يمكن القول إن قواعد الجمود السياسي التي تحكم المشهد العام في تفاعلات العملية السياسية في العراق قد تحطمت بشكل لافت اليوم؛ فحزمة القرارات التي اتخذها رئيس الوزراء حيدر العبادي صباح هذا اليوم تُعد من أكثر مدخلات النظام السياسي أهمية منذ سنوات، وأهمية ذلك تنبع من أن فحوى القرارات التي اتخذها لا تتعلق بإلغاء منصب أو فتح تحقيق فحسب، بل إن أهميتها تأتي من أمرين: الأول متعلق بطبيعة الشخصيات التي أُلغيت مناصبهم، والثاني وهو الأهم هو أن هذه القرارات ليست إلا نتيجة طبيعية لتطور الصراع السياسي الخفي داخل "البيت الشيعي" بين أجنحة تقليدية وأجنحة صاعدة مدعومة بخلفيات إقليمية أو دولية.

فالصفقة التي شكلت بموجبها حكومة العبادي كانت قد اشتملت على تعيين أقطاب الكتل السياسية ورموزها في المناصب، مما بدا واضحًا بأن هذه الحكومة ستكون قوية وزاريًا إلا أن رئيسها سيكون ضعيفًا ومكبلاً أمام وزرائه الأقوياء، وقراره بإلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية والوزراء، مست رؤساء كتل سياسية وشخصيات قوية داخل النظام السياسي، وخطورة ذلك تتمثل بأن هذه المناصب قد أُعطيت على سبيل الترضية لهذه الشخصيات مقابل التنازل عن مناصبها القديمة مثل نوري المالكي وأسامة النجيفي، أو مقابل احتفاظها بمناصبها كصالح المطلك، بالتالي فإن تجريد هذه الشخصيات من مناصبها يُعد ضربة للاتفاق الذي تشكلت على أساسه الكابينة الوزارية، كما أن ذلك يجعلهم مجردين أمام فتح ملفات أمام القضاء ضدهم.

الضلع الثاني لخلفية وأهمية هذه القرارات تتمثل في أنها تأتي كنتيجة لصراع الأجنحة داخل "البيت الشيعي"، الذي غدا مؤطرًا ويأخذ منحنى جديد، فخلال الفترة الثانية لحكم المالكي تعرض البيت الشيعي إلى تصدعات كبيرة أدت إلى تهديد استمراره لولا الراعي الإيراني، هذا التصدع تحول بعد إزاحة المالكي عن إكمال سعيه بالحصول على الولاية الثالثة تحول إلى أجنحة متصارعة في الخفاء؛ فتيار رئيس الوزراء الذي يسانده التيار الصدري والمجلس الأعلى وجناح من حزب الدعوة والساعي إلى تحقيق منهج جديد في الحكم يواجه بشراسة تيار المالكي الذي كان يدعمه لتولي الولاية الثالثة، هذا التيار يتكون من تيار صاعد متمثل بمليشيا بدر بزعامة هادي العامري ومليشيا عصائب أهل الحق التابعة لقيس الخزعلي والمليشيات التي كانت تشكل للقتال في سوريا، وتيار عريض استطاع المالكي زرعه داخل أجهزة الدولة المختلفة، هذان التياران متمايزان إقليميًا أيضًا فالعبادي الذي يحظى بدعم أمريكي وجناحه يحظى بدعم المرجعية العليا التي أعطته الضوء الأخضر لمثل هذه الإصلاحات، يقابله جناح المالكي الذي هو جناج إيراني بامتياز، خطورة الجناح الأخير هو أنه وبسبب ظروف حرب داعش والحشد الشعبي عزز وجوده في الداخل الشيعي وبدا يمتلك سلطة يمكنها أن تعوق وتضعف سلطة الدولة بذاتها؛ لذا فإن العبادي الذي وجد نفسه يتعرض إلى محاولات إفشال وإعاقة مهولة لعل إبرزها حرق مدينة الأعظمية أو تلك المتعلقة بإعلان عمليات تكريت من دون تنسيق مع حكومته، أو الإشارات المتكررة حول أن العبادي لن يستمر في حكمه.

وبعد حركة المظاهرات التي اجتاحت بغداد والجنوب بسبب سوء الخدمات وخطاب مرجعية النجف التي أعطت تفويضًا مفتوحًا للعبادي ومع تصاعد الإشارات التي تبين إمكانية قيام التيار الثاني بركوب الموجه وتحقيق شبه انقلاب على العبادي، واستباقًا لهذا السيناريو فإن العبادي قام بتوجيه ضربة استباقية مدعومة من المرجعية استهدفت بالدرجة الأولى هذا الجناح عبر استهدافه للمالكي ولجناح واسع من حزب الدعوة ذاته الذي يحتل مناصب عديدة سيشملها الترشيق، وإذا كان جناح العبادي وبالتفاهم مع المرجعية قد سجل هدفًا في مرمى جناح المالكي – طهران، فإن التساؤل حول إلى أي مدى يمكن أن تصمد هذه القرارات، كما أنها ستنتج تداعيات مفتوحة في اتجاهات متعددة داخل العملية السياسية.

التداعيات على العملية السياسية

حزمة القرارات التي أعلنها العبادي ستكون لها تداعيات مهمة، لعل أبرزها - إذا صمدت هذه القرارات - سينعكس بالنتيجة على البيت الشيعي؛ فالصراع الخفي بين الجناحين سيأخذ منحنى علني ومختلف تمامًا عما هو عليه الآن، وإعلان قرارت العبادي بفتح ملفات الفساد السابقة ومن شأن التفاعل مع هذه القرارات أن تجعل العبادي يتجه إلى الخطوة التالية وهي المحاكمات، فملف سقوط الموصل (والذي أشار لنا مصدر خاص من داخل لجنة التحقيق بأن هناك إدانة واضحة للمالكي تتعلق بتحمله جزء من مسؤولية الانسحاب)، وبالإضافة إلى ملفات الفساد فإن العبادي سيدير الصراع هذه المرة عبر هذه الملفات والمحاكات، هذا التصعيد سيعني بالنتيجة تصدع التحالف الوطني إن لم يكن أحد أسرع النتائج المترتبة على هذه القرارات، ما سيعني تغير قواعد اللعبة وإعادة العبادي لحركة التحالفات.

الآثار الثانية التي ستنعكس على هذه القرارات، تتعلق بالتداعيات على وضع العرب السنة ووثيقة الاتفاق السياسي؛ فالقرارات أخرجت اثنين من أبرز قادة تحالف القوى العراقية خارج أي منصب رسمي وهما النجيفي والمطلك، يتبعهما إياد علاوي الأقرب إلى هذا التحالف؛ وبالتالي فإن من شأن هذا القرار هو الآخر أن يترك أثرًا انقساميًا على الواقع السني، صحيح أنها ستعزز تيار الجبوري الذي كان أول المرحبين بالقرار إلا أنها ستعزز من أطراف داخل اتحاد القوى ستدفع إلى إفشال الشراكة مع العبادي نتيجة لمصالح ضيقة.

بيد أن المعارك مع تنظيم داعش هي الأخرى ستكون تحت مرمى تداعيات هذه القرارت، صحيح أنها ستحظى بدعم التحالف الدولي الذي سيعزز من جهود دعمه للعمليات ضد تنظيم داعش، إلا أنه وعلى الجانب الآخر فإن جناح المالكي الذي يمتلك السيطرة الحقيقية على الحشد الشعبي المتصدر للمشهد العسكري، وإذا ما تفرغ لصراع سياسي شيعي داخلي فإن من شأنه أن يبدد الكثير من جهوده إذا ما تورط في ذلك الصراع السياسي في أسوأ السيناريوهات، وبالتالي فإن دور الحشد الشعبي وإذا ما انطلقت التداعيات لهذه القرارات سيشهد برودًا وتراجعًا عما هو عليه الآن.

إزاء ذلك فإن التساؤل ينطلق حول قرارات العبادي هذه، هل من الممكن أن تتحول إلى قرار شبيه بقرار المالكي في ولايته الأولى بإطلاق عملية عسكرية واسعة ضد جيش المهدي في البصرة وإطلاقه عمليات "صولة الفرسان" التي مكنته من ضرب منافسيه الآخرين، لاسيما أن كلاهما يتشابه من حيث أنهما كانا شخصيتان مغمورتان دفعت ضروف التحالف الاستثنائية بهما لنيل أعلى منصب في حكم البلاد، أم أن هذه القرارات ستكون مفرغة من فحواها ولن تصمد أمام ضغوط مصالح الكتل السياسية عليها من كل اتجاه.