عامان وتصبح أول قاعدة عسكرية تركية خارج تركيا جاهزة للعمل، كما جاء على لسان وزير الخارجية التركي عصمت يلماز يوم الأربعاء الماضي في زيارته للعاصمة القطرية الدوحة لحضور معرض ومؤتمر الدوحة الدولي للدفاع البحري Dimdex، الممتد لثلاثة أيام في قطر، مُعلنًا أن الاتفاق يتضمن تبادلًا للخبرات العسكرية يتيح لبعض أفراد القوات والطائرات العسكرية القطرية التمركز في تركيا.

كان الاتفاق جزءًا من وثيقة تعاون دفاعية شاملة وقعها الأمير تميم بن حمد آل ثاني مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أثناء زيارته الهامة لتركيا في ديسمبر 2014، وقد تضمنت التعاون في مجال الاستخبارات والتدريب العسكري، وتمركز قوات تركية على الأراضي القطرية بشكل عام، علاوة على بناء قاعدة عسكرية في قطر تضم كتيبة واحدة وقوة بحرية صغيرة ومهندسين عسكريين وقوات خاصة طبقًا لمصادر عسكرية تركية.

هو خروج عن الإطار التقليدي بالطبع للإستراتيجية التقليدية للجمهورية التركية، إذ أن تركيا لا تملك اتفاقيات كهذه سوى مع حليفيها الأقرب؛ جمهورية شمال قبرص التركية، ودولة أذربيجان، وكلاهما يشارك تركيا نفس اللغة والعديد من العوامل الثقافية والتاريخية، ويُعَد بموقعه القريب منها غربًا وشرقًا ارتكازًا هامًا للدور التركي في كل من شرق المتوسط والقوقاز، غير أن العلاقة الإستراتيجية الجديدة المتزايدة بين تركيا وقطر واللافتة للأنظار في السنوات الأخيرة، تمتلك في الحقيقة تاريخًا طويلًا يعود لما قبل الجمهورية التركية.

وزير الدفاع القطري في اجتماع مع قائد القوات البحرية التركية في يناير الماضي

روابط قديمة

تعود العلاقات التركية القطرية الوطيدة إلى العلاقة المركبة التي تشكلت بين الدولة العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر ومنطقة قطر الواقعة تحت حكم ولاية البصرة العثمانية إبان ظهور القوة البريطانية في الخليج، والتي شكلت تحالفات مع إمارات الهُدنة السبع (الإمارات حاليًا) والكويت، ففي عام 1893، وبينما فشلت القوات العثمانية في قمع جاسم بن محمد آل ثاني حاكم منطقة قطر ومعارضته للإصلاحات العثمانية، رضخت إسطنبول لهيمنة آل ثاني، والذين تمتعوا منذئذ بمظلة الوجود العثماني بوجه رغبة كل من إمارتيّ البحرين وأبو ظبي الاستحواذ عليها، ورغبة السعودية أيضًا في ضمها فيما بعد.

ظلت قطر إمارة صغيرة مستقلة تحت الراية العثمانية إذن حتى عام 1915 وتبلور سلطان آل ثاني فيها وازداد رسوخًا، وحين تدهورت أحوال الدولة العثمانية، نجح عبد الله بن جاسم آل ثاني القريب من البريطانيين في إجبار العثمانيين على ترك إمارته، والحصول على دعم البريطانيين في نفس الوقت لحماية وجود قطر ككيان مستقل ومحمية بريطانية مستقلة عن الإمارات الأخرى الموجودة بالخليج، وهو ما كفله البريطانيون حتى استقلت قطر تمامًا عام 1971.

لقد كانت قطر إذن آخر موقع يتركه العثمانيون في الخليج بعد أن انسحبوا في أواخر القرن التاسع عشر أمام التمدد البريطاني في بقية أنحاء الخليج، وأمام نشأة وتوسع آل سعود في الجزيرة العربية، ولربما كانت شبه الجزيرة الصغيرة الآن جزءًا من أبو ظبي أو شرق السعودية أو البحرين لولا العلاقة الخاصة التي شكلها آل ثاني مع العثمانيين، وإن تضمنت الاصطدام بهما للمفارقة في أحيان كثيرة.

أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أنقرة، ديسمبر 2014

القاعدة التركية والمشهد العسكري في الخليج والمحيط الهندي

لا يُعَد اتجاه قطر إلى دولة عضو بحلف الناتو لتعزيز أمنها ودفاعها استثناءً في الخليج بشكل عام، فقد اتجه الإماراتيون إلى فرنسا عام 2009، والتي أنشأت قاعدة متعددة الأغراض العسكرية؛ جويًا وبحريًا وبريًا، في دولة الإمارات، كما اتجهت البحرين بدورها إلى بريطانيا والتي أعلنت بدء أعمال بناء قاعدتها العسكرية البحرية في الجزيرة الصغيرة في نوفمبر الماضي، وهو اتجاه مفهوم بالطبع بالنظر لتراجع الدور الأمريكي بالمنطقة بعد تضاؤل أهمية النفط والغاز فيها مقابل نمو النفط والغاز الأمريكيين، في نفس الوقت الذي تستمر فيه هواجس الأمن في المنطقة بين دول الخليج من ناحية، ودول أوروبا المهتمة بالمنطقة من ناحية أخرى.

بامتلاك قاعدة عسكرية في قطر تصبح تركيا لأول مرة منذ نهاية الحقبة العثمانية قريبة من مياه البحر العربى والمحيط الهندي، والذي يهمها لحماية تجارتها المتنامية مع آسيا، علاوة على قُربها من إيران ومن الخليج الفارسي لإحداث نوع من التوازن مع القوة الإيرانية، فالأخيرة تتواجد كما نعرف عن طريق ميليشياتها، سواء تلك الموجودة بجنوبي العراق وسوريا، أو حزب الله في جنوب لبنان والمُطل مباشرة على البحر المتوسط، كما أن التواجد العسكري في قطر يتيح للقوات التركية التدريب في بيئة مغايرة تمامًا للبيئة التركية، لا سيما البيئة الصحراوية، وهو ما يعطيها مستقبلًا القدرة على القيام بعمليات خارج نطاق الجغرافيا التركية.

تركيا ليست البلد الوحيد بالطبع المهووس بطرق التجارة العالمية مع تنامي حجمها الاقتصادي ودورها السياسي، فالصينيون عاكفون على بناء ميناء بالمحيط الهندي في جوادر مع حليفهم الآسيوي الرئيسي باكستان للتواجد في محيط لا يملكون إطلالة مباشرة عليه، في حين يعكف الهنود على بناء ميناء في مدينة تشابهار الإيرانية المطلة على البحر العربي مباشرة لتعزيز سلطانهم التاريخي بالمحيط، علاوة على الروس المتمركزين حاليًا في طرطوس واللاذقية بسوريا، حيث تُهِمهم بالأساس التجارة المارة عبر البحر المتوسط إلى البحر الأسود من جنوب أوروبا وأفريقيا والأمريكتين.

إجمالًا، وبحلول العام 2020، ستكون القاعدتان العسكريتان التركيتان في قطر والصومال قيد العمل كما هو مخطط حاليًا، علاوة على تواجد القوات التركية في شمال العراق في إطار تحالفها مع حكومة كردستان العراق، واتفاقية التحالف العسكري التي تمتلكها مع كل من شمال قبرص وأذربيجان، وأخيرًا الاتفاق الذي يتيح لها استخدام قاعدة ليمان باشا في ألبانيا بعد أن أعادت بنائها بعد نهاية الحرب الباردة.

التواجد العسكري التركي في محيط تركيا 2020