تسود حالة من الارتباك والقلق في صفوف السلطات الجزائرية مع فقدانها لتصور واضح لحل الأزمة في محافظة غرداية (600 كلم جنوب العاصمة الجزائر) مع شعور بالعجز عن وقف تدهور الاوضاع الأمنية في هذه المنطقة الصحراوية وبلوغها مستوى من الخطورة، كانت السلطات تعتبر أن الوصول إليها يعني أن الأزمة ستصبح عسيرة على الحلّ، والأخطر من ذلك كله أن بعض الملاحظين يقدرون أن تواصلها يمكن أن يشعل صراعات مشابهة في مناطق أخرى من البلاد.

وتندرج هذه الأحداث في سياق الأزمة بين العرب المالكيين والأمازيغ الإباضيين التي اندلعت في كانون الأول/ديسمبر 2013، مع تسجيل استعمال الأسلحة النارية لأول مرة وتجاوز عدد الضحايا العشرين قتيل.

ارتباك النظام أمام تسارع الأحداث

وأمام تسارع الأحداث، بادر الرئيس الجزائري، عبدالعزيز بوتفليقة، لاتخاذ قرارين متناقضين حول أزمة غرداية في غضون أقل من 48 ساعة؛ اتخذ الأول الثلاثاء مطالبا بتكليف الجيش بإدارة الأزمة، ثم جاء الثاني لكي ينقضه ويعيد صلاحية تسيير الأزمة للداخلية.

وجاء في وسائل إعلام محسوبة على السلطة نقلا عن مصادر مقربة من الرئاسة بأن قرار الرئيس بوتفليقة إعادة ملف إدارة الأزمة الى الى وزارة الداخلية وقواتها الأمنية كان بهدف إبعاد الجيش عن أزمة قد تتحول قريبا إلى مستنقع خطر، وهو ما لم يقنع عديد المطلعين على خبايا المشهد الجزائري بالنظر إلى سرعة تكليف الجيش بملف الوضع الأمني في غرداية ثم سحبه منه بشكل أسرع.

واعتبر مراقبون أن مثل هذه القرارت المتذبذبة والمتسرعة كشفت أن السلطات الجزائرية ما تزال بلا خطة واضحة للحلّ بينما تزداد الأزمة خطورة ورغم أن بوادرها انطلقت منذ سنتين، كما ذهب بعض المحللين إلى أن أخذالقرار ونقيضه قد يكون ترجمانا لصراع أجنحة داخل السلطة لهما وجهتا نظر مختلفتين في التعاطي مع الوضع في المنطقة الصحراوية الملتهبة، بين طرح يريد الحسم باستخدام القوة والسطوة الأمنية للسيطرة على الوضع بحزم حتى لا تظهر السلطة في ثوب العاجز، وطرح ينادي بالمعالجة السياسية باعتبار أن إدخال عنف الدولة "الشرعي" في المعادلة قد يزيد في إشعال الأزمة، خاصة وأن كلا طرفي الصراع يعتبر أنه صاحب حق ومظلوم.

ويبدو أن بوتفليقة أراد فعلا أن يدفع بالجيش للواجهة لكنه تراجع في آخر لحظة لأنه خشي نتائج عسكرة المعالجة بعد أن نصحه بعض المقربين من بعدم المجازفة بإقحام الجيش في ملف غرداية في هذا التوقيت بالذات لأن ذلك يمكن ان يورط الجيش في معركة شاقة لا سيما اذا ما انتشرت في ربوع الجزائر، في حين أن مهمته الأساسية -الجيش-  تتعلق بحماية البلاد من الأخطار الإرهابية القادمة اليها من دول الجوار كليبيا..

وفي السياق ذاته، ذهبت تحاليل الكتاب المقربين من السلطة أن هذه الأحداث يمكن أن تركبها أطراف جزائرية عديدة غاضبة من النظام، لإطلاق شرارة "الربيع العربي" الذي تأجل حدوثه في الجزائر.

وقال مصدر أمني رفيع إن وزير الداخلية أمر بإجراء 3 تحقيقات، الأول يتعلق بنوعية الذخائر التي استعملت في الاعتداءات بالسلاح الناري ومصدرها، حيث وصل إلى المدينة 8 خبراء من معهد الأدلة الجنائية التابع للدرك الوطني من أجل فحص كل أنواع الذخائر التي تنزع من جثث الضحايا أو من الجرحى.  كما أمر بإجراء تحقيق حول شبهة وجود تقصير أمني بأمر من الرئيس بوتفليقة، أما التحقيق الثالث فيتعلق بشبهة وجود تخطيط يكون قد سبق مجزرة الڤرارة.

قراءات مُختلفة لجذور الإقتتال

عندما تسأل الجزائريين عن علاقة الميزابيين الأمازيغ الذين يعتنقون المذهب الإباضي، بالعرب الشعانبة السنة الذي يعتنقون المذهب المالكي، يجتمع أغلبهم على أنها من أرقى علاقات التعايش في تاريخ الجزائر عبر قرون من الزمن، في مدينة غرداية.

هذا التاريخ الجيد من التواصل بين الفرقتين لم يمنع ظهور مناوشات تحولت في السنوات القليلة الماضية إلى صراعات، ثم تطورت إلى صدامات أدت إلى سقوط ضحايا من الجانبين، وتحولت مدينة غرداية الهادئة إلى مركز لأعقد الأزمات التي تعيشها الجزائر.

وبدأت الأحداث الأخيرة في غرداية في شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي بعد أن شهدت مدينة الڤرارة (110 كلم شمال شرقي غرداية)  مشادات عنيفة بين سكان عدد من أحياء المدينة، على خلفية اشتباكات دامية بين أنصار فريقين لكرة القدم جمعت فريقين من ذات المنطقة، وأسفرت المشادات آنذاك في يوم واحد عن إصابة ما لا يقل عن 60 شخصا بجروح منهم 20 من رجال الأمن و40 مواطنا 4 منهم إصاباتهم خطيرة.

غير أن هذه الأحداث ليست الأولى في المنطقة التي تبدأ باشتباكات ثم تأخذ أبعادا طائفية ومذهبية، لتبقى الأسباب الحقيقية في كل مرة غير واضحة،  حيث تتباين التحاليل لأصول ما يقع في غرداية، بين ترجيح للمنطلق الطائفي بين الأمازيغ والعرب، أو المذهبي بين الإباضيين والسنة، في حين يربطه بعضها بالأبعاد الإجتماعية والإقتصادية.

بشير مصيطفى، الوزيرالجزائري السابق والخبير الاقتصادي والذي واكب عن قرب الأوضاع في إطار مبادرة  التهدئة التي أطلقها في شهر أوت/آب 2014 ، وفي تحليله لجذورالأزمة يُقدّر أن ما يحصل هو نتيجة مباشرة لتظافر سببين أساسيين وهما ضعف مؤشرات التنمية وضعف الأداء الأمني الرسمي، إذ يعتبر أن ضعف مؤشرات التنمية زاد من الصراع حول الموارد الشحيحة وزاد من معدل البطالة وسط الشباب، وأن ضعف المنظومة الأمنية أضعف أداء القضاء في متابعة مستعملي العنف وقلل من دور استشراف وتوقع الأحداث بمعنى غياب اليقظة الاستراتيجية في المجال الأمني، كما يقلل من أهمية البعدين العرقي والمذهبي مستدلا بالتعايش بين العرب المالكيين والأمازيغ الاباضيين لمدة 10 قرون.

كما يشير مصيطفى في قراءته إلى وجود عوامل أخرى ساعدت على تفاقم الأوضاع وهي ظهور سلطة الشباب الجديد المستقل عن سلطة مجالس الأعيان عند الاباضية والمتأثر بشبكات التواصل الاجتماعي، والفرق المذهبي غير المتسامح بين الاباضية والمالكية الذي تغذي من السببين المذكورين، بالإضافة إلىما يعتبره وضعية الانعزال الاجتماعي والثقافي للاباضيين ( ضعف الاندماج مع العرب : السكن ، المساجد ، المقابر ، المدارس ، المراكز الثقافية ، المحاكم ) مما أفرز مناطق تماس ساخنة.

على صعيد آخر، يرى ويرى المختص في علم الاجتماع، ناصر جابي، أن الصراع في غرداية هو صراع "بين الغني والفقير". ويعتقد جابي أن وجود مكونين اجتماعيين في المدينة أحدهما ميسور الحال (المزابيين) والآخر فقير (العرب) أدى إلى حدوث صراعات دائمة بينهما، ويعتبر أن محور ذلك الصراع كان دائما الموارد الطبيعية في المدينة كالأراضي الصالحة للزراعة والنزاعات حول قطع بناء مساكن للعرب الذين جاءوا من البدو.

وتعود جذور هذه الفوارق حسب جابي إلى كون المزابيين "ميسوري الحال" ويشتغلون في التجارة ولديهم موارد اقتصادية كبيرة منذ القدم، في حين أن العرب المالكيين "كانوا يشتغلون في الزراعة البسيطة ويربون الإبل والماشية في البوادي، لكن حين دخلوا للمدينة وجدوا أنفسهم فقراء مقارنة مع المزابيين، وقد نظر إليهم المزابيون على أنهم ينافسونهم على الموارد الاقتصادية".

أما المحلل السياسي عبد العالي رزاقي، فيعتقد أن أزمة غرداية سببها صراع على مستوى السلطة، لأن غرداية منطقة مهمة بالنسبة للجزائريين، أولا باعتبار أن لها مذهب خاص هو الإباضية، إضافة إلى أنها تشكل أهمية كبيرة على المستوى الاقتصادي كون أغلبها تجار، ناهيك عن كونها أهم منطقة سياحية للجزائريين والأجانب، وفق تعبيره. ويعتبر رزاقي أن الصراع في غرداية ليس بين الإباضية والمالكية، وإنما بين "أطراف في السلطة".