جزيرة "كوس" اليونانية تستقبل أسبوعيًا ما يُقارب ألف مهاجر سوري نازح من الشواطئ التركية بالقوارب٬ في رحلة تستغرق 45 دقيقة قد تمتد إلى الساعتين أحيانًا عبر البحر من تركيا إلى اليونان، حيث استقبلت الجزيرة وحدها سبعة آلاف مهاجر قادم من الجانب التركي في الشهر الماضي، لتصبح "كوس" من أكثر الأماكن التي نزح إليها المهاجرون منذ الحرب العالمية الثانية، مع وصول المئات كل يوم إلى الشواطئ اليونانية، يظل أكثر من خمسة آلاف سوري عالقًا في الجزيرة بأوراق التسجيل، منتظرين الإذن لهم بالمرور إلى الاتحاد الأوروبي.

"كوس" هي مدخل الهاربين من الحرب في سوريا إلى الدول الأكثر استقرارًا ورفاهية في الاتحاد الأوروبي، إلا أن شواطئها أصبحت مقرًا لخيام اللاجئين المُنتظرين لتصريح الدخول، مما جعل اليونايين يطالبون الاتحاد الأوروبي بمساعدتهم في حماية حدودهم البحرية مع تركيا لوقف تدفق هذا العدد الكبير من اللاجئين٬ والذي لن تتحمله الجزيرة ولن تتمكن من السيطرة عليه، إضافة إلى خوف سكان الجزيرة من تأثير ذلك على السياحة في الجزيرة؛ مما سيضر بالاقتصاد اليوناني ويزيد حالته سوءًا.

على جانب آخر٬ كان رد فعل السائحين تجاه مكوث هؤلاء اللاجئين على الشواطىء، التي يذهبون إليها للاستجمام، بأنهم لا يشعرون بالتهديد من وجودهم، إلا أنهم يأسفون على حالهم بأن الحياة التي يعيشونها هنا لم تكن كتلك التي حلموا بها، ولكنها بالتأكيد أكثر أمنًا مما تركوه في بلادهم.

التقطت عدسة مصور نيويورك تايمز صورًا تم نشرها هذا الأسبوع تنقل قصصًا مصورة عن وصول اللاجئين إلى الشواطئ اليونانية، هزّت إحدى تلك الصور مواقع التواصل الاجتماعي لما لخصت مأساة بلد كامل في ملامح أب يحتضن أطفاله ويبكي عندما كتبت له حياة جديدة بوصوله إلى رمال الشواطئ اليونانية.

الصورة لـ"ليث ماجد"، مواطن سوري، يبكي فرحًا لوصوله آمنًا مع عائلته إلى اليونان من مدينة "بودروم" التركية، في قارب حمل 12 فردًا وهو سعته ثلاثة أشخاص فقط.

يقول "دانيال إيتر" مصور ألماني وهو صاحب تلك اللقطة بأنه يعمل على مشروع في شواطىء جزيرة "كوس" منذ ثلاثة أيام، وهو يرى اللاجئين يصلون كل ليلة بالمئات في قوارب آمنة وغير آمنة كل على سواء، عندما وصل القارب المطاطي الذي يحمل "ليث" وعائلته كان في حالة مزرية، وقد دخله الماء بالفعل، حتى أن من كانوا فيه قد نزلوا مبللين، 11 فردًا من نفس العائلة والأخير باكستاني.

 "ليث ماجد" هرب من سوريا بأسرته المكونة من زوجته وثلاث أبناء وابنة منذ أسبوعين، بعد صراع طويل في اتخاذ قرار الهروب، ودفع ما يُقارب 6.500 دولار أمريكي ثمنًا لتلك الرحلة، التي استغرقت ساعتين في قارب مطاطي، يقول ليث، على الرغم من ضخامة المبلغ إلا أنهم قد حصلوا على تخفيض لكونهم عائلة.

طرق السفر من تركيا إلى اليونان

تقول مصادر لمواطنين سوريين - طلبوا عدم ذكر أسمائهم - قاموا بخوض تجربة الهجرة بالقوارب إلى اليونان وتحدثوا عنها مع "نون بوست" إن هناك نوعين للسفر بالقوارب، وفي كلا الحالتين يجب على المهاجر أن يكون في مدينة "إزمير" التركية قبل موعد سفره بأيام، ثم يكون السفر بالقارب إلى اليونان في رحلة تستغرق ساعة أو ساعتين على حسب سرعة القارب.

قد يكون عن طريق القارب المطاطي، وهو النوع الأكثر خطرًا وعُرضة للغرق، ويتم تحديد السعر بين 1000 : 1500 دولار للفرد الواحد، ويتم منح تخفيض للأطفال يصل إلى 500 دولار للطفل الذي يبلغ عمره أقل من 6 سنوات.

أو يكون باليخت السياحي أو ما تسمى بـ"القوارب الآمنة"، وهو أكثر أمنًا وراحة للمسافرين وأسرع في الوصول، ويكون السعر ما بين 2000 : 2500 دولار للفرد الواحد.

الهجرة الشرعية من حكايات السوريين لنون بوست

القصة لثلاثة شباب سوريين عن رحلتهم من السواحل التركية إلى اليونان، يروي أحد المهاجرين أن الاتفاق يتم بينهم وبين وسيط سوري الجنسية يقوم بالوساطة بين المهاجرين والمُهرب؛ حيث يتم الاتفاق على السعر والتاريخ الذي سيتم فيه التهريب، كان الاتفاق أن يتم تهريب الشباب بقارب مطاطي كبير سعته 10 : 12 فردًا، في حين حمل القارب 25 فردًا بسعر 1200 يورو للشخص الواحد، أثناء الرحلة غرق القارب بالقرب من السواحل اليونانية، رفض خفر السواحل اليوناني إنقاذهم ودخولهم المجال اليوناني، ولكن ساعدهم فقط في الهروب من خطر الموت وتركهم في البحر ليعودوا أدراجهم إلى تركيا ليستقبلهم خفر السواحل التركي، وفرضت عليهم الشرطة التركية غرامة الخروج غير الشرعي وقدرها 500 ليرة تركية للفرد، إلا أن الضابط التركي تعاون معهم وقال إن القانون يسمح لهم بـ15 يومًا يمكنهم دفع الغرامة خلالها، وإن تم سفرهم قبل الموعد لا يجب عليهم الدفع٬ وهو ما حدث بالفعل مع الشباب السوري.

حاول الشباب مرة أخرى السفر عن طريق "بلغاريا" ولكن فشلت محاولتهم للمرة الثانية، حتى حالفهم الحظ في المحاولة الأخيرة من " إزمير " في تركيا مجددًا عن طريق اليخت السياحي بمساعدة اثنين من المهربين إلى اليونان ثم إلى السويد.

تروي مجموعة أخرى من الفتيات المهاجرات عن رحلتهم غير الشرعية من تركيا، حيث تقول إحداهن إن المجموعة كانت تضم امرأة كبيرة في السن، ورفض أربعة من المهربين قبول هذه المجموعة لوجودها وذلك لأسباب أخلاقية عائدة إلى أن الرحلة ستكون شاقة ومن المُحتمل أن تؤدي إلى موتها، والبعض الآخر رفض لأسباب أمنية؛ حيث من الممكن أن يتم كشفهم من قِبل خفر السواحل بسببها، إن حدث لها مكروه أو بسبب حركتها البطيئة مقارنة بمن معها من الفتيات صغيرات السن.

نجحت المجموعة أخيرًا في الاتفاق مع مهرب بريطاني في بريطانيا على رحلة للتهريب، وتم دفع المال من خلال شركة تأمين موثوق فيها في بريطانيا، حيث يصل المهرب بنفسه إلى اليونان قبل وصول المهاجرين لاستقبالهم وتأمين سكن لهم بعد وصولهم حتى ميعاد رحلتهم للمحطة القادمة.

تم الاتفاق على المغادرة من سواحل بودروم في تركيا، على أن تظل المجموعة هناك في فندق صغير تم اختياره من قِبل المهرب حتى ميعاد الرحلة، تقول الفتاة بأن الفندق كان مليئًا بالسوريين والعراقيين ومن يستعدون لرحلة تهريب بعد ساعات، قال المهرب بأن عدد المهاجرين الذين ستُشاركهم مجموعة الفتيات سيكون 20 مهاجرًا، على أن يدفع كل فرد 2500 يورو، سيكون القارب آمنًا وكبيرًا وسعته 25 فردًا، إلا أنه يُفضل أن يكون فيه عددًا أقل من المطلوب لضمان سلامة المهاجرين في الرحلة.

ذهبت المجموعة في الرابعة فجرًا إلى مكان القوارب المٌتفق عليه لبدء الرحلة، وعند وصولهن وجدوا ما يقرُب من 40 مهاجرًا من المفترض أنهم سيشاركوهن نفس القارب، كان أغلبهم من عائلات عراقية، افترض الجميع وصول قاربين لنقل هذا العدد الضخم إلا أنهم في النهاية استقلوا القارب المتفق عليه لحمل العدد بأكمله، سار القارب في البحر بقيادة قائد تركي الجنسية وبعد نصف ساعة من إبحاره غرق في السواحل التركية، فعاد المهاجرون أدراجهم للأراضي التركية بدون كشف خفر السواحل التركي لهم.

يقول المصدر لنون بوست إن الوساطة تكون في الأغلب مع السوريين لضمان تأمين المبالغ المدفوعة، كما تكون معظم القوارب ملكًا للأتراك وفي الأغلب تنطلق بقيادتهم.

شبكات التهريب

أصبحت مكاتب التأمين لرحلاة الهجرة غير الشرعية من مجالات الأعمال الحرة الرائجة في تركيا، حيث تتعاون مع الوسطاء والمهربين، ويتم التحفظ على المال في تلك المكاتب والتي تُسلّمه بدورها للمهرب بعد إتمام الرحلة، كما أصبحت شبكات التهريب تعمل بشكل علني في تركيا وكذلك على مواقع التواصل الاجتماعي مثل "فيس بوك"، حيث يقوم المهرب بالتعريف عن نفسه وطبيعة عمله، ويضع صورًا لمن قام بتهريبهم من تركيا إلى اليونان.

شبكات التهريب ليست ضخمة، إلا أنها ممتدة إلى داخل أوروبا، فيمكنك الآن التعامل مع مهرب بريطاني أو ألماني، كما أن للسوري المهاجر حق اختيار البلد التي يريد أن تكون وجهته إليها، ولكل بلد سعر خاص.

بعد الوصول إلى اليونان لا تكون الحياة مزدهرة للسوريين، فهم يواجهون البقاء في العراء لأيام وأحيانًا لأسابيع، حتى يُسمَح لهم بالدخول إلى البلاد الغربية في أوروبا، وقد يظلوا في خيام للاجئين على الشواطئ بدون أي مساعدات غذائية أو مياه، كما يشير اللاجئون إلى المشاكل الصحية التي تواجههم بسبب التزاحم الشديد في الخيام، واضطرار العديد منهم إلى عبور الحدود بين اليونان ومقدونيا سيرًا على الأقدام، مما أدى إلى طلب مقدونيا من الاتحاد الأوروبي غلق الحدود لعدم تحمل الدولة هذا العدد المتزايد من اللاجئين وعدم كفاية الحافلات التي تقلهم للبلاد الغربية.

لا يوجد سيطرة كافية على كل من الموانئ البرية والبحرية في كل من اليونان ومقدونيا، يقول رئيس الوزراء المقدوني إن الأمر قد وصل إلى مرحلة حرجة للغاية خاصة مع استمرار الاتحاد الأوروبي في عدم الاستجابة لمطالب اليونان في حماية الحدود وتقليل عدد اللاجئين الوافدين عبر البحر، مشيرًا إلى أن الأمر لن يواجه دول الجنوب الأوروبي فحسب بل سيُقلق أيضًا الدول الغربية.

شهدت حدود الاتحاد الأوروبي ما يقرب من 107.500 مهاجر في الشهر الماضي، وشهدت اليونان وحدها ما يقرب 160.000 مهاجر، معظهم سوريين هاربين من الحرب والبعض الآخر من الأفغان والباكستانيين والعراقيين، ويظل العديد من جنسيات أخرى عالقين في اليونان نظرًا للاهتمام المنصب على السوريين وحدهم بسبب أعدادهم المتزايدة يوميًا مما شكّل تكتلًا كبيرًا على الشواطىء اليونانية من الجنسيات المختلفة المنتظرة العبور للدول الغربية.

على صعيد آخر من الجانب التركي، أعلن محافظ مدينة إزمير التركية "مصطفى طوبراك"، أن السلطات التركية لن تتغاضى عن عمليات الهجرة غير الشرعية التي يقوم بها اللاجئون السوريون إلى أوروبا من خلال سواحل المدينة، حيث شدّد المحافظ على أهمية محاربة تجارة البشر التي تحدث على سواحل المدينة واستغلال الموقف لكسب الأموال غير الشرعية، كما أنه قال إن تركيا ستتخذ موقفًا حازمًا ضد المهاجريين غير الشرعيين، وسيتم جمع كل من حاول الهروب إلى الجزر وترحيلهم.

كما ذكر مدير الهجرة التركي "أتيلا طوروس"، أن إحصائيات الخمس سنوات الماضية عن المهاجريين السوريين وجدت أن 25 ألف سوري لقوا مصرعهم أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا عبر المناطق الساحلية في تركيا في بحر إيجه والبحر المتوسط.

يقول أحد المهاجرين لقناة الـBBC أن كثيرًا من المهاجرين لا يعرفون وجهتهم عندما يكونون في قوارب التهريب، وإذا سألت أحد منهم سيخبرك بأنه لا يعرف ما إذا كان مسافرًا إلى اليونان أو أحد الجزر القريبة منها، وإذا سألته عن أسماء الجزر فلن يعرفها، أحيانًا يكون الأمر كذلك بسبب أوامر أو تعليمات من المهرب لزيادة التأمين ولكي تتم الرحلة في سرية تامة، وأحيانًا لا يهتم السوري من الأساس بمعرفة وجهته، سألت القناة أحد القوارب عند وصوله لشواطئ اليونان، "هل تعرفون أين أنتم؟"، أجاب أحدهم "لا، ولكنني أعرف أنه مكان آمن".