سعى حلفاء النظام السوري خلال الثورة السورية إلى تقديم كل أشكال الدعم لحليفهم بشار الأسد الذي ما فتئ يلجأ إليهم ويقدم لهم التنازلات السياسية والاقتصادية، بعد أن أجهد مؤسسات الدولة التي طوّعها في عمليات قمع الحراك الثوري وتطوراته المسلحة، بالمقابل تعددت مسببات دعم الحلفاء بِدءًا من المبررات الأمنية والجيوسياسية ومرورًا بالأسباب التي تتعلق بتفاعلات النظام الإقليمي وأثر مفرزاته على النظام الدولي وليس انتهاءً بمسوغات اقتصادية.

تعود تاريخية العلاقة التجارية بين دمشق و (موسكو وطهران) إلى ما قبل الثورة، ويذكر - بحسب غرفة تجارة دمشق - أن قيمة الاستثمارات الروسية المتراكمة في سوريا حتى 2011 تقدر بنحو 19 مليار دولار تتركز في قطاعات عدة منها الطاقة والسياحة والنقل، كما أن إيران هي ثالث أكبر مستثمر في سوريا بعد السعودية وتركيا، وبعد الثورة أغدقت كل من روسيا وإيران على الأسد الدعم المالي والسياسي والعسكري بالدَّين تارة والتقسيط تارة أخرى ووقعت بينهما اتفاقيات كثيرة في سبيل المحافظة على مصالحها في سوريا وذلك كله منعًا من سقوط النظام الذي تم الاستثمار فيه لمدة عقود، ولم تعقد هذه الاتفاقات على أسس المصلحة والمنفعة للشعب السوري بل جاءت لتعبر عن مدى دعم تلك الدول للنظام السوري واستغلالًا للثروات وصولًا للاستئثار والتحكم في كافة الأدوات الاقتصادية للدولة السورية، الأمر الذي مهّد لهيمنة كلٍ من روسيا وإيران على الخارطة والهوية الاقتصادية السورية.

تحكم روسي كامل الأركان

منذ العام 1962 تعتمد سوريا على روسيا في تأمين احتياجاتها الإستراتيجية، سواءً في مجال النقل الجوي أو بما يتعلق بالتذخير والتسليح، حيث تحتل سوريا المرتبة الخامسة في شراء السلاح من روسيا من بين 80 دولة، وتستورد كذلك مواد كيميائية وأخشاب وورق وحديد وأنابيب معدنية وآلات ومطاط وأعلاف وأشياء أخرى.

وفي سبيل توطيد العلاقات التجارية أكثر بين البلدين وقّع البلدان إبان حكم الأسد الابن عام 2005 قرابة 43 اتفاقية ومذكرة تفاهم شملت الاتفاقات مجالات الدفاع والصناعة والتجارة والسياحة والثقافة والطاقة والري والصحة وتسهيل التبادل الضريبي فيما بينهما، كما شكل تاريخ 29 مايو 2005 علامة فارقة في العلاقات التجارية بين البلدين حيث تم تقليص الديون السورية لروسيا في الاتفاقية المصدقة بالقانون رقم 17 تاريخ 14 يونيو 2005 تم من خلالها شطب 73% من الديون المستحقة البالغة 13.4 مليار دولار مقابل موافقة الرئيس السوري تحويل قاعدة طرطوس إلى قاعدة عسكرية ثابتة للسفن الروسية التي تخشى روسيا فقدانها في حال سقوط النظام، فالقاعدة مهمة لروسيا كونها المنفس الوحيد لها على البحر المتوسط والقاعدة العسكرية الوحيدة لها خارج أراضي الاتحاد السوفياتي السابق.

وفي عام 2010 بلغت قيمة الواردات السورية من روسيا 1.1 مليار دولار في حين بلغت الصادرات السورية 33 مليون دولار، وهذا وحده يوضح ميل الميزان التجاري لصالح روسيا، ولكن بعد بداية الثورة تم توقيع اتفاقات بين البلدين في مجال الطاقة بين وزارة النفط والثروة المعدنية السورية وشركة سيوز نفط غاز الروسية حصلت بموجبها على حق التنقيب عن النفط والغاز في المنطقة الممتدة من جنوب شاطئ طرطوس إلى محاذاة مدينة بانياس وبعمق عن الشاطئ يقدر بنحو 70 كيلو مترًا وبمساحة إجمالية تصل إلى نحو 2190 كيلو مترًا مربعًا، بالإضافة إلى حق التنقيب في حقل قارة في حمص الذي يحوي على 437 بليون متر مكعب من الغاز حسب تقديرات هيئة المسح الجيوبوليتيكة الأمريكية، وفي نفس الدراسة كشفت الهيئة أن الساحل الشرقي للمتوسط يحتوي على مخزون من الغاز يقدر بـ 700 بليون متر مكعب، وهذا يظهر تهافت الروس على دعم النظام السوري للحؤول دون سيطرة أحد غيرها على هذا المخزون ومنافستها على أسواقها.

تعد هذه الاتفاقات مُجحفةٌ بحق الشعب السوري وثرواته من حيث إنها وُجدت لخدمة غرض النظام بالدعم والحماية من السقوط وبالتالي الارتباط بعقود غير متكافئة تحرم البلاد حرية إدارة مواردها الاقتصادية في المستقبل، وتفرض هيمنة اقتصادية سياسية على الحكومة المستقبلية، وهذا ما تبين من خلال آخر "استدعاء" لبشار الأسد إلى روسيا الشهر الماضي حيث وقع مع الطرف الروسي عدة اتفاقيات لم تصرح كلتا الدولتين بمضمونها، ستؤثر الاتفاقات بالإجمال على نمو وتطور سوريا بعد انتهاء الحرب لأنها مبنية على فكرة الاستحواذ والتبعية، والتي ستنتج احتكارًا للثروة، الأمر الذي سيكون عبئًا ومعوقًا أمام أي حكومة قادمة في تنفيذ إستراتيجيات اقتصادية وطنية.

لعلَّ أهم مطمح اقتصادي إستراتيجي لروسيا وراء هذه التبعية الاقتصادية، هي القدرة على تعطيل اتخاذ أي قرار يتعلق بقطاعات الطاقة وطرق إمدادها، فالجغرافية السورية هي ممر محتمل لخط أنابيب خط غاز قطري يمر عبرها إلى تركيا ثم أوروبا أكبر مستورد غاز من روسيا، وبالتالي تمنح موسكو لنفسها أفضلية في عرقلة أي حصار وضغط اقتصادي التي أساسًا تواجه انتكاسات عميقة ناجمة عن سياسات تخفيض أسعار النفط العالمية، وهذا ما تعزز إبّان تواجدها العسكري المباشر في سورية.

نهش إيراني للاقتصاد الوطني

دعمت إيران حليفها الأسد الذي يعاني من انهيار اقتصادي حاد بسبب انخفاض العوائد النفطية بنسبة 90% وتقلص الإيرادات الضريبية من القطاع الخاص، ما قلص إيرادات الموازنة العامة للبلاد بشكل حاد، حيث وصف علاء الدين بروجردي رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني بأن الدعم الإيراني لسوريا " ثابت ودائم وبدون قيود أو حدود".

قدّمت إيران لسوريا ثلاثة قروض أولها مليار دولار في شهر يناير عام 2013 لدعم الاحتياطي النقدي واستيراد السلع الغذائية، وفي أغسطس من نفس العام قدمت القرض الثاني 3.6 مليار دولار لاستيراد المشتقات النفطية، والقرض الثالث مليار دولار لدعم الصادرات الوطنية، وفي عام 2012 وقَع البلدان اتفاقية تقتضي بتبادل المنتجات والسلع دون خضوعها للضرائب والتعرفة الجمركية، حيث ساهم هذا في ارتفاع حجم التبادل التجاري بين البلدين من 280 مليون دولار عام 2010 إلى مليار دولار في عام 2014. وخلال عامي 2012 و 2013 شهدت البلدين توقيع اتفاقات كثيرة أهمها على الإطلاق رهن وبيع بعض شركات القطاع العام لإيران التي لن توفر هكذا فرصة ثمينة في شراء الشركات الرابحة والأقرب إلى مناطق النظام في الساحل، وبهذا قد تتملك إيران شركات الاتصالات والصحة والتعليم والطاقة التابعة للقطاع العام، كما قدم لها امتيازات اقتصادية لقاء دعمها اللامحدود تضمنت اتفاقات لإعادة تشييد أو إصلاح شبكات الطاقة والكهرباء والمواصلات، كون إيران تشكل أكبر منتج للأسمنت والحديد في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى استيراد سلع ومنتجات إيرانية بتمويل إيراني بالدين أو بالتقسيط ومن خلال شركات إيرانية.

وضمن خطط إيران لتوسيع شبكة نقل الغاز والدخول إلى الأسواق العالمية، وقعت اتفاقية مع الحكومة السورية تسمح لها بمد أنبوب لنقل الغاز الإيراني عبر العراق وسوريا ليجري تصديره إلى أوروبا عبر البحر المتوسط.

ابتلاع إيران للاقتصاد الوطني بعد سقوط النظام سيظهر بشكل جليّ بعد كل تلك العقود والاتفاقات التي ما كانت لتحصل عليها في سوق تنافسية وبلد تحكمه إرادة الشعب، لذلك ستجد الحكومة المقبلة نفسها مرتبطةً بعقودٍ مع الشركات الإيرانية في مختلف القطاعات، وفي نفس الوقت ستولدُ مثقلةً بديون طائلة للحكومة والشركات الإيرانية التي أقرضت نظام الأسد أموالًا طائلة صرفها على آلة الحرب والدمار.

من الناحية القانونية تعتبر الاتفاقات الموقعة من طرف النظام مع روسيا وإيران هي نافذة ومُلزمة بالعرف الدولي كونهم أعضاء في مؤسسات الأمم المتحدة التي تضمن شريعتها سيادة أعضائها التامة، وبالتالي فإن بيع شركات القطاع العام، ومنح عقود التنقيب والاستخراج للغاز والنفط على الساحل السوري وعقود إعادة الإعمار وغيرها من اتفاقات سيكون قانونيًا، ونظرًا لما سبق ذكره فإنَّ على المعارضة السورية مقاومة هكذا اتفاقات بالمحافل الدولية لانتزاع قانونيتها من النظام وتجريده من كافة أدواته الاقتصادية، وعلى الحكومة المستقبلية التصدي لهذه المسألة وفق ثنائية الشرعية المحلية والدولية بكافة السبل السياسية والدبلوماسية، وابتكار طرق ووسائل للتفاوض مع هذه الدول من خلال التأميم وسن تشريعات وقوانين تردع تلك الدول التي وضعت أيديها على شركات عامة وموارد وطنية واستثمارات قومية بدون وجه حق.

وعليه قد يُسقط الشعب السوري أعتى الأنظمة في التاريخ البشري وينعتق من سنواتٍ عجاف لاستغلال آل الأسد لثروات البلاد، ولكنه سيواجه طاغوتًا من نوع آخر يتحكم باقتصاد البلاد ويعمل على استنزاف ثراواته خدمة لمصالحه الإستراتيجية في المنطقة، ويقوّضُ السلطات القادمة من حرية إدارة البلاد اقتصاديًا وسياسيًا، فسوريا قلب العالم وبوابة السيطرة عليه وذات الموقع الإستراتيجي تتحول من نعمةٍ إلى نقمةٍ على شعبها المُستعمر في حال بقاء النظام أو زواله.