الأمة في ظل بوتين

يصل تعداد السكان من المسلمين في روسيا الاتحادية إلى قرابة 16 مليون نسمة، تمثل هذه النسبة قرابة الـ 12% من مجموع سكان روسيا، وغني عن الذكر أن هذه الأرقام لا تشمل ملايين المسلمين من سكان دائرة النفوذ الروسية، أو جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق التي لم تبق جزءًا من الاتحاد السوفيتي، في الواقع يمثل هؤلاء المسلمون الأغلبية العظمى من سكان جمهوريات كطاجيكستان أو أوزباكستان أو كازخستان أو قرغيزيا.

يأتي النظر على هذه الأرقام على قدر كبير من الدلالة والأهمية عند أخذ التطورات الأخيرة للسياسات الدولية الروسية في الاعتبار، إذ يمكن رؤية التوسع التدريجي للاهتمام الروسي بالتوجه غربًا وجنوبًا، ويختلف الكثير من المحللين على تفسير الدوافع الأيديولوجية خلف هذه الرغبة؛ إذ يزعم البعض أنها محاولة لإعادة ربط الواقع الروسي بالتاريخ القومي القيصري السابق على الاتحاد السوفيتي، ويزعم البعض الآخر أنها مجرد محاولة براجماتية لاستعادة النفوذ الروسي الذي وصل لأقصى مداه مع الاتحاد السوفييتي، وعلى أي الحالتين يصبح الرعايا المسلمون للدولة الروسية عاملًا شديد المحورية في معادلة التوسع السابقة.

تمظهرت الرغبة التوسعية السابقة في ثلاث مساحات من الصراع في غضون السنوات الأربع الماضية؛ الأزمة السورية وأزمة شبه جزيرة القرم والصراع في شرق أوكرانيا على الترتيب، ويجب الإشارة هنا إلى أن كل من الأزمتين الأولى والثانية كان عدد كبير من الرعايا المتأثرين بها من المسلمين؛ التتار في حالة شبه جزيرة القرم، والمكون السكاني المسلم الغالب على سوريا بمختلف طوائفه.

لا شك أن الواقع السابق قد حتم على الدولة الروسية إعادة النظر على واقع علاقتها مع مختلف الجماعات المسلمة تحت حكمها المباشر أو تلك الواقعة في دائرة اهتمامها، وإعادة النظر تلك تتطلب أخذ الترتيبات التي قامت سابقًا من قبل كل من روسيا القيصرية والاتحاد السوفيتي في الاعتبار.

فمثلا كان لالتصاق الدولة القيصرية بالكنيسة الأرثوذوكسية الروسية دورًا شديد الأهمية في فهم الرعايا المسلمين تحت حكم القيصر لعلاقتهم بهذه الدولة، خصيصًا مع وجود الدولة العثمانية التي ربطها بهؤلاء الرعايا كلًا حفاظها على لقب الخلافة، والرابط الإثني بين الأتراك السنة بأبناء عمومتهم من سكان أسيا الوسطى.

أما في حالة الاتحاد السوفيتي وخصيصًا في عهد ستالين وما تلاه، فلا يمكن غض النظر عن عملية القمع المنهجية ضد كافة الجماعات والمؤسسات الدينية على حد سواء، وقد كان لهذه السياسة دورًا شديد الأهمية في صياغة مختلف الجماعات الدينية والمجتمعات الإسلامية تحديدًا لهويتها في مواجهة القمع والمحو المنهجي لها.

تطفو هذه الإشكالية مرة أخرى على السطح في زمن اختلفت فيه قواعد اللعبة الاجتماعية، إذ أصبحت إعادة التواصل مع مكونات الهوية غير محدودة بالزمان ولا المكان، يستطيع الإنسان ببعض ضغطات الأزرار أن يصل إلى الكثير من القصص والنصوص والحوارات عن هويته كمسلم مثلًا، وتستطيع الشبكات الاجتماعية أن تصل أحد المسلمين في جزيرة القرم بالكثير من الأشخاص سواء من التتار أو غيرهم ممن هم خارج القرم.

والطبيعة السابقة لتكوين الهوية وعدم ارتباطها بالأرض لا تختلف في سيولتها عن طبيعة الهجوم الروسي على الأراضي السورية خصيصًا، إذ إنه دخول إلى أرض لا تربطها صلة بالأرض الروسية سوى الاعتبارات الإستراتيجية لمصالح الكرملين.

الواقع غير المشكوك به هو أن مسألة الهوية تزداد حدة مع الوقت في العالم أجمع، ويأتي ذلك نتيجة لتنامي الاتصال العالمي عبر التجارة والهجرة وغيرها، ويمكن رؤية ذلك في بزوغ النزعات اليمينية المتطرفة في أغلب بلدان وسط وشمال أوروبا وفي روسيا نفسها، ويأتي هذا في محاولة للحفاظ على الوحدة القومية والوطنية للوقوف في وجه الحركة المتسارعة للمال والثقافة عبر العالم.

إلا أن هذا يمكن رؤيته أيضًا في بزوغ حركة القطاعات المهمشة من الجماعات الإثنية والطبقات الاجتماعية عبر العالم نتيجة لسهولة التواصل والسفر بشكل غير مسبوق، وقد يكون سفر عشرات وربما مئات المقاتلين من روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق للمشاركة في صفوف تنظيم الدولة في سوريا والعراق خير مثال على ذلك.

كل هذا يعني أن روسيا بنزعاتها الجديدة تواجه إشكالية ضبط علاقتها الجديدة بمسلميها ذوي الأعداد غير القليلة أبدًا، خصيصًا مع اختيار الدولة الروسية بإضفاء الصفة الدينية على حربها في سوريا عبر التدخل والدعم الواضحين من الكنيسة الأرثوذكسية في سان بطرسبرج، كل هذا بينما يشتعل أنين جماعات مسلمة لا تستطيع أن تصل إلى شكل واضح من المواطنة تحت الحكم المباشر للدولة الروسية.

وربما يكون النظر على المشكلة المستمرة في تركستان الشرقية تحت الحكم الصيني مفيدًا في هذه الحالة، فعلى العكس من الغموض الروسي لا تقبل الحكومة الصينية أن يتواجد إجابة على مسألة الهوية داخل إقليم تركستان الشرقية سوى صورة الهوية الصينية الموحدة.

ووفقًا لهذه الرؤى قد يكون كعب أخيل الذي يمثل خطرًا مبهرًا على روسيا في الفترة المقبلة هو تركيا تحديدًا، تركيا التي يربطها مجموعة ضخمة جدًا من الروابط التاريخية والعرقية بأغلب المسلمين تحت حكم روسيا وحلفائها.

إذ إن تركيا داوود أوغلو على الرغم مما تواجهه من صعوبات سياسية واقتصادية جمة حاليًا هي تركيا مغرقة في إعادة اكتشافها لذاتها وتاريخها، تركيا تعمل بشكل جاد على توسيع عمقها الإستراتيجي باستغلال الروابط التاريخية والثقافية والدينية بالمكون البشري في محيطها، ولا يخفى مثل هذا المجهود عند النظر على التوسع الاقتصادي والتعليمي التركي في بلاد كطاجيكستان وقرغيزيا.

الإشكالية التي تواجهها روسيا بعدم وصولها إلى ترتيب عادل ومقبول لمواطنة سكانها غير المسلمين قد لا تكون حادة حاليًا، إلا أنها شديدة الخطورة بالنظر إلى السرعة التي تقوم روسيا بالدخول بها إلى ساحات الخلاف الدولي حاليًا، وبهذا الشكل في حالة استيعاب الخطر الروسي على النظام العالمي الحالي من قِبل القوى الغربية بتوجيه هزيمة عسكرية مؤلمة تهز أركان الدولة الروسية، فإن سيناريو البلقان بعد انهيار يوغوسلافيا تيتو لا يصبح بعيدًا، بل ويصبح أكثر خطورة بكثير في عالم شديد السرعة والاتصال.