تواصل تركيا محاولاتها لاستيعاب أزمة اللاجئين المتدفقين على حدودها الجنوبية من جهة الشمال السوري جراء الحرب في سوريا، وربما تكون الهدنة الحالية فرصة مواتية للبحث عن حلول جديدة مجدية مع أزمة اللاجئين التي تتفاقم يومًا بعد يوم في تركيا، بالإضافة إلى ظهور توابعها في الاتحاد الأوروبي الذي يحاول الضغط على تركيا بشتى الطرق بالترغيب تارة وبالترهيب تارات أخرى لاستيعاب اللاجئين ومنع موجاتهم من الهجرة إلى أوروبا.

اقترحت تركيا على الدول المعنية بالأزمة السورية منذ فترة طويلة إقامة منطقة عازلة في الشمال السوري يُحظر فيها الطيران لتوفير ملاذ آمن للسوريين للحد من اللجوء إلى تركيا، وفي نفس التوقيت للأمر مآرب سياسية أخرى يعتبرها الأتراك ضمن أولويات الأمن القومي التركي.

 وذلك فيما يتعلق بضرورة توطين السوريين في الشمال السوري وعدم إخلائه تحت ضغط الحرب لصالح القوى الكردية المتعاونة مع جميع الأطراف الفاعلة في الأزمة السورية بداية من النظام السوري مرورًا بالروس ختامًا بالأمريكان، من أجل تحقيق حلم الدولة الكردية على الحدود السورية التركية، وهو ما تعتبره أنقرة تهديدًا مباشرًا لوحدة أراضيها في الداخل.

هذا الاقتراح سعت تركيا لترويجه في جميع المحافل المتعلقة بمسألة اللاجئين سواء في الاتحاد الأوروبي أو في مؤتمرات مجموعة دعم سوريا، لكن الولايات المتحدة التي كانت أبرز المتحمسين للفكرة تلاشى حماسها مع انحيازها للحل الروسي في سوريا، والذي ظهر في الكثير من المواقف المتعلقة بالحل السياسي ومن بعدها الهدنة.

في المقابل الضغط على تركيا مستمر لاستيعاب اللاجئين، بينما تؤكد تركيا أن على المجتمع الدولي تحمل مسؤولياته تجاه هذه القضية وعددم تصديرها لتركيا وحدها التي بذلت أقصى ما في وسعها واستضافت أكبر عدد من اللاجئين السوريين حول العالم، بينما تشكو أوروبا من بضعة آلاف من اللاجئين السوريين.

وفي نفس الوقت تدعم بعض الدول الأوروبية استمرار الحرب دون رغبة واضحة صريحة لإيقاف مأساة السوريين التي ظهرت مع اشتداد الحملة العسكرية لروسيا على حلب والشمال السوري بمساعدة قوات نظام الأسد التي أخلفت آلاف من المهجرين على الحدود مع تركيا. اضطرت الحكومة التركية مع هذا الوضع إغلاق الحدود أمام هذه الموجة الجديدة من اللاجئين لعدم استعدادها لاستقبالهم بشكل كافي مع محاولات توفير مساعدات لهم على الحدود لكن الوضع الإنساني كان ولا زال كارثيًا.

ثمة حالة من عدم القدرة لدى تركيا وحلفائها لفرض وجهة نظر المنطقة الآمنة في الشمال السوري، خاصة مع جنوح الولايات المتحدة تجاه روسيا التي ترفض هذا المقترح رفضًا قاطعًا، ولاعتبارات سياسية وإقليمية لا تستطيع تركيا أن تتورط في حرب داخل سوريا لفرض هذا الوضع، مفضلة –حتى الآن- على الأقل عدم خوض هذه المعركة حولها حتى مع إبداء السعودية عروضًا بدعم التدخل العسكري.

مقترح جديد

هذا وتتواصل المساعي التركية من أجل بلورة حل لأزمة اللاجئين والشمال السوري الاستراتيجي للأتراك، كان آخرها حديث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالأمس عن أحدث محاولات تركيا لإقامة المنطقة الآمنة.

حيث عرض أردوغان على نظيره الأمريكي باراك أوباما مقترح بناء مدينة جديدة في شمال سوريا بالقرب من الحدود التركية لإيواء بضعة ملايين من السوريين الفارين من الحرب، وأضاف أن مقترح مساحة المدينة سيكون 4.500 كم مع ضرورة تعاون المجتمع الدولي لبناء بُنيتها التحتية لبدء عملية إعادة توطين السوريين بها.

لكن أردوغان أعلن في حديثه أن الأمر لم يصل إلى شئ مع الرئيس الأمريكي أوباما بعد حديثهم عن مقترح مدينة اللاجئين بإحداثياته، دون أن يتوصل النقاش إلى ماهية أو كيفية إنشاء المدينة ولا الجدول الزمني اللازم لذلك.

لعل هذه المحاولة تحت ضغط استقبال قرابة 2.7 مليون لاجئ سوري مع ازدياد موجة اللاجئين في الشهور الأخيرة، بالإضافة إلى محاولات الاتحاد الأوروبي تكثيف الضغوط على تركيا من أجل استقبال المزيد من اللاجئين مقابل بعض المنح المالية مع محاولات انتزاع تعهدات من تركيا بوقف تدفق اللاجئين إلى أوروبا عبر الهجرة الغير شرعية.

في حين ترى تركيا أيضًا أن الأزمة ليست في اللاجئين فقط ولكن الحرب وصلت إلى حدود بلادهم، ومن ثم فإن هناك ضرورة ملحة للتوصل إلى حل، وهو ما أكدته تصريحات نائب رئيس الحكومة التركية والمتحدث باسمها، نعمان قورتولموش، في حوار مع صحيفة الشرق الأوسط التي حاول فيه قورتولموش تأكيد أن الأزمة السورية ليست متعلقة بتركيا فقط بل بدول الناتو أيضًا خاصة مع الإجراءات الروسية الأخيرة.

حيث قلل من إمكانية المواجهة العسكرية مع روسيا داخل سوريا لكن في نفس التوقيت أشار إلى أن هناك خطر نشوب حرب إقليمية بين جميع الأطراف. وأشار إلى أن تصرفات روسيا في سوريا وتبعاتها، ليست موجهة ضد تركيا بالتحديد، محاولًا في تصريحاته أن يضع الأزمة في وجه الجميع بالحديث عن الأزمة الأوكرانية، وتحركات روسيا ضد حلف شمال الأطلسي، والدول الغربية.

وأضاف قورتولموش: "هذه رسالة واضحة للناتو والدول الغربية،  واليوم هم بتدخلهم في روسيا يرسمون حدودهم الجنوبية مع الناتو، هم يقولون إن حدودهم الجنوبية هي الحدود التركية السورية، والآن يحاولون أن يرسموا خطوطًا أمام الناتو والقوى الغربية، ولهذا فإن الخطر ليس على تركيا، بل على الناتو والغرب"، وربما يأتي ذلك في محاولة لإقناع الغرب بضرورة تنفيذ المنطقة الآمنة في سوريا.