة لنشطاء أكراد ويساريين، أنها لا تزال تعمل وبقوة.

أديامان وممر الجهاديين بين تركيا وسوريا

ظهرت أديامان كولاية مهمة فيما يخص الصراع السوري بين عامي 2012 و2014، حيث كانت مركزًا لتجنيد الشباب وجلب الأموال لصالح ثوار سوريا والجيش السوري الحر، إلا أن عناصر أكثر تطرفًا استغلت إمكانياتها مع الوقت للاستفادة منها هي الأخرى، لا سيما وأن القاعدة، والموجودة في سوريا عن طريق جبهة النصرة، قد دخلت بالفعل في تحالفات مع الثوار السوريين بشكل تداخلت فيه خيوط قوى عدة، ولم يكن ليمر وقت طويل حتى تضع داعش عينيها أيضًا على تلك النقطة الهامة لتمرير الجهاديين.

بشكل عام، ورُغم تنوعها الثقافي الواضح في تركيبتها السكانية، والتي تضم مسيحيين سريانيين وعلويين وأرمن إلى جانب المسلمين، تعاني أديامان منذ بناء سد أتاتورك بانقطاعها عن محيطها في جنوبي شرقي تركيا، كما تتسم بمعدلات بطالة مرتفعة تُعَد من الأعلى في تركيا كلها، وبالنظر لثقافة المدينة المحافظة كما الحال في معظم مدن الأناضول التركية، وموقعها القريب للساحة السورية، كان متوقعًا بسهولة أن ينجذب الشباب فيها إلى الحركات الإسلامية هناك.

طبقًا لسكان أديامان والذين اتجه العشرات من شبابهم للساحة في سوريا، يحصل الشاب على خمسة آلاف دولار كمكافأة فور انضمامه لداعش، إلى جانب راتب يبلغ حوالي ألفي دولار، كما أن الكثير من السلطات المحلية تخشي التنقيب عن الصلات بينهم وبين داعش خوفًا من ردود أفعالهم والتي قد تصل للقيام بعمليات داخل المدينة البسيطة والصغيرة، تاركين تلك المهمة للسلطات المركزية في أنقرة.

"تشير التقديرات إلى أن حوالي أربعمائة من شباب أديامان قد اتجهوا لسوريا وغالبًا للانضمام لداعش"، هكذا يقول عثمان سوزن الذي يعمل بمركز حقوق الإنسان في أديامان، في إشارة إلى أن الإبلاغ عن المتجهين لداعش أقل من الأرقام الرسمية، والتي تقف عند 100 أو 130، نتيجة خوف الكثيرين من القيام بالإبلاغ والتضرر فيما بعد، "معظم العائلات هنا تخشى هذا الأمر وتخفيه، والبعض يعتقد أن السلطات لا يمكن أن تفعل له شيئًا، في حين يقنع آخرون بالاستفادة المادية التي تعود عليهم نتيجة عمل أبنائهم في صفوف داعش".

يعتقد محللون كثر أن نشاطات داعش في جنوب تركيا تعتمد على المناطق التي تتسم بأغلبية تركية سنية وتعاني الفقر نتيجة بُعدها عن المدن الكبرى في غرب وقلب الأناضول، خاصة وأن تلك المناطق توجد بها حركات سلفية كثيرة على العكس من التقليد الصوفي القوي في بقية أنحاء تركيا، وهو أمر طبيعي نتيجة قربها من المنطقة العربية، بل وربما انتمائها لها في مرحلة تاريخية سابقة، مما يجعل مزاجها أقل صوفية مقارنة ببقية الأناضول، ويجعلها بيئة مناسبة لبث دعايا داعش.

بين داعش وتركيا

منذ عام واحد فقط، كان أورهان جوندر، منفذ هجوم دياربكر فيما بعد، مختفيًا عن أسرته، وذلك بعد أن بدأت أفكاره تتغير وشرع في الالتزام بالصلوات الخمس وأطلق لحيته وجمع كتبًا عن الجهاديين الأفغان والشيشانيين، وهو أمر غريب على شاب ينتمي لأسرة علوية، وبعد بضعة أشهر من القلق، قررت الأسرة إبلاغ الشرطة إثر علمها بأنه ذهب لسوريا مع 15 من أصدقائه، وهو ما يقول البعض إنه دليل على أن الثقافة السنية المحافظة ليست بالضرورة المحرك الرئيسي للانضمام بقدر ما هي الأموال أو رغبة الشباب في المشاركة بأفعال كبرى والهروب من حياة البطالة.

على صعيد آخر، يعتقد كثيرون في أديامان ممن ذهب أبناؤهم لسوريا أن الاستخبارات التركية كانت ضالعة في البداية في مساعدتهم، أو على أقل تقدير غض الطرف عنهم، وذلك نتيجة تساهلها معهم في البداية كما تقول والدة جوندر الذي استجوبته الشرطة وأطلقت سراحه قبل أن يختفي، وهو أمر ترجحه تحليلات عدة كما نعرف نتيجة مصلحة تركيا الإستراتيجية في احتواء القوات الكردية بشمال سوريا، وهو لعله ما يفسر العداوة الخاصة بينهم وبين داعش، بجانب العداوة بين داعش وغيرها بشكل عام.

يبدو إذن أن هذه العلاقة المعقدة والمركبة بين تركيا وداعش، على غرار تلك التي وُجِدَت يومًا ما بين الأمريكيين وطالبان في أفغانستان، قد بدأت تجلب المتاعب لأنقرة، وهي حقيقة بدأت تظهر في الأفق منذ سنة على الأقل، حين بدا أن داعش تلعب لعبة الشد والجذب مع تركيا، كما جرى حين اختفطت دبلوماسيين أتراك في وقت سابق، وما إن كانت تركيا ستستطيع تطويع علاقاتها المركبة تلك أم لا هو أمر ستكشف عنه الأيام، بيد أنها مسألة لن تخلو من التضرر على المستوى القومي كما رأينا في تفجير أنقرة، وستؤثر اجتماعيًا على سكان الجنوب، فكما قال أحدهم ذات مرة، لا يمكنك أن تربي الأفاعي في ساحتك الخلفية دون أن تلدغك بضع مرات.