تستمر مجموعة "بي إن" الإعلامية القطرية في تحولها من مجرد شبكة إعلامية قطرية إلى إمبراطورية للقوى الناعمة، تلك المجموعة التي تأسست في يناير من العام 2014 على أنقاض مجموعة قنوات الجزيرة الرياضية التي انطلقت في العام 2003.

لتصبح مجموعة "بي إن" الإعلامية الجديدة صرحًا عالميًا للقنوات الترفيهية الرياضية والسينمائية في جعبتها أكبر باقة من القنوات المجانية والمشّفرة، التي بلغ عددها 17 قناة حتى الآن، في 24 بلدًا حول العالم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا والولايات المتحدة.

مجموعة "بي إن" التي انطلقت إلى العالمية من الشرق الأوسط وبالتحديد من استديوهاتها في الدوحة أقدمت على شراء مجموعة استديوهات الإنتاج السينمائي  لشركة "ميراماكس"، في صفقة فاجأت الرأي العام، معلنة أن "ميراماكس" الهوليوودية ستواصل العمل كاستوديو مستقل للسينما والتلفزيون بإدارة المالك الجديد "بي إن".

جدير بالذكر أن "ميراماكس" تعد واحدة من أكبر شركات الإنتاج حول العالم التي تعمل في الحقل السينمائي، حيث  أنتجت المجموعة أكثر من 700 فيلم فاز 68 منها بجوائز أوسكار، من بين أشهرها  "المريض الإنجليزي"، "شكسبير عاشقًا"، "لا مكان للعجائز"، إلى جانب "شيكاغو".

تأسست ميراماكس على يد بوب وهارفي وينستين في العام 1979 ثم قاما ببيعها في العام 1993 إلى الشركة العملاقة، والت ديزني، مقابل 60 مليون دولار، وفي العام 2010 قام مجموعة مستثمرين بقيادة رون تيوتر بالاشتراك مع مجموعة كولوني كابيتال وهيئة الاستثمار القطرية، بشراء الشركة بعشرة أضعاف هذا المبلغ من والت ديزني، لينفرد القطريون بعد ذلك مؤخرًا في الصفقة الأخيرة بمجموعة استديوهات "ميراماكس" العالمية.

وفي غضون الأنباء المتواردة عن استحواذ "بي إن" على الشركة لا يُعرف القيمة الحقيقية لها، لكن كولوني كابيتال وسلطة الاستثمار القطرية كانتا تسعيان منذ أكثر من عام لبيع الشركة، إلا إنه لم يتقدم أي مستثمر لشرائها طبقًا لعرض سعر وصل إلى مليار دولار، وهو رقم قد يعطي تصورًا عن قيمة الصفقة الأخيرة.

تنطلق قطر بذلك أكثر نحو تحقيق مصطلح القوة الناعمة بتحقيق غزو واختراق لصناعة السينما الأمريكية التي تُعد أعرق مساحات صناعة السينما العالمية المؤثرة في الرأي العام العالمي دون أي مبالغة.

الفلسفة القطرية متوافقة تمامًا مع إمكانياتها كدولة خليجية صغيرة لكنها تعمل على حيازة تأثير متخطي لحجم جغرافيتها بكثير، حيث قامت على تأسيس عشرات المشاريع الثقافية والإعلامية في العديد من النطاقات الجغرافية العالمية مستغلة ثروتها النفطية الهائلة التي تمكنها من الانطلاق دون النظر إلى أي عوائق مالية.

من بين أضخم هذه المشروعات الضخمة للقوة الناعمة بالتأكيد هي شبكة قنوات الجزيرة وأدوات إنتاجها المساعدة لها من مراكز وشراكات، والتي دخلت مضمار المنافسة العالمية في المجال الإخباري السياسي، وباتت تحتل المركز الأول في العالم العربي من حيث الانتشار.

كذلك تتخطى قطر مجالات السياسة بالدخول في مشاريع ثقافية وترفيهية أخرى من أضخم ما يكون كمشروع متحف الفنون الإسلامية العملاق، أومهرجان "ترابيكا" للأفلام، بالإضافة إلى توجيه الاستثمار في مجموعة واسعة من التظاهرات الرياضية، ككأس العالم لكرة القدم أو الألعاب الأسيوية أو الألعاب العربية أو استضافة بطولات تنس عالمية، وشراء كبريات الفرق الأوروبية لكرة القدم.

تلك هي الإستراتيجية القطرية الكبرى التي تحدث عنها رئيس مجلس إدارة مجموعة "بي إن" الإعلامية رجل الأعمال ناصر الخليفي، رئيس نادي باريس سان جيرمان الفرنسي لكرة القدم أيضًا الذي قال عقب إتمام صفقة ميرامكاس في هوليود: "نحن سعداء جدًا لأننا حققنا هذا الهدف الأساسي في إستراتيجيتنا".

وبلا شك ستعمل ميرامكاس على إضافة نوعية محتوى جديد لقنوات "بي إن" سيجتذب شريحة جمهور أعلى مما هي عليه الآن، نظرًا لتمتع ميراماكس بعلامة سينمائية وتلفزيونية قوية تمثل اسمًا ناجحًا ذا ثقل معترفًا بكفاءته عالميًا، مما سيساعد على تطوير محتوى القنوات بكل تأكيد.

ويبدو أن السياسة القطرية الناعمة تتجه الآن للخروج من ضربة الربيع العربي المؤلمة التي تلقتها عقب الدعم اللامحدود لدول الثورات والذي انتهى بهزيمة مؤقتة وانتصار لمعسكر الثورة المضادة الذي تقوده دول خليجية أخرى على رأسها الإمارات العربية المتحدة التي تنافس دولة قطر في صناعة نفوذ عالمي وإقليمي.

تسعى قطر لزيادة رقعة النفوذ العالمي من خلال خوض غمار تجربة الاستثمار في هوليود وهي تجربة فريدة من نوعها سوف تكون لها تبعاتها على مستوى السياسة والاقتصاد والدبلوماسية في قطر بعد أن تبدأ قطر في بث أولى إنتاجاتها عالميًا في هوليود الأمريكية برأس مال عربي خالص.

هذه القوة الناعمة تُدرك دولة قطر مدى أهميتها في مقابل النزاعات التي يسعى لها الساسة، إذ إن صناعة هذه القوة الناعمة يبدأ باستغلال الموارد المتـاحة للاستثمار في مجالات خارج إطار النزاعات السياسية في المجالات الثقافية والرياضية والفنية إقليميًا ودوليًا.

ومن خلال ذلك يبدأ المستثمر في بث قيمه والتأثير على سلوكيات المتلقي، دون اللجوء للقوة التقليدية وهو أمر لا يخلُ من الاستغلال السياسي بأي حال، وهي سياسة ستعود بنجاح اقتصادي بلا شك على متخذي مسارها في إطار تنويع مجالات الاستثمار بعيدًا عن النفط ومشتقاته كما هو في الحالة القطرية.

ولا يُعد هذا الموقف القطري الأول الذي يتضح فيه السعي وراء تعظيم القوة القطرية بطرق غير تقليدية، ولكنه سيُعد الانعطافة الأبرز في الاستثمار في مجالات مبتكرة لصناعة أكبر حملات الدعاية والإعلان للدولة القطرية، والتي ستصنع من الدولة القطرية بطلًا عالميًا بلا شك خاصة مع توالي ترديد اسم قطر في كافة المحافل الدولية غير السياسية كبطولات العالم الرياضية والتي تعتبر قمتها كأس العالم لكرة القدم الذي نجحت قطر في اقتناص تنظيمه لعام 2022 المقبل والذي سيكون بلا شك انعطافة أخرى في التاريخ القطري.