أبرمت إيران والدول الست الكبرى رسميًا الاتفاق بشأن الملف النووي الإيراني يوم الثلاثاء في فيينا بعد مفاوضات ماراثونية استمرت 21 شهرًا.

ويأتي ذلك بعد فترة وجيزة من إعلان الاتحاد الأوروبي بدء الاجتماع بين وزراء خارجية إيران والدول الكبرى الست في فيينا، وقد اعتبر وزير خارجية إيران ومسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الاتفاق التاريخي صفحة جديدة ويمهد لمرحلة جديدة في العلاقات الدولية.

وقال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف اليوم الثلاثاء إن الاتفاق هو "لحظة تاريخية" و"صفحة أمل جديدة"، وأضاف أن الاتفاق ليس مثاليًا لكنه الأفضل لجميع الأطراف، من جانبها قالت فيدريكا موغيريني، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، إن الاتفاق يمهد الطرق أمام مرحلة جديدة في العلاقات الدولية، أما وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس فاعتبر أن الاتفاق مع إيران "قوي بما يكفي للعشر سنوات الأولى على الأقل".

وعلى المستوى العربي، انقسم التفاعل بين ترحيب الخطاب الرسمي بهذا الاتفاق وبين ما يشبه الجزع والقلق لدى أغلب الصحفيين والمثقفين.

ترحيب الخطاب العربي الرسمي بالاتفاق

أولى ردود الفعل العربية كانت من دولة الإمارات، حيث بعث رئيس دولة الإمارات الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان برقية إلى حسن روحاني رئيس جمهورية إيران هنأه فيها بالاتفاق النووي "التاريخي"، أعرب فيها عن أمله أن يسهم الاتفاق في تعزيز أمن المنطقة واستقرارها.

ونقلاً عن وكالة الأنباء الإماراتية، قام الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة ورئيس مجلس الوزراء وحاكم دبي، والشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبو ظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، بإرسال برقيتين مماثلتين إلى الرئيس حسن روحاني.

من جهتها، أعلنت السعودية أنها "كانت دائمًا مع أهمية وجود اتفاق حيال برنامج إيران النووي، يضمن منعها من الحصول على السلاح النووي بأي شكل من الأشكال"، وحذرت الرياض إيران، من أن قيامها بإثارة الاضطرابات في المنطقة سيواجه بردود فعل حازمة من دول المنطقة، معربة عن تطلعها إلى بناء أفضل العلاقات مع طهران، في إطار "حسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الآخرين".

وفي السياق ذاته، رحبت قطر بالاتفاق النووي عبر بيان لوزارة الخارجية نشرته وكالة الأنباء الرسمية مساء الثلاثاء واصفة إياه "بالخطوة الهامة"، مؤكدة "حرص دولة قطر على حماية السلام والاستقرار"، معربة عن أملها في أن "يسهم هذا الاتفاق في السلام والاستقرار في المنطقة".

كما أرسل أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح، برقيات تهنئة إلى رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وروسيا والصين وإيران ورئيس الوزراء البريطاني والمستشارة الألمانية والأمين العام للأمم المتحدة، هنأهم فيها بتوقيع الاتفاق.

قلق وسخط داخلي

وعلى نحو مغاير، شهدت مواقع التواصل الإجتماعي سيلاً من ردود الأفعال التي كانت في مُعظمها ساخطة وغير مطمئنة لهذا الاتفاق الذي ينهي العقوبات على إيران تدريجيًا دون أن يُخرجها من النادي النووي، وذهبت أغلب التصريحات إلى وجوب اتخاذ إجراءات مضادة لهذا الاتفاق، الذي من شأنه تشكيل خطر على الدول العربية، وفق تحليلهم.

عبد الله النفيسي، المفكر الكويتي، قال إن الاتفاق جاء في مصلحة إيران خاصة بعد رفع العقوبات الاقتصادية واعتبر أنه سيتيح لها مزيدًا من "النشاط التخريبي" في المنطقة، خاصة في اليمن، وسوريا.

من جهته، وصف رئيس تحريرالعرب القطرية هذا الاتفاق بالاتفاق "الغربي الصفوي"، وطالب العرب بتجاوز الصدمة باعتباره تحصيل حاصل والمضي قي مناقشة كيفية التعاطي معه كمستجد في الساحة الإقليمية والدولية.

وقال محمد المحيا مقدم النشرات الإخبارية بالقناة الأولى في التلفزيون الرسمي السعودي بحسابه عبر موقع تويتر إن إيران أوجدت الفوضى في الوطن العربي وستسعى لأكثر منها بعد الاتفاق، وطالب دول الخليج بـ "إعدام الثقة بأمريكا والتوجه للروس والصين".

واعتبر صالح الراجحي، مدير مركز الدراسات الأمريكي في معهد الدراسات الدبلوماسية بالرياض، من خلال تغريدة على تويتر أن الشيطان الأكبر ومعه الأوربيين استسلموا لإيران وهم صاغرون، وفق تعبيره، وأضاف ساخرًا أنه لم يتبقَ إلا أن تزور الولايات المتحدة قبر الزعيم الأعلى الإيراني الراحل آية الله الخميني للتبرك.

هل يتعين علينا القلق فعلاً من الاتفاق النووي الإيراني؟

إن المُقارن بين الموقف الرسمي الذي لم يكن مُتاحا له أن يُعبّر بغير ما عبر، وبين ماجادت به أقلام مثقفي دول الخليج خاصة وسياسييها، يمكن له أن يتحسس حجم الارتباك الذي اجتاح المنطقة، فرغم السلوك "المزعج" الذي تميزت به إيران طيلة عقود، هاهي اليوم تنتزع من العالم تذكرة ولوجها للنادي النووي، بعد أن كانت في موضع المُنتم "خلسة".

الفرس، أوفياء لتراثهم الذي يقدمهم كمحترفي سياسة ومكتنزي الدهاء، ضربوا مثالاً في الاحتراف وليس في وسعنا إلا أن نُعجب بقدرات المُفاوض الإيراني الذي حافظ على برودة رأسه لسنوات ولم يُغفل أدق التفاصيل حتى نجح في النهاية في انتزاع اعتراف بحق إيران في برنامج نووي سلمي مقرونًا برفع لحصار أنهكها ولم يُخضعها.

وعند تفكيك أغلب الأطروحات المُحللة لهذا الاتفاق والمستشرفة لتداعياتها على المنطقة، نجد أنها كُتبت بحبر بُكائيات كثيرًا ما ينتهي بلوم الولايات المتحدة الأمريكية التي أصبحت "شيطانًا أكبر" والغرب الذي بات ملعونًا.

وعلى خلاف ما حاول كلا الطرفين، الغربي والإيراني، تصويره على أنه انتصار كامل لطرف على حساب الآخر، من المهم أن يكون لدينا يقين بأن مثل هذه الاتفاقات التي ستُدرّس لاحقًا في مادة العلاقات الدولية لطلبة العلوم السياسية لا فائز فيها ولا منهزم، ولعل أهم ما توصلت إليه الولايات المتحدة الأمريكية عبر هذا الاتفاق هو بداية تحويل إيران من جبهة أعداء أمريكا في العالم إلى صف أصدقائها، وكبح طموحها النووي عبر إخضاع مواقعها العسكرية للتفتيش.

من جهة أخرى، بات واضحًا أن النظام العالمي أصبح يُراهن على إيران كقوة إقليمية تاريخية ذات مجال حيوي ممتد قادرة على أن تكون أحد أضلع نظام إقليمي رباعي الأضلاع يسهر على إعادة ترتيب المنطقة بعد الزلزال الذي أصابها؛ بعض التحليلات التي كانت تُقدم المثلث المتكون من تركيا والمملكة السعودية ومصر على أنه من سينوب النظام العالمي في منطقة الشرق الأوسط، يبدو أنها يجب أن تحول المثلث إلى مربع وأن تضيف إيران للمعادلة، وقد يكون هذا النظام الرباعي مفتاح تسوية شاملة في المنطقة تنزع فتيل الاحتراب الطائفي.

كما أن الحديث عن تخلي الولايات المتحدة الأمريكية عن حلفائها العرب لفائدة إيران لا يمكن أن يستقيم ومطعون فيه على مستويين: فأما المستوى الأول فهو الطعن شكلاً باعتبار أن الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عمومًا يتعاملون مع دول المنطقة كمجموعة أسواق اقتصاديًا وكمجموعة بيادق سياسيًا.

وأما الثاني فهو الطعن في هذه الخلاصة أصلاً باعتبار أن الولايات المتحدة الأمريكية اليوم تزود دول الخليج بأطنان السلاح في حين تمنعه عن إيران وهو ما لا يستقيم مع هذا الطرح.

ببساطة الولايات المتحدة الأمريكية وشركاؤها يديرون الموازنات في المنطقة وفق المتغيرات المتعددة، والبكاء اليوم ولوم "الصديقة أمريكا" على ما يعتبره البعض اقترابًا من طهران، هو من باب أن يطالب ما لا يملك بما لا حق له، والعرب اليوم مطالبون باستخلاص العبر والدروس لعل أهمها ألا حليف دائم إلا نفسك، وأن هذا العالم الكبير لا يحترم سوى القوي، وهو ما يستحق بالفعل أن يثير قلقنا، فبينما تصوغ باقي الأمم مشاريعها وتستميت في الدفاع عنها، لازلنا بلا رؤية ولا مشروع وتحت رحمة غيرنا.