"زاوج السورية رخيص، لقد أصبح على عاتق الشباب في السعودية مُتطلبات اقتصادية كبيرة للزواج، لذا فبالنسبة لنا، زواج السوريات أوفر اقتصاديًا" شيخ سعودي متزوج من فتاة سورية.

إذا سألت أي لاجئ سوري ما هو حلمك؟ سيُجيب بلا تردد أنه يحلم بالعودة إلى سوريا، حتى وإن كان فيها بشار الأسد حاكمًا، لقد عرف السوريون أن احتمالية خسارة كل شيء بعد خروجهم من الحرب كبيرة، تركوا كل شيء خلفهم ورحلوا آملين العودة، توقعوا إمكانية خسارة المال أو أي شيء مادي أثناء وجودهم خارج البلاد، من الممكن التعرض لبعض المشكلات في أوراقهم الرسمية كلاجئين، إلا أن السوريين لم يتخيلوا أبدًا أن يخسروا أهم شيء في حياة الإنسان، وهي الكرامة.

لم تتوقف الحرب منذ أكثر من أربع سنوات، أعداد اللاجئين السوريين في ازدياد في كل من البلاد الأوروبية والعربية، مما أفقد الكثير من العائلات السورية الأمل في العودة والشعور باليأس لاستمرارهم في حياة اللجوء إما داخل المخيمات أو خارجها، العائلات السورية تبحث عن سُبل الراحة والحياة الكريمة لأطفالهم، وخاصة الفتيات منهم، مما أدى إلى ارتفاع نسبة الزواج القصري بنسب تثير القلق في معظم المخيمات الخاصة باللاجئين، وأهمها مخيم "الزعتري" بالأردن.

مخيم الزعتري: سوق النخاسة الخليجي

بحسب تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة الخاصة بشئون اللاجئين الواردة من مخيم "الزعتري" في الأردن، تشير إلى شكوى السوريات من التعرض للتحرش اليومي من قِبل الشباب الأردني وغيره من خارج المخيم، إذ يدخل الشباب المخيم لمضايقة الفتيات أو التحرش بهن حتى ولو كانوا في عمر الست سنوات، خاصة في الليل، حيث تنقطع الكهرباء بين الخيام التي يقطنها اللاجئون، كما تشير العديد من السوريات إلى حالات الخطف المتزايدة من المخيم، فهن يتهمن الشباب الأردني بخطف أكثر من فتاة من المخيم، حيث تختفي الفتاة لمدة تطول أحيانًا إلى شهرين ثم تعود بعد أن تم اغتصابها والتحرش بها.

استغل العالم العربي مأساة السوريات واحتياجهن للأمان والمال، فزادت معدلات زواج القاصرات من سوريات بحُجة أن الزواج  من سورية لا يُكّلف الشاب مُتطلبات مادية كالتي يطلبها أهل الفتاة التي من نفس جنسيته، يبرز في هذا الموضوع الشباب السعودي، وأحيانًا الشيوخ المتزوجون كذلك، تتولّى إحدى سيدات المخيم مهمة الوساطة بين الفتاة والرجل العربي الذي يطلبها للزواج، وتؤمّن دفع المال اللازم لأهل الفتاة على أن يكون لها عمولة منه، إذ أصبح هذا المجال من أهم مجالات العمل الحر لكسب الرزق داخل المخيم بالنسبة لكثير من السيدات.

تقول إحدى الوسيطات لتقرير المفوضية السامية للأمم المتحدة UNCHR؛ بأن الأسعار تختلف من كل حالة لأخرى، فأحيانًا يطلب الرجل العربي من دول الخليج الفتاة السورية للمتعة وليس للزواج مُقابل المال، وإذا وافقت الفتاة يدفع الرجل من 100 - 200  دينار، أما إذا طلبها للزواج فيرتفع السعر ليكون 1000 - 1500 دينار، وفي بعض الحالات يتزوجها ويُطلّقها بعد أسبوع ويعود للبحث عن فتاة أخرى ليتزوجها.

تقول الوسيطة إن بعض الشيوخ السعوديين المتزوجين من أكثر من امرأة يأتون راغبين في زواج الفتاة القاصرة، تشير بأنها صادفت رجلًا في الستين من عمره يرغب في الزواج من فتاة بعمر الـ13 سنة ، بعض الوسيطات يرفضن تلك الحالات من البداية قبل عرض المال، إلا أن بعض العائلات توافق على هذا الطلب لتكون ابنتهم في أمان بعيد عن حياة الحرب والمخيم.

في مصر، بين عرض الـ 500 جنيه والـ 1000 جنيه مصري، تقع كثير من العائلات الفقيرة اللاجئة في مصر تحت ضغط الفقر والمضايقات المستمرة لهم، مما يدفع العديد من الفتيات السوريات لقبول عرض الزواج بمبالغ مُتدنية بحثًا عن الأمان والاستقرار.

من المألوف جدًا في مصر أن ترى لافتة لإحدى الجمعيات الخيرية مُعلقة على الجدار تفيد بأن ليس للجمعية الخيرية أي علاقة بتزويج السوريات من المصريين ولا يمكنها لعب دور الوساطة بينهم، إذا توّلت العديد من الجمعيات الخيرية هذا الموضوع في مصر لمساعدة من تحتاج يد المساعدة من السوريات ولمساعدة الشاب المصري الذي لا يستطيع تحمّل تكاليف الزواج من مصرية، إلا أن العديد من الجمعيات الرافضة لهذا المبدأ ترى بأنه استغلال للأوضاع المضطربة للسوريين، ولا تراه مساعدة إنسانية بل من الممكن أن يندرج تحت عنوان الإتجار بالبشر.

الأردن تحوّل زواج القاصرات السوريات إلى مأساة

"لا يمكنك شراء ابنتي، لن أبيع ابنتي إلى أن أموت"، هكذا صرخت إحدى الأمهات السوريات في وجه رجل من الأردن أراد دفع 140 دينار أردني للزواج من ابنتها ذات الـ 14 عامًا، تقول الأم إن ابنتها تستحق حياة أفضل من ذلك، لازلت صغيرة على مسؤولية الزواج، يجب أن أعطيها حقها في طفولة آمنة وتعليم مناسب، حتى ولو كنا لاجئين هنا.

ذكر هذا "صندوق الأمم المتحدة للسكان" في مشروع له في لأردن ولبنان للتعاون مع العائلات السورية وتوعيتهم ضد خطر زواج القاصرات اجتماعيًا، وخطره الصحي على الفتاة، وتأثيره السلبي على مستقبلها، يذكر القائمون على المشروع أيضًا أن العائلات السورية توافق على زواج ابنتهم القاصرة من أجل الأمان، إذا لم تتزوج الفتاة ستظل هدفًا يحاول الراغبون في الزواج من قاصرة الوصول إليه بشتى الوسائل، لذا تقع الأم تحت ضغط الأقارب ومطالبتهم لها بتزويج ابنتها، وتحت خطر أن تتعرض ابنتها للتحرش أو غيره من المضايقات الجنسية أو الخطف إذا لم تتزوج.

"ليس لدينا فتيات للزواج"

زينب ذات الخمسة عشر عامًا، تقول بأنها تريد إتمام دراستها قبل الزواج، لقد أصبح للسوريين حق التعليم المجاني في مدارس الأردن، لذا تريد "زينب" أن تستغل تلك الميزة التي لا يتحظى بها قريناتها في المخيمات، تقول بأنها لا تريد تحمل مسؤولية الزواج الآن، كما أن أمها تشير في تقرير UNFPA "صندوق الأمم المتحدة للسكان"، بأنها تلقت عروض كثيرة لطلب ابنتها للزواج، إلا أنها تقابل كل رجل بعبارة واحدة وهي؛ "ليس لدينا فتيات للزواج".

من خارج جهنم الحرب، يواجه السوريون يوميًا أشكالًا من العنف تمتلئ بها تقارير الأمم المتحدة عن الزواج القصري والاعتداءات الجنسية وغيرها من المضايقات التي تتعرض إليها السوريات في المخيمات وخارج المخيمات، الزاوج القصري الذي يمثل للعديد من العائلات اللاجئة غطاءً للعديد من التجاوزات، إلا أنه لا يمثل بر الأمان للفتاة، إذ تتعرض العديد من السوريات اللاتي تم تزويجهن قصريًا إلى العنف اللفظي والجسدي من قِبل أزواجهن، ولا تجد أي منهن وسيلة للشكوى أو رفع دعوة قضائية، حيث تكاد تنعدم القوانين التي تنصف السوريات في البلاد التي تستقبل اللاجئين.

يتم استغلال اضطراب الفتيات القاصرات النفسي الناجم عن آثار الحرب التي شهدوها قبل هروبهم من سوريا، إذ يقوم طالب الزواج بعرض الوعود الوردية للفتاة من أموال وملابس وحياة كريمة ستعيشها في بيته أفضل من حياة المخيم أو الحياة الفقيرة خارجه، مما يُسهّل على الفتاة القبول بحياة أفضل من تلك التي تعيشها حتى ولو سيتم تزويجها في سن الثالثة عشر.

تقول إحدى الفتيات لتقرير الـ UNFPA بأنها لو كانت في سوريا لما فكرت أبدًا في الزواج، ولكنها لا بد لها من الزواج وهي لاجئة لكي تستطيع أن تعيش، كان حلمها أن تصبح محامية في سوريا، إلا أنها لا تحلم بذلك بعد الآن وهي تعيش في المخيم، لأنها  ليس لديها الحق في التعليم.

سأل مراسل قناة France 24 في أحد تقاريرها عن الزواج القصري للسوريات إحدى الأمهات التي تقبل بزواج ابنتها القاصرة عن شعورها حيال ذلك، قالت له أخبرني كيف يكون شعورك عندما يبكى ابنك من الجوع وأنت لا تستطيع أن تطعمه، إذا أخبرتني كيف يكون شعورك، سأخبرك ما هو شعوري.