لم تختلف كثيرًا لوحات القرنين الثامن والتاسع عشر الفنية، التي استوحى فيها فنانون كبار أوربيون لديهم هوس بتجسيد الألم الإنساني والاحتفاء به، دون أدنى إدانة أخلاقية للجلاد أو تعاطف مع الضحية، التي جسدوا فيها رحلات الأفارقة الطويلة إلى الأمريكتين وإلى أوروبا، بعد استعبادهم وأسرهم ونقلهم من بلدانهم الأصلية، وتشغليهم في ظروف قاسية في المزارع والمصانع، إبان الثورة الصناعية في أوروبا وأمريكا.

عرّى وفضح مثقفون محترمون من أمثال البلغاري الفرنسي تزفيتان تودوروف في كتابه فتح أمريكا، فرانز فانون في كتابه معذبو الأرض، النبيه إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق، وغيرهم كثيرون، من أمثال عالم الكيمياء الإسرائيلي غير الصهيوني إسرائيل شاحاك، وعالم اللسانيات الفذ والناشط السياسي نعوم تشومسكي، كل أدوات التناقض في الخطاب الغربي الأمريكي، القائم على الإبادة البيولوجية والثقافية للشعوب المستضعفة.

الصحافة الأوروبية والأمريكية من جانبها سارت على النهج الاستشراقي الاستعماري في معالجة قضية الهجرة غير الشرعية، قلة فقط من الباحثين المنصفين الذين حذروا من أن مسؤولية علاج الظاهرة تقع، وبشكل كبير، على أوروبا وأمريكا، باعتبارهما المسؤولتان في جزء كبير عن هذه الظاهرة، باستمرار دعمهما غير المحدود للأنظمة الشمولية في أفريقيا، مقابل الحصول على امتيازات في مجالات المواد الأولية والطاقة والتجارة.

الاتحاد الأوروبي يتجه الآن إلى محاولة تشكيل قوة عسكرية مهمتها ضرب مراكب المهربين للمهاجرين غير الشرعيين، وهي خطوة على كل حال لن تعالج جذور الأزمة، إذ سيبحث المهربون، بحسب دراسات أوروبية، عن خطوط نقل أطول وأخطر على حياة المهاجرين، كما أنه من الصعوبة بمكان التمييز بين مراكب المهربين والصيادين، مما قد يعني سقوط أبرياء ضحايا قصف قواربهم.

الأهم في هذه المسألة أن الدول الغربية تتعامل بنفاق مطلق مع مسألة المهاجرين، وتُحمِّل ليبيا ودول أخرى المسؤولية الكاملة عن تصدير المهاجرين، بل واتهامنا بتصدير الإرهاب عبر مراكب الهجرة إلى أوروبا.

في الوقت الذي تصدر فيه فرنسا وبريطانيا وألمانيا قوافل من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية إلى العراق وسورية تحديدًا، ودول أفريقية وليبيا عمومًا.

لم تخبرنا مراكز الدراسات الغربية ولا الصحفيين عن مصير المهاجرين بعد وصولهم إلى الشواطئ الأوروبية، ودخولهم إلى مراكز الإيواء، هنا تبدأ الصورة المخفية عن الجميع بإرادة صلبة؛ إذ إن هؤلاء البشر يودعون في المزارع والمصانع للعمل بأقل الأجور، وبدون تأمين أو رعاية صحية، تحت شعار "العمل مقابل الغذاء" ومن يمت منهم يُدفن في أول مقبرة مجهولة.

صحيح أن فرالقرن الجديد خلا من تجار الرقيق، الذين يشترون العبيد من أفريقيا ويرحلون بهم عبر البحار إلى أوروبا وأمريكا للعمل في المزارع والمصانع، إلا أن النتيجة واحدة، فالمقدمات والنتائج ووحدة مصير المهاجرين غير الشرعيين في القرن الجديد، هي نفسها ما سبق أن سار عليه أجدادهم في القرنين الثامن والتاسع عشر، إنها مئات من السنين كنا دومًا نحن الضحية.

صحيح أن لا إكراه مباشر في الرحلة بقوارب الموت، إلا أن الإكراه غير المباشر صارخ وواضح، فالسياسات الأوروبية الأمريكية المتحالفة مع ديكتاتوريات أفريقيا أوصلت أبناء القارة السمرة الفتية إلى حالة من اليأس والكفر بالمجتمعات والسياسة وحتى المستقبل، حتى تسمية المهاجرين غير الشرعيين لم تخل من براءة، فطالما هو مهاجر غير شرعي فلا ضمانات ولا حماية ولا حق في الحياة الكريمة.

ولا تفتننكم تقارير المنظمات الدولية المعنية بالهجرة وحقوق الإنسان، أو صور انتشال وإنقاذ المهاجرين، الذين وكأنهم بدخولهم إلى البحر يدخلون إلى أرحام أمهاتهم، إنها رحلة العودة إلى الأبوية الاستعمارية السابقة.

الجنرال الأمريكي فيليب بريدلوف، القائد الأعلى لحلف شمال الأطلسي، قال هذا الأسبوع، إنه من المحتمل أن يستغل الإرهابيون قوارب موت المهاجرين إلى أوروبا، إنهم لا يريدون فقط تحمل المسؤولية التاريخية والإنسانية ـ وهذا غير متوقع ـ بل إنهم يبغون توجيه اتهام إلى الموت بأنه إرهابي، وهذا من أبشع الصور وأكثرها انحطاطًا في سلم الإنسانية، أن يكون الميت حتى وهو ميت، مجرم وإرهابي ومتطرف.

رفع الحماية والغطاء الإنساني بلفظ "هجرة غير شرعية" وصولًا إلى تجريم الميت، ووصمه بالإرهاب والتطرف والقتل، وصولًا إلى الاستغلال في المصانع والمزارع وتكثير النسل الأوروبي بعد سلخ الدين والثقافة والأخلاق.

والمحطة الأخيرة أن يجلس مهووس بالألم والعذابات لرسم لوحة قد يبعها هو أو أحد أحفاده بملايين الدولارات، تلكم هي الصورة من 300 سنة، فقط حدثت تغيرات طفيفة.