تعتبر دول جنوب شرق آسيا ذو الغالبية المسلمة والتعددية في الأعراق والأديان والأعراف من أشد الدول مناصرة للقضية الفلسطينية على مر السنوات، فظاهرة خروج مظاهرات حاشدة بعد أي اعتداء اسرائيلي على الشعب الفلسطيني وحرمة الأقصى متواجدة بقوة، وما عزز هذا الشعور أيضا هو احتضان جالية فلسطينية تعامل بظروف استثنائية نوعا ما.

دول جنوب شرق آسيا لها تجارب عديدة ومريرة مع الاستعمار الغربي وبعد الاستعمار عاشت كل دولة تجربة استقلال فريدة خاضت فيها غمار الحرية واكتوت بنار الفتنة حتى استطاعت تشكيل نموذجها الديمقراطي وبناء دول حديثة تحفظ كرامة المواطن وتقدم له كل سبل العيش المرفهة.

مرّ على تلك الدول أسماء لايزال التاريخ يذكرهم سطروا كل معاني الإخلاص لبلدانهم منهم "محمد مهاتير محمد" رئيس وزراء ماليزيا الذي استقال طواعية في عام 2003 و"لي كوان يو" رئيس وزراء سنغافورة الذي ترك منصب رئاسة الحكومة ومنصب أمين عام الحزب السياسي وآخرين غيرهم ممن اعتبروا تطور دول جنوب شرق آسيا هي من النزعة الجماعية المتأصلة في المجتمع الآسيوي.

نون بوست يسافر بالقارئ إلى تجارب تلك البلدان لنعرف كيف تتعامل تلك البلدان مع القضية الفلسطينية وتتفاعل معها شعوب المنطقة؟ كيف يُعامل اللاجئ الفلسطيني هناك؟ وماهي التجارب التي ممكن للعرب الاستفادة منها في ظل ما تعيشه تلك الدول من تنوع عرقي وإثني وديني ممزوج بطعم الحرية والديمقراطية.

الأستاذ "مسلم عمران" فلسطيني الجنسية في ماليزيا منذ 15 عاما يدير المنظمة الفلسطينية في ماليزيا وإندونيسيا، عايش الكثير من تجارب تلك الدول، يروي لنون بوست في لقاء خاص ما رأه وعايشه في ماليزيا وإندونيسيا.

 

وفيما يلي نص اللقاء كاملا:

 

  • الأستاذ مسلم عمران وأنت مقيم منذ قرابة ال 15عاما في ماليزيا وتتنقل بين دول جنوب شرق آسيا، كيف ترى تعاطف وانسجام شعوب هذه الدول مع القضية الفلسطينة تاريخياً؟

تعتبر دول جنوب شرق اسيا من أشد الدول مناصرة للقضية الفلسطينية. ولعل أهم أسباب مناصرة هذه الدول للقضية الفلسطينية قناعة شعوبها وقياداتها بعدالة القضية وضرورة إنهاء المعاناة الانسانية للشعب الفلسطيني، وإدراكهم للعلاقة التاريخية بين نضالهم ضد الاستعمار في الماضي ونضال الشعب الفلسطيني الحالي. كما يضاف إلى هذه الأسباب سبب آخر لدى مسلمي هذه المنطقة، الذين تزيد نسبتهم على ٤٠٪ من سكان المنطقة، وهو ايمانهم بقداسة المسجد الأقصى المبارك وبيت المقدس وأهمية الروابط الدينية بينهم وبين الشعب الفلسطيني.

وقد لا أكون مبالغا إن قلت أن تعاطف وتأييد بعض دول وشعوب المنطقة للقضية الفلسطينية يكاد يفوق قرينه في عدد من الدول العربية. فلا يكاد يقع عدوان اسرائيلي جديد إلا وتخرج الآلاف تجوب أنحاء ماليزيا واندونيسيا وغيرها من دول المنطقة تنديدا بالعدوان. ومن المشاهد المؤثرة مثلا أثناء العدوان الاسرائيلي على غزة عام ٢٠١٤ تسمية أهالي إحدى القرى الماليزية لجسر القرية ب "جسر غزة"، وقد كان ولا يزال العلم الفلسطيني مرفوعا على ذلك الجسر منذ عدوان عام ٢٠٠٨/٢٠٠٩.

ومما يذكر هنا أيضا أن وزير الرياضة الماليزي خيري جمال الدين كان في زيارة رسمية إلى المملكة المتحدة أثناء العدوان الاسرائيلي على غزة في يوليو ٢٠١٤، فغير جدول زيارته الرسمي وخرج للمشاركة في مسيرة التنديد بالعدوان الصهيوني التي اقيمت في شوارع لندن. ولم يكن موقف وزير التجارة الماليزي اسماعيل صبري ىنذاك أقل قوة، حيث أعلن عن إغلاق حسابه في بنك HSBC ونشر صورته وهو يقص بطاقة البنك للتنديد بقيام البنك بإغلاق حسابات مصرفية لبعض مناصري القضية الفلسطينية.

 

ولعل أكبر الوفود المشاركة في قوافل كسر الحصار على غزة كانت من دول المنطقة، وقد ساهمت شعوب المنطقة -رغم بساطة إمكاناتها أحيانا- بعدد من مشاريع إعادة الإعمار في غزة كالمستشفى الاندونيسي والمساجد الماليزية وغيرها..

هذا التعاطف وهذه المواقف يعودان تاريخيا إلى حقبة الاستعمار، حيث وقف الفلسطينيون مبكرا إلى جانب الشعوب المستعمرة في نضالها ضد الاستعمار الأجنبي.

فكان الزعيم الفلسطيني الحاج أمين الحسيني مثلا يخطب في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي عبر  أثير إذاعة القاهرة داعيا لنصرة الشعب الاندونيسي في ثورته ضد الاستعمار الهولندي، وعند اشتداد الثورة الاندونيسية أطلق الحاج أمين حملة كبرى لجمع التبرعات للثورة الاندونيسية. وعلى الجهة الأخرى صدر الاندونيسيون عند الاستقلال دستورهم ببند يدعم حقوق شعوب العالم في تقرير المصير ويرفض الاستعمار بكل أشكاله ويدعو الحكومة الإندونيسية لدعم الشعوب المستعمرة في ثوراتها ضد المحتل. 

ولا يقتصر هذا التاريخ النضالي على اندونيسيا فحسب، ففيتنام مثلا واجهت استعمارا فرنسيا طويلا وانتصرت عليه، ثم استعمارا أمريكا قاسيا ودحرته، وكانت أبواب الدولة حديثة الاستقلال مشرعة لقيادة الثورة الفلسطينية وداعمة لها -رغم ندرة الإمكانات انذاك- كما أرخ لذلك الشهيد أبو إياد صلاح خلف في "فلسطيني بلا هوية". 
أما دول المنطقة الأخرى فقد عانت من ويلات استعمار امتد في بعضها -كما الحال في ماليزيا والفلبين وغيرها- مئات السنين. هذا التاريخ النضالي المشترك جعل من هذه الدول ظهيرا مؤكدا للقضية الفلسطينية على مدى السنين. 
وقد فشلت الجهود الصهيونية -رغم كثافتها- في تحقيق اختراق حقيقي في علاقة الكيان الصهيوني مع معظم دول هذه المنطقة، لسبب رئيسي هو ايمان قادة هذه الدول بعدالة القضية الفلسطينية وادراكهم لحقيقة أن مصالحهم الاستراتيجية هي مع  نصف مليار عربي ومليار ونصف مسلم وليس مع احتلال غريب سيزولل عاجلا أم آجلا للزوال.

  •  كيف انعكست أصداء الانتفاضة الفلسطينية الثالثة على الشعب والحكومة الماليزية كونكم تعيشون في ماليزيا؟

كان من اللافت منذ اندلاع انتفاضة القدس تفاعل الشعب الماليزي بكل مكوناته مع الحدث. فعلى الرغم من تباعد المسافات وكثرة القضايا والمشاغل المحلية، لم تكد تندلع انتفاضة القدس مطلع شهر أكتوبر ٢٠١٥ حتى هبت الجماهير الماليزية نصرة للقدس والأقصى، فاحتشدت الألوف يوم ٢ أكتوبر ٢٠١٥ أمام السفارة الأمريكية في كوالالمبور فيما سمي بماليزيا ب"يوم الغضب" للمشاركة في الاحتجاج على الاعتداءات الصهيونية على الأقصى وللتعبير عن التضامن مع الشعب الفلسطيني المنتفض. وكان لافتا في هذه المظاهرة مشاركة كل شرائح الشعب الماليزي في الحدث، فشارك ممثلون عن أكثر من ٤٥ منظمة وحزبا في المظاهرة، وخطب في الحشد قياديون من حزب "أمنو" أكبر أحزاب التحالف الحاكم جنبا إلى جنب مع قيادات من حزبي "العدالة" و"أمانة" أكبر أحزاب المعارضة، بالإضافة لمشاركة قيادات الأقليات الصينية والهندية في هذه التظاهرة.

هذا التفاعل مع انتفاضة القدس لم يكن حدثا معزولا بل هو الطابع العام للشعب الماليزي بكل شرائحه وطبقاته. فبالإضافة للتفاعل الشعبي المستمر سجلت القيادات الماليزية مواقف داعمة مميزة، فاستضاف رئيس الوزراء الماليزي نجيب عبد الرزاق وفدا من قيادة حركة حماس يرأسه رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل مطلع شهر كانون الأول الماضي للتعبير عن تضامنه مع الانتفاضة، وكان قبل ذلك قد ندد بشدة بالاعتداءات الصهيونية على المسجد الأقصى أثناء خطابه في الأمم المتحدة، في حين غابت القضية الفلسطينية عن خطابات الكثير من زعماء الدول العربية والإسلامية الآخرين.
وكان نائب رئيس الوزراء الماليزي الدكتور "أحمد زاهد حميدي" واضحا أيضا في دعمه لدفاع الشعب الفلسطيني عن القدس والمقدسات حين دشن نهاية عام ٢٠١٤ حملة أنقذوا القدس في أكبر مساجد العاصمة الإدارية بوتراجايا بمشاركة ممثلين عن ٢٧ منظمة إسلامية وحقوقية.  

                                                                                             
وعلى مدى الشهور الأربعة الماضية تنوعت حملات الدعم والمناصرة بين مظاهرات ومحاضرات ومؤتمرات وجمع تبرعات وغيرها. ومن المميز في ماليزيا شدة نشاط منظمات المجتمع المدني وكثرتها. فبينما تشارك العشرات من منظمات المجتمع المدني الماليزي بالتفاعل مع القضية الفلسطينية بشكل متكرر، تركز قرابة ١٠ منظمات على العمل خصيصا للقضية الفلسطينية كمنظمات أمان فلسطين وأقصى شريف وفيفا فلسطين ومؤسسة القدس وغيرها                                                                          
ولا أكون مبالغا إن قلت أنه لا يمر يوم في ماليزيا دون وجود فعالية (محاضرة، مؤتمر، مظاهرة، حفل... الخ) تقام لنصرة القضية الفلسطينية.    

                                                                                       

  •  بحكم عملكم في إدارة منظمة الثقافة الفلسطينية في ماليزيا، هل اقتصرت ردود فعل الحكومتين الماليزية والاندونيسية في هذين البلدين المهمين في العالم الإسلامي على التنديد والشجب أم تجاوزتها بأفعال ساعدت القضية الفلسطينية بالفعل؟

من الضروري التأكيد في البداية على بعض القضايا المهمة في هذا السياق:
أولا، القضية الفلسطينية بحاجة لكل الجهود العربية والإسلامية والدولية، وليس بإمكان الشعب الفلسطيني وحده -رغم بطولة أبناءه وعظم تضحياتهم- أن يدحر الإحتلال الصهيوني، فالإحتلال الاسرائيلي للأراضي العربية هو رأس الحربة لمشروع غربي استعماري إحلالي تدعمه وتمد في عمره بعض القوى العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. ولن يكون من السهل هزيمة مشروع بهذا الحجم دون تكاتف الجهود الفلسطينية والعربية والإسلامية والدولية ضده.

ثانيا، لا شك أن المسؤولية التاريخية في قضية مواجهة الاستعمار الصهيوني تقع أولا على عاتق الشعب العربي الذي لا تزال اسرائيل تحتل أراضيه في فلسطين وسوريا ولبنان، وثانيا على الشعوب المسلمة التي تمثل فلسطين جزءا مركزيا من وجودها الحضاري، إلا أن الحقيقة الحاضرة بشكل واضح أيضا هي خطورة الوجود الصهيوني على جميع أحرار العالم، عربا كانوا أم مسلمين أم غير ذلك. وما قيام اسرائيل بالتجسس على المصالح الحيوية لبعض الدول كمفاعلات باكستان النووية أو دعمها لديكتاتوريات مستبدة كتلك التي حكمت أمريكا اللاتينية وتدريبها وتسليحها لبعض الجماعات الارهابية أو المتمردة في عدة أنحاء من اسيا وافريقيا إلا أمثلة صارخة على هذا الخطر المستمر. وكما أنه لا يمكن إنهاء خطر ثعبان إلا بضرب رأسه، فإنه لا يمكن ضمان سلامة واستقرار الكثير من دول العالم إلا بإنهاء منبع الخطر المتمثل بالاحتلال الصهيوني.

ثالثا، تمثل مقاومة الشعب الفلسطيني مصلحة كبرى لدول وشعوب العالم الحر، حيث أنها بالإضافة لكونها تمثل -وبشكل ملموس- خط الدفاع الأول في وجه الخطر الصهيوني على العالم، تمثل رافعة معنوية كبرى لكل القضايا العادلة في هذا العصر، فانتصار حفنة من المحاصرين في غزة على أكبر ترسانة عسكرية في منطقة الشرق الأوسط وبطولة شباب وفتيات عزل يرابطون حول المسجد الأقصى أمام جنود مدججين بالسلاح يمثلان ينبوع إلهام متجدد لكل المناضلين حول العالم، وليس من مصلحة أحد منهم أن تخفت هذه الشعلة المضيئة

في إطار هذه الحقائق يتضح أن كل أشكال الدعم المقدم للنضال الفلسطيني من جميع أنصار القضية الفلسطينية بحاجة للتطوير والإنماء. فانتصار النضال الفلسطيني هو انتصار لكل هؤلاء، وهزيمته -لا قدر الله- هزيمة لهم أجمعين.

لكن من اللازم أيضا عند الحديث عن مواقف الدول انصاف الجهود المبذولة وتقدير المواقف المميزة. فالحكومة الماليزية بقيادة رئيس الوزراء نجيب عبد الرزاق كانت واضحة في تأييدها للنضال الفلسطيني في شتى المحافل الدولية. وفي الحقيقة، رغم كون الموقف الماليزي الرسمي الداعم للقضية الفلسطينية موقفا تاريخيا يعود إلى أيام ما قبل استقلال ماليزيا إلا أن مواقف حكومة نجيب كانت أكثر تقدما من مواقف سابقيه. 

وقد تنوع دعم حكومة نجيب بين السياسي والمادي والمعنوي. فكانت أولى القضايا التي طرحها مبعوث ماليزي لمجلس الأمن فور انتخاب ماليزيا لعضوية المجلس غير الدائمة عام ٢٠١٥ هي ضرورة دعم الفلسطينيين وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأرضهم. كما كان نجيب أول رئيس حكومة غير عربية يزور قطاع غزة المحاصر عام ٢٠١٣م.

والتزمت الحكومة الماليزية بالمساهمة في إعمار غزة وإقامة مشاريع داعمة في القدس، بعضها تم وبعضها قيد التنفيذ والمتابعة.

أما اندونيسيا فقد أكدت حكومتها السابقة غير مرة على دعمها للشعب الفلسطيني، وكانت القضية الفلسطينية حاضرة في الحملات الانتخابية للمرشحين الرئاسيين عام ٢٠١٤م. وقد تعهد الرئيس جوكوي بجعل القضية الفلسطينية حاضرة بشكل دائم على أجندته، ورغم انشغال الحكومة الحالية بالكثير من التحديات الداخلية والقضايا الاقليمية إلا أن الموقف الرسمي لا يزال ملتزما بدعم الشعب الفلسطيني في نضاله انطلاقا من مبادئ الدستور الاندونيسي الداعية لنصرة الشعوب المستعمرة. وقد كانت آخر المواقف الاندونيسية الداعمة هي استضافة مؤتمر عقدته الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي للقدس في جاكرتا منتصف كانون الأول ٢٠١٥م.

لكن من الضروري في هذا السياق التأكيد مرة أخرى أن القضية الفلسطينية بحاجة لمضاعفة الجهود، فرغم أهمية ما قدمته حكومتا هذين البلدين إلا أن حجم التحدي كبير وقابلية هذه الدول لمضاعفة جهودها متوفرة. 

 

  • هل هناك رئيس حكومة آخر بين دول المنطقة يخرج وينتقد اسرائيل وينعتها بالإرهاب الدولي كما فعل مهاتير محمد في القمة العاشرة لمنظمة المؤتمر الإسلامي الذي جرى في كوالالمبور؟

لا شك أن مهاتير محمد واحد من أشد خصوم اسرائيل وحلفائها جرأة، فقد انتقد السياسات الأمريكية الداعمة للكيان الصهيوني بكل وضوح أثناء فترة حكمه وبعدها، كما وصف اسرائيل بالكيان الإرهابي عدة مرات. ودشن عام ٢٠١٤ محكمة دولية في كوالالمبور لمحاكمة مجرمي الحرب الصهاينة لجرائمهم في فلسطين ولبنان، وتمثل منظمتا بردانا للسلام العالمي ومحكمة كوالالمبور الدولية لتجريم الحروب اللتان يرأسهما مهاتير حاليا منصتين عالميتين فاعلتين في مواجهة إسرائيل إعلاميا ومعنويا. 
ولعل أهم مميزات مهاتير في نقاشه للقضية الفلسطينية وغيرها من القضايا جرأته الفكرية التي تزعج خصومه بل حتى أصدقائه في بعض الأحيان، بالإضافة لعدم اكتراثه ببعض المسلمات الغربية التي قد تردع أصحاب الرأي عن البوح بقناعاتهم. 

ورغم اختلاف شخصيات وقناعات الكثير من قادة دول جنوب شرق اسيا عن شخصية وقناعات الرجل إلا أن هذا لم يمنع بعضهم من توجيه انتقادات لاذعة من فترة لأخرى للكيان الصهيوني وحلفائه. 

وفي الحقيقة لا يخفي الكثير من القيادات السياسية في دول هذه المنطقة امتعاضهم من سياسات الاحتلال الصهيوني وتغاضي بعض الدول الكبرى عن جرائمه، أحيانا في العلن وأحيانا أكثر في المجالس المغلقة. ولو أجري استطلاع للرأي حول مدى رفض نخب وقادة هذه الدول للكيان الصهيوني وسياسات حلفائفه في المنطقة العربية لأصيب داعمو اسرائيل بالدهشة لمدى حنق هؤلاء الساسة على الكيان الصهيوني ووجوده. 

  • كيف تساعد هذه البلدان الشعب الفلسطيني المتواجد على أراضيها  الذي لا يحمل سوى وثيقة سفر مثلاً؟ علماً أن شروط الإقامة في ماليزيا متشددة ولها إجراءات قانونية كثيرة؟

يتواجد في ماليزيا حاليا قرابة ألف لاجئ فلسطيني أكثر من نصفهم من فلسطينيي سوريا وبعضهم من فلسطينيي العراق بالإضافة لأكثر من ثلاثة آلاف مقيم معظمهم من الطلبة والأكاديميين وذويهم. ورغم أن ماليزيا غير موقعة على اتفاقيات استقبال اللاجئين -ما يعن أنها غير ملزمة قانونيا باستقبالهم ورعايتهم- إلا أنها عادة ما تغض الطرف عن قدوم وتزايد أعداد اللاجئين الفلسطينيين لإدراكها لتعقيدات وضعهم وعدم وجود ملجأ لهم أو مستقر.

وقد سعت منظمة الثقافة الفلسطينية عبر السنوات السابقة لتقديم الدعم لأبناء الجالية الفلسطينية في ماليزيا بالتعاون مع الحكومة والمنظمات الأهلية الماليزية خصوصا في المجالين التعليمي والحقوقي.  ولا تزال جهود المنظمة مستمرة في هذا المجال لمحاولة تخفيف معاناة اللاجئين الفلسطينيين المتواجدين هنا.

أما اندونيسيا فيتواجد فيها قرابة ٣٠٠ لاجئ فلسطيني معظمهم من فلسطينيي العراق، وهم بحاجة للمزيد من الرعاية والدعم بسبب انشغال الرأي العام الاندونيسي عن قضيتهم.

 

  • ما جرى مؤخرا في جاكرتا من تفجيرات يؤثر على الاقتصاد، كيف ترى طريقة تعاطي الحكومة مع الجماعات الجهادية بعد طول غياب بعد آخر تفجيرات في جاكرتا في عام 2009؟

تعتبر اندونيسيا الدولة الأكبر في جنوب شرق اسيا، وتحتضن عاصمتها جاكرتا مقر الاسيان (منظمة دول جنوب شرق اسيا العشرة)، ويمثل أي هجوم من هذا النوع هزة لكل دول المنطقة. فلم تكد هجمات جاكرتا تقع حتى بدأت جميع دول المنطقة تشدد من سياساتها الأمنية تحسبا لأي هجمات مستقبلية. 

ما حصل في جاكرتا حادث مؤسف بلا شك من مجموعات ضيقة الأفق ليس عندها إدراك لمعنى الجهاد، وهي بهذه الأفعال تضر بلدانها وقضايا المسلمين من حيث تدري أو تجهل!

سعت حكومة الرئيس السابق يوديونو لتعزيز الأمن في البلاد ونجحت عبر تحالف حزب الرئيس مع أحزاب قومية وإسلامية في مواجهة الفكر المتطرف وتحقق استقرار نسبي عبر السنوات الخمس الأخيرة ساهم في نهوض الاقتصاد وتصاعد نسبة النمو بشكل غير مسبوق. وجاءت سياسة الرئيس الحالي جوكووي برؤية تسعى لتعزيز الاقتصاد عبر تدعيم السياحة والاستثمار الأجنبي، فتم إسقاط شرط التأشيرة المسبقة عن الزائرين للبلاد من أكثر من ١٥٠ جنسية قبل بضعة شهور، وفتح المجال لرجال الأعمال للاستثمار ووقعت الحكومة على عقود شراكة اقتصادية عدة. وكان أحد أهداف الحكومة المعلنة إنهاء تصدير العمالة الرخيصة لدول العالم عبر توفير فرص عمل مناسبة محليا. ورغم عدم استقرار المشهد السياسي لكون الأغلبية البرلمانية لصالح التحالف المعارض للرئيس جوكوي، وبسبب استقالة رئيس البرلمان قبل بضعة أسابيع، إلا أن هناك ما يشبه الإجماع الداخلي على أولوية الاقتصاد والتنمية في الأجندة الوطنية.

فيما يخص الهجمات الأخيرة، فإنه من الممكن قراءة رسالتين واضحتين لهذه الهجمات، إحداها للدولة الاندونيسية ومفادها أن هذه الجماعات لا تزال موجودة وتسعى لزعزعة الاستقرار وكان ذلك واضحا بوقوع الهجوم في مركز العاصمة قرب مقرات حيوية كمكتب الأمم المتحدة. والرسالة الأخرى موجهة للمستثمرين والسياح الأجانب  أن البلاد ليست آمنة حيث أن أقدم مجمع تجاري في العاصمة قد تعرض للهجوم. 

لكن على كل حال، كان واضحا على الطرف الآخر جهوزية رجال الأمن الاندونيسي ونجاحهم في تحجيم أثر الهجمات حيث كان بالإمكان -لا قدر الله- أن يرتكب المهاجمون العشرة مجزرة حقيقية لولا رحمة الله ثم فاعلية الأمن الاندونيسي.
المأمول من الحكومة الاندونيسية هو أن لا تحقق مبتغى هذه الجماعات فتنغمس بشكل غير مدروس في مواجهة داخلية يمكن تجاوزها. فاندونيسيا قوة عالمية صاعدة تحتاج قضاياها للمزيد من الحكمة والإجماع الوطني، وبإمكانها بمزيد من الجهود والتنمية أن تصبح لاعبا دوليا يحسب له ألف حساب.

 

  • من المعروف أن شعوب تلك المنطقة محبة للعرب وللإسلام والمسليمن بحكم بعدها الجغرافي عن أماكن العبادة  عند المسلمين أقصد مكة والمدينة والأقصى، هل ترى أن هناك تواصل وتفاعل حقيقي حققه الشعب العربي في التواصل مع شعوب تلك المنطقة؟

ساهمت الهجرات العربية إلى جنوب شرق آسيا وأرخبيل الملايو قبل بضعة قرون في رسم خريطة المنطقة السياسية والثقافية. وتركت هذه الهجرات بالإضافة للإسلام الذي يعتنقه قرابة نصف سكان المنطقة (غالبية اندونيسيا وماليزيا وبروناي مسلمون، وتوجد أقليات مسلمة أصيلة في باقي الدول أكبرها في الفلبين وتايلند وكمبوديا)، تركت هءه الهجرات الكثير من عناصر الثقافة العربية، فأكبر مضائق المنطقة مثلا هو مضيق "ملاكا" المدينة المسماة نسبة لملاقاة التجار العرب هناك، ولا تكاد تخلو لغة من لغات المنطقة الكثيرة من كلمات عربية فضلا عن كون الكثير منها لا يزال يكتب بالحرف العربي.  

مثل الحضارمة غالبية المهاجرين القدامى والمتأخرين، وأبناؤهم وأحفادهم لا يزالون متواجدين اليوم بقوة في مراكز النفوذ في دول ارخبيل الملايو كماليزيا واندونيسيا رغم قلة عددهم (حوالي ٥ مليون في اندونيسيا و ١٠٠ الف في ماليزيا). فالحضارمة مميزون هنا -كما هم في سائر البلدان- بكونهم رجال اعمال ناجحين، أغنى رجل اعمال مسلم في ماليزيا مثلا هو الحضرمي سيد مختار البخاري. وهم سياسيون حاذقون حيث يندر ان تخلو حكومة في ماليزيا او اندونيسيا في أي وقت من وزير حضرمي، مثل علي العطاس وزير خارجية اندونيسيا في التسعينات وسيد حميد البر وزير خارجية ماليزيا في العقد الماضي، وسالم الجفري وزير الشؤون الاجتماعية الاندونيسي السابق. والعرب المواطنون محبوبون من شعوب المنطقة لأنهم انخرطوا في المجتمع فأثروا وتأثروا. 

هذا التواصل التاريخي استمر حتى فترة قريبة. قكانت مشاركة العرب في مؤتمر باندونغ التاريخي عام ١٩٥٥ شاهدا على هذا التواصل، ويظهر لمن يشاهد الأفلام الملايوية في فترة الخمسينات والستينات حجم تأثرها بالثقافة العربية، وتشكل روابط خريجي الأزهر ذات عشرات آلاف المنتسبين شاهدا آخر. 

إلا أنه من المؤسف أن هذا التواصل رغم عدم انقطاعه لم يكن دائما بنفس الوتيرة ونادرا ما كان تواصلا مدروسا أو مخططا له بإحكام. ولو يدرك العرب حجم الفائدة من التواصل مع بلدان هذه المنطقة على الصعد الاقتصادية والثقافية والسياسية لما فوتوا مثل هذه الفرصة.

وعلى كل حال فالفرصة لا تزال متاحة وفي الزمن متسع، وأن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي.

 

  • من المعروف عن تلك المنطقة ما عانته من أزمات مالية واقتصادية في أزمة النمور الآسيوية! كيف لحقت المنطقة بركب التنمية من جديد؟ ما هي الدروس التي ممكن أن تتعلم منها الحكومات والشعوب العربية من الأزمات التي واجهتها تلك المنطقة؟

لعل إحدى أبرز سمات سكان هذه المنطقة من العالم تواضعهم الشديد وحبهم للتعلم. فعلى الرغم من حجم النجاح الهائل الذي تحققه اقتصادات هذه الدول وتوفر الكفاءات المحلية المتميزة لديها إلا أنها لا تزال تستقبل الخبرات وترسل أبنائها للتعلم في الدول المتقدمة بوتيرة لم تنقطع منذ سني الاستقلال. 

هذه السمات تجعل من حكومات وشعوب المنطقة قادرة على إدراك أخطائها السابقة والبحث في أسبابها بتجرد ومحاولة الوصول الى العلاج المناسب.

نحن في العالم العربي بحاجة ماسة للاعتراف بما ارتكبناه ونرتكبه من أخطاء، والكل في ذلك سواء؛ القادة والشعوب. والتغني بأمجاد الماضي لا محل له في عالم اليوم مكان من الإعراب. نحن بحاجة ماسة للبدء في علاج مشاكلنا على كل الصعد، فكريا وسياسيا واقتصاديا وتعليميا واجتماعيا وثقافيا على حد سواء. 

ولعل الربيع العربي ثم فشله كان فرصة تاريخية لنا كعرب لندرك حجم مصيبتنا ونبدأ بالتفكير الجاد في ايجاد حلول جذرية لها. الطريق طويل بلا شك، لكن فر النجاح فيه متوفرة.

اندونيسيا وماليزيا كانتا مستعمرتين للقوى الغربية اكثر من ثلاثة قرون ونصف، وهما في موقع تمر منه اكثر من نصف تجارة العالم وشعوبهما مسلمة كشعوب الشرق الأوسط، لكنهما نجحتا في مواجهة التحديات الحضارية وهما اليوم في مصاف الدول الصاعدة باقتصادات وديمقراطيات وبنى تحتية وموارد بشرية تفوق معظم دول العالم الاسلامي. 

كما نجح الاندونيسيون والماليزيون فالعرب فادرون على النجاح بل والتفوق. 

 

  • تنوع الأعراق والأعراف في تلك المنطقة ثري ومفيد جداً، في ظل الصراع الموجود في الشرق الأوسط بين الأقليات!  كيف يمكن الاستفادة من تجربة تلك البلدان وتطبيقها في المنطقة العربية من اجل التعايش بين جميع الأقليات والأعراف والطوائف الموجودة في المنطقة العربية؟

يمثل التنوع العرقي والديني والثقافي سمة واضحة لشعوب هذه المنطقة. فتنتشر في هذه المنطقة مئات اللغات الموزعة على مئات الأعراق، ورغم كون الاسلام والبوذية ديانة أكثر من ٨٠٪ من سكان المنطقة إلا أن هناك مجموعات مسيحية وهندوسية وطاوية ووثنية لا يستهان بها. 

نجحت هذه الشعوب بالتعايش وبناء دول معظمها ديمقراطية ذات اقتصادات صاعدة بسبب اتسامها بقبول الآخر والاعتدال. فحكومات المنطقة اتسمت بالبراغماتية والواقعية السياسية، ونجحت قواها السياسية في بناء أنظمة حكم تعبر عن التنوع الموجود في هذه البلدان وبالتالي نجحت في بناء دول قابلة للصمود في وجه تحديات العولمة الاقتصادية والسياسية والأمنية خلافا لمعظم الدول العربية التي انهارت في وجه هذه التحديات لغياب الديمقراطية والمرونة لدى جميع أطراف المعادلة السياسية.
لا شك أن من رسم خرائط المنطقة العربية لم يكن منصفا قط، إلا أن دول جنوب شرق اسيا قد تعرضت لنفس المظلمة، لكن شعوبها نجحت في بناء دول وهويات مشتركة قابلة للحياة في عالم شديد التعقيد. وقد لا تكون جميع مكونات تلك الدول سعيدة بالوضع القائم، لكنها بلا شك قادرة على التعايش من أجل المصالح المشتركة.

وما أدق ما وصف به الدكتور مهاتير محمد نظام الحكم في ماليزيا حين قال في كتابه "نظام الحكم في ماليزيا": "أنه لا يوجد أحد سعيد بشكل تام من المجموعات العرقية المكونة لماليزيا، وهذا هو سر نجاح ماليزيا!". فالبنسبة لمهاتير يجب أن يقدم الجميع تنازلات للاخرين لتنجح الدولة في البقاء والتطور. 

نحن كعرب نفتقد لهذه المرونة المحمودة داخليا، ومنطقنا الغالب للاسف: "لنا الصدر دون العالمين أو القبر"!. رغم أن صراعاتنا الداخلية لا يفترض أن تكون صراعات صفرية، فالصراع الصفري الوحيد في منطقتنا هو الصراع مع الاحتلال الصهيوني. المؤسف اليوم أن كل صراعاتنا الداخلية صفرية والاحتلال الصهيوني ينعم بالأمن والأمان! 

 

  • كيف تنظر الشعوب هناك إلى صراعات الشرق الأوسط وما يجري فيها؟ وما رأي شعوب المنطقة بثورات الربيع العربي؟

السؤال الأصعب بالنسبة لي وهو أكثر سؤال أسمعه من أهل هذه المنطقة هو: لماذا يقاتل العرب بعضهم بعضا؟! ولماذا يقتل المسلمون بعضهم بعضا بينما اسرائيل تنعم بالأمان! وكما أنه من الصعب الإجابة على هذه الأسئلة دون الغوص في الأبعاد التاريخية والدينية والعرقية والجيوبوليتيكية فلن يكون من السهل الإجابة عليها هنا في بضعة سطور. فمشكلات الشرق الأوسط اليوم غدت تحتاج لأمثال أرسطو والفارابي وابن خلدون لتفسيرها! 

لكن بالنسبة لنظرة شعوب المنطقة لما يحصل في العالم العربي، فهي نظرة مختلطة، فيها التعاطف مع الشعوب والشفقة على الضحايا والاستغراب لعجز قيادات المنطقة عن حل أي من مشكلاتها بل وتحولهم لجزء من المشكلة في كثير من الأحيان!