مِمَّا يُزَهِّدُنِي فِي أَرْض أَنْدَلُـسٍ *** أَسْمَاءُ مُعْتَمِـدٍ فيهـا وَمُعْتَضِـدِ

أَلْقَابُ مَمْلَكَةٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا *** كَالْهِرِّ يَحْكِي انْتِفَاخًا صُورَةَ الأَسَدِ 

كان هذا ببساطة اختصارًا ميسرًا ببلاغة رائعة من الشاعر عندما أراد أن يصف حال الأندلس في حقبة "ملوك الطوائف" التي يندي لها الجبين من المؤرخين الإسلاميين عند ذكرها أو الخوض في غمارها، أسماء لها رنين في الأذن، لأول وهلة تظنها أسماء فرسان لا يعرفون غير الخيل المسومة والسيوف الماضية والرماح الخاطفة على أعدائهم، ملوك يبذلون الغالي والنفيس لخدمة شعوبهم والعمل على راحتهم والدفاع عنهم، ولكن في الحقيقة هم كالهر يعوضون خيبتهم وعجزهم وانعدام رؤيتهم وإرادتهم بأسماء مفخمة تعظيمًا لهم وإكبارًا.

بدأت هذه الحقبة في بداية العقد الثاني من القرن الرابع الهجري بعد تفكك الخلافة الأموية في الأندلس وذهاب ملكهم إلى بني عامر ومن ثم بعد ذلك تفككت الأندلس إلى 22 دويلة على رأس كل واحدة أمير يسمي نفسه "أمير المؤمنين" للتعظيم من شأنه ورفع قدره بين أبناء دويلته، حتى إن الرجل من عامة الناس كان يسافر في الأندلس فيلتقي في اليوم والليلة بثلاثة أمراء للمؤمنين.

كانت هذه الدويلات تتناحر فيما بينها على الحدود الجغرافية لترسيخ هيبة كل مقاطعة منها، ومع ذلك كانت أغلب هذه الدويلات تدفع - فيما كانت تسمى حينها - "الجزية" للملك ألفونسو السادس عن طيب خاطر كي ينصر بعضهم على بعض ويمد أحدهم بالقوة حتى يقضي على الآخر، وفي هذه الانتكاسة الكُبري سقطت "طليطلة " بأيدي النصاري، والتي كانت قبل عشرات السنين يستقبل فيها عبد الرحمن الناصر "الجزية" من ملوك النصارى ويخرج منها لملاقاتهم في معاركه.

كان حال ملوك الطوائف أشبه بحال المسلمين الآن، دول متفرقة متشرذمة بعد سقوط الخلافة العثمانية (1922م) تتناحر فيما بينها، على رأس كل دولة رئيس أو ملك أو أمير تجد له من التقدير والتفخيم والتعظيم ما لم يستحقه قائد معركة تحرير، أو زعيم سياسي أزاح الاحتلال عن بلده وموطنه.

كان دبيب الوهن الذي يدب في جسد الأندلس هو ذاته الذي يدب في الأمة الإسلامية الآن، وهم - ملوك الطوائف حاليًا - وإن كانوا لا يدفعون الجزية بشكل معلن وصريح للقوى الغربية كما في عهد ملوك الطوائف إلا أنها تجبي منهم بطرق ملتوية تواكب العصر الحديث يتدخل الاقتصاد وسوق المال في استتارتها عن الشعوب.

لم يكتف رؤساء وأمراء الدول العربية والإسلامية بالاقتفاء من أثر زعماء ملوك الطوائف من ناحية جباية الأموال منهم والتناحر والتضاد فيما بينهم فقط، فنجد دول عربية حذت حذوهم بشكل شبه كامل وفعلت ما كان يُفعل تمامًا في هذه الحقبة  السوداء من تاريخ الأندلس، فمن زعماء الدول العربية من استنجد بالقوى الغربية لحفظ ملكه وسلطانه خوفًا من نوايا إحدى الدول العربية، فلما انقضت المهمة ظلت القوى الغربية تقيم قواعدها كأنها لم تأت لمهمة محددة معلومة، تمامًا كما حدث في طليطلة ومكوث ألفونسو السادس فيها بعدته وعتاده.

كان عصر ملوك الطوائف إسقاطًا حقيقيًا لواقعنا اليوم، ورغم أن أغلب الناس مقتنعين بمبدأ أن التاريخ يعيد نفسه باستمرار، وأن سنن الله في هذه الحياة ثوابت لا تغيير فيها ولا تبديل، إلا أننا نجد أن من يمتلك زمام سلطة معينة لا يرى إلا كرسي سلطته والحفاظ عليه حتى وإن استنجد بقوى غربية هي في الأساس معادية للمشروع الذي ينتمي له دينيًا، ولكن الحفاظ على المُلك دائمًا ما يكون أوجب الواجبات في هذه الحالات.

كانت نهاية حقبة ملوك الطوائف على يد دولة المرابطين بعد انتصارهم في موقعة "الزلاقة" على يد ألفونسو السادس ورجوعهم إلى المغرب حتى يتموا ما بدأوه من دعوة الناس إلى صحيح الإسلام وسليم العقيدة، ولكن العلماء استنجدوهم ثانية بعد وقوع ملوك الطوائف في الخطأ القديم نفسه من التناحر فيما بينهم، فوافق أمير المرابطين يوسف بن تاشفين ودخل الأندلس للمرة الثانية مجمعًا الأندلس كلها تحت راية واحدة ودولة واحدة تذهب بالخلافات والتناحر بين أمراء الأندلس أدراج الرياح.

كانت حقبة "ملوك الطوائف" نقطة سوداء في ثوب الأندلس الأبيض، كما أن المائة سنة الأخير للمسلمين هي من أحط العصور للأمة الإسلامية، ففقدان الخلافة التي كانت تجمع شتاتهم، وعداء الدول مع بعضها البعض، واسئثارها بما في أيديها من موارد، وظلم الشعوب بدكتاتورية لم يأمر بها الدين ولم تحض عليها أية دساتير وقوانين، وذهاب عهد الحريات والإبداع في المجالات المختلفة التي تقيم الحضارات، ووئدها في المهد بدعوى الأمن القومي وسيادة الدولة؛ كل هذا كان باعثًا على الانحطاط وفقدان النهوض وبالتالي المكوث في مربع التأخر والجهل والفساد.

فهل يكمل التاريخ ما بدأه، ويتطابق الماضي مع الحاضر، وينبعث من بين هذه المحنة مرابطين جدد، يجمعون شتات هذه الدول المبعثرة ويعيدوا لها حضارتها ورونقها ويستلون سيف التقدم من غمد التأخر والتذيل، ويعكفون على إعادة الثقة في نفوس الشعوب المسلمة بعد فقدان لها دام سنين - وربما قرون - بسبب تمالك الظنون في النفوس بانعدام إعادة البعث واستحالته.

ربما هذه المحن التي تمر بها الأمة الإسلامية هي بمثابة التدريب العملي والإعداد للطليعة التي ستقود الأمة فيما بعد، تدريب لإخراج كوادر تكون أكثر وعيًا ومعرفة بعد خروجها من آتون المحن التي مرت بها في الآونة الأخيرة، واحتكاكها بتجارب وأحداث تمكنها من فهم طبيعة المعركة والانتصار فيها ثم الإدارة الجيدة ما بعد التمكين.