أصبح معلومًا أن القنوات التلفزيونية من أكثر الأدوات نجاعةً في التأثير على فارغي العقول وأصحاب الثقافة الضحلة، عبر المواد التي تبثها طيلة اليوم، من برامج وإعلانات ومسلسلات درامية، ولطالما كان الجنس من أهم المواد التسويقية للجمهور وخاصة الشباب، فتبرع هذه القنوات في تجارة الأوهام، ودغدغة المكبوت، وبيع الأحلام الأمريكية الخادعة في المجد والثراء والمتعة الجنسية، ومن ناحية أخرى، خضوع الإعلامي للسياسي، أي معرفة فقط ما تسمح به السلطة، وتسليط الأضواء على ما يوافق مصالحها، والتعتييم على غيره، في النتيجة، نحصل على معرفة مجتزأة ومزيّفة، والقنوات الفلسطينية تعمل بتمويل حزبي، فئوي، وكل منها يهدف إلى تأطير الشارع، وتوجيه الرأي العام، ونشر أوساخ الطرف الآخر بملاقط وطنية، والشاب الفلسطيني يتلقف هذه البالونات والإنجازات الكلامية، من كافة التيارات التي أصبحت في حالة دفاع، وتمترُس خلف الأيديولوجيا، ولا تقدم أي شيء حقيقي لتغيير الواقع، الذي يزداد في كل يوم سوءًا.         

حالة التشرذم والانقسام بين أكبر حزبين متصارعين، والتي تظهر جليّةً على قنواتهم ومواقعهم الإلكترونية، وبعد مرور كل هذه السنوات الطويلة، مع حراك شبابي حقيقي طفح على السطح، يطالب بتحقيق الوحدة، والرفق بالشعب الذي يذهب ضحيةً لصراعاتهم الحزبية، دون أي مجيب، تدفعهم إلى الإحباط ومعيشة هذه الحالة من التشرذم والضياع فكريًا ونفسيًا، فثمّة شباب جديد بدأ يظهر، بعيدًا عن تقديسه كشباب مقاوم، وتحت وطأة الواقع وتغيّر أنماط الحياة، وبعد سنوات من تعرضه للقمع والقتل والكبت، يتّجه نحو دروب مجهولة، ومحفوفة بالمخاطر، مثل التطرف والفساد والشذوذ الجنسي.                                      

ومن الأمثلة على دور القنوات التليفزيونية في التلاعب والتأثير على عقول الشباب الفلسطيني، أغنية " ازرع ليمون وتفاح، ثورتنا شرعية دون سلاح"، والتي بثّت عبر تلفزيون فلسطين الرسمي، فهي ليست مجرد أغنية رديئة في كلماتها وألحانها وموسيقاها، ولكنها تصلح أن تكون واجهة لمسلسل يتناول الحالة المترديَة التي وصل إليها البعض، والانفصام المعرفي والأخلاقي، فتوصف بندقية المقاوم، وهي التي لا جدال عليها، إذ إنها أقدس وأشرف أداة لدفع المحتل، ونيل الحقوق إنسانيًا ووطنيًّا، بأنها غير شرعية.                     

الشعور بالضياع وغياب الرؤية وتغير القيم، وحين يصبح الواقع صلبًا وقاسيًا، يصبح الهروب نحو الأفكار الرجعية والتي تميل إلى الاستكانة واستخدام التاريخ، لما فيه من سحر وغموض على النفس البشرية، أسهل من أي وقت آخر، ويصبح تقديس التراث والأسلاف من المتن وضمن المعتقد الفردي، وخوفًا من المعرفة، لأنها تصدم وتثير مزيدًا من الأسئلة، يصبح الجهل خيارًا ممكنًا وفي متناول اليد، فالتطرف الديني يمنح الأجوبة والحل والحقيقة الواحدة، كما أن إقصاء وقتل الآخر أو الفكرة الجديدة، أسهل من الحوار والتفاهم ثم التشكيك بالمنظومة الأسمنتية التي يحملها المتطرف لتحميه.                                            

فالشباب اليوم، يقعون عرضة للتضليل الفكري وتسييس الدين، من خلال الخطاب الديني المعاصر الذي يستخف بالعقل البشري، وقدرة الإنسان على قراءة معطيات الحاضر ومعالجتها، من خلال التناقض وقول الشيء وضده، حيث ترجع كل الهزائم والإخفاقات والظواهر الاجتماعية إلى عامل واحد، وهو الله، وليس إلى تكاسل الإنسان وعدم إنتاجيته، ويتم استغلال أحداث مرتبطة بظروفها التاريخية، لها أسبابها ونتائجها، لتطبيقها على واقعنا المعاش، بهدف تخدير العقل، وشيطنة الآخر، كما أن الخطورة تكمن في مضمونه حيث يؤجّج الصراعات والصدامات بين أفراد الدين الواحد أو مع الأديان الأخرى، فبدلًا من نشر القيم الإنسانية الجميلة مثل التسامح والتعايش وتقبل الآخر، أصبح هذا الخطاب مصنعًا لتيارات سياسية، وفكرية تدعو إلى التطرف والتشدد وإقصاء الآخر.                                                                         

المطلوب، هو إعلام هادف ومعاصر، غير مسيس أو موجه، وعلى الشباب الاعتماد على الكتب في التثقيف وأخذ المعلومة، أكثر من التليفزيون، بل يجب أن تصبح القراءة مثل الأكل والماء والهواء، تخرج من نطاق الهواية وقضاء أوقات الفراغ، وتصبح فرضًا يوميًا عليهم، ثم الحذر من الخطاب الديني في أيام الجمعة، والدروس الدينية على المحطات، وألا ننساق خلفه عميانًا، دون تفكير، وعليه هو الآخر أن يجدد في طرحه، من خلال الربط بين النصوص والحياة المعاصرة، بأسلوب مفهوم وعقلاني، قائم على الإبداع والتجدد، وليس الجمود والتحجر وتغييب الوعي.