في الأشهر الأخيرة، بدأ الإخوان المسلمون يعيدون النظر في نهجهم التنظيمي، ويدرسون إمكانية اللجوء إلى العنف رداً على قمع الدولة المصرية. كان الخطاب العنيف الذي استخدمه أعضاء الإخوان في الأيام الأولى من تموز/يوليو 2013 عفوياً وذهب إلى حد أبعد بكثير عن الأيديولوجيا التي يتبنّاها التنظيم منذ عقود. لكن مجزرة رابعة العدوية التي أسفرت عن مقتل 817 شخصاً على الأقل، بحسب منظمة هيومن رايتس ووتش، والقمع المتزايد الذي يمارسه نظام السيسي، دفعا بمسألة اللجوء إلى العنف ضد الدولة إلى الواجهة.

يسلّط السجال الضوء على حجج متمايزة - وأحياناً متناقضة - حول استخدام العنف. ففي حين يقول بعض أعضاء الإخوان المسلمين إنه رد تكتيكي على العنف اليومي الذي تمارسه الشرطة، يبدو الحرس القديم في التنظيم عاجزاً عن، وغير مستعد لإيجاد بديل سياسي عما يقترحه عناصر شابة في الجماعة: “العنف الذكي”. يدعم هؤلاء الناشطون الإخوانيون نوعاً محدداً من العنف يستهدف بعض عناصر النظام - وليس النوع العشوائي الذي تلجأ إليه التنظيمات المتشدّدة. تُظهر هذه المقاربة الضيّقة والتكتيكية كيف أن العنف بعيد جداً عن العقيدة الجوهرية للإخوان، لكنه يستمر في حشد مزيدٍ من الدعم بين أفراد التنظيم.

تخشى قيادة الإخوان، من جهتها، خسارة نفوذها لمصلحة الجناح الشاب إذا أبدت معارضة صريحة ومباشرة للجوء إلى العنف. لكن النخب الإخوانية تحوّلت تدريجاً من إصدار عدد من البيانات التي تؤكّد الطبيعة السلمية لعمل التنظيم السياسي، إلى تقديم حجج لتبرير الاستخدام المحدود للعنف. لكن هذا النهج في الخطاب لم يصبح بعد معمماً على الخطاب الإخواني، مايعني أنه لايشكّل حتى الآن تحولاً استراتيجياً كبيراً.

على سبيل المثال، استخدم يحيى حامد، 36 عاماً، وهو قيادي في الإخوان كان وزيراً للاستثمار في عهد مرسي، كلمات مبهمة للحديث عن حق أعضاء التنظيم في “الدفاع عن النفس”. لا يمكن اعتبار كلام حامد جزءاً من استراتيجية طويلة الأمد لضمان بقاء التنظيم، بل هو بالأخص ردّ غاضب على القمع الذي يمارسه النظام على نطاق واسع. ففي الأول من تموز/يوليو الجاري على سبيل المثال، قتلت قوات الأمن 13 قيادياً إخوانياً بعيد اعتقالهم وتفتيشهم وأخذ بصماتهم. بحسب التقارير، كان هؤلاء القياديون مجتمعين لمناقشة آلية دعم عائلات سجناء الإخوان عندما داهمت الشرطة المبنى. ردّاً على هذه الحادثة، انتقد الإخوان ما اعتبروه انتقال مصر في عهد السيسي إلى مرحلة جديدة وخطيرة “لايمكن معها السيطرة على غضب القطاعات المظلومة المقهورة”.

لكن بيانات الإخوان الرسمية لاتزال متناقضة، كما أنها تعكس غياب التوافق حول استعمال العنف. عمرو دراج، القيادي الإخواني البارز ووزير التخطيط والتعاون الدولي سابقاً، هو واحدٌ من كثيرين يشكّكون في جدوى الوسائل التقليدية التي انتهجتها الجماعة، فقد قال في تصريحات صحفية: “الأمثولة الأساسية التي تعلّمتها هي أن التغيير المتدرّج لن ينجح بعد الآن”. علاوةً على ذلك، في أواخر كانون الثاني/يناير الماضي، أصدرت جماعة الإخوان المسلمين بياناً عبر الإنترنت رأى فيه كثرٌ تحوّلاً قوياً باتجاه التخلي عن اللاعنف: “إننا بصدد مرحلة جديدة، نستدعي فيها ما كمن من قوتنا، ونستحضر فيها معاني الجهاد، ونهيّئ أنفسنا وزوجاتنا وأولادنا وبناتنا ومن سار على دربنا لجهاد طويل لاهوادة معه، ونطلب فيها منازل الشهداء”. يعتبر معلّقون كثرٌ أنه ليس بياناً رسمياً، خاصة مع حذفه لاحقا من على موقع الجماعة الرسمي، ويلفتون إلى أن التنظيم سارع إلى استنكار اغتيال النائب العام المصري في 29 حزيران/يونيو الماضي، إذ جاء في بيان صادر عن الجماعة: “يؤكّد الإخوان رفضهم لأشكال القتل كافة”. لكن أبعد من تسليط الضوء على التباين في الآراء حول المسألة، تؤشّر هذه البيانات المتناقضة إلى أن المسؤولين الكبار لدى الإخوان المسلمين يبدون استعداداً متزايداً للنظر في إيجابيات تبنّي العنف كتكتيك لمواجهة الدولة المصرية.

تعكس التغييرات الأخيرة في هيكلية الإخوان الداخلية هذا التحوّل. في نيسان/أبريل الماضي، أعلن المتحدث الرسمي باسم الجماعة انتخاب مكتب تنفيذي جديد من سبعة أعضاء خارج مصر. وقد باشر هؤلاء الأعضاء عقد اجتماعات في اسطنبول مع ناشطين سياسيين وأكاديميين لمناقشة آرائهم حول مأزق الإخوان وسبل تحسين رؤية الجماعة وخطابها السياسيّ. يحاول قادة الإخوان إنهاء عزلة التنظيم عبر الانخراط في نقاشات أكثر انفتاحاً مع محللين سياسيين وناشطين من خلفيات متنوعة، بمن فيهم بعض المسؤولين الأجانب. وتتخلّل هذه النقاشات سجالات حادّة حول مسألة استخدام العنف كتكتيك واستراتيجية ثورية.

يَظهر التحول المتزايد نحو العنف بوضوح أكبر عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بالإخوان المسلمين. ينعت عناصر الإخوان وأنصارهم العسكريين ومسؤولي النظام بـ”المرتدّين”، مايعكس صعود الخطاب السلفي-الجهادي في أوساط الإخوان المسلمين.

فضلاً عن ذلك، فإن “العنف الفعّال” الذي تتبنّاه تنظيمات مثل الدولة الإسلامية في العراق والشام، وفرعها المصري “ولاية سيناء” (الذي كان يُعرَف سابقاً بـ”أنصار بيت المقدس”)، إلى جانب عجز الدولة عن القضاء على هذه التنظيمات، هو مصدر إلهام لعدد كبير من عناصر الإخوان. ويزيد إصرار الإعلام المملوك من الدولة على ربط الإخوان بالمعسكر السلفي الجهادي، من شعور عدد كبير من عناصر الإخوان المسلمين بالاغتراب المجتمعي، ومعظم أعضاء الجماعة مهنيون من الطبقة الوسطى. تصنيف هؤلاء الأشخاص في خانة الجهاديين يدفع بعدد كبير منهم إلى التحوّل نحو العنف في صورة بالغة الوضوح للنبوءة ذاتية التحقق.

تحدثت سيدة عضو في جماعة الإخوان المسلمين في القاهرة عن تنامي الشقاق داخل التنظيم حول “سلميته”. ولفتت السيدة التي طلبت عدم الكشف عن هويتها إلى أن أعضاء من الإخوان بدأوا ينتظمون استعداداً لشن هجمات ضد مصالح تابعة للأجهزة الأمنية والعسكرية في مصر. ليس واضحاً إذا كانت هذه الهجمات ستستهدف منشآت مثل مقار شرطية وأمنية وآليات أو عناصر وجنود، لكنها نقطة تحوّل مهمة يجب رصدها. تتسبّب المحاكمة، التي يشوبها الكثير من العوار، للرئيس السابق محمد مرسي وقادة التنظيم، فضلاً عن عدم القدرة على اللجوء إلى الآليات القانونية في محاسبة المسؤولين، تتسبب في زيادة جاذبية العنف كتكتيك. في غضون ذلك، لايزال قادة الإخوان وأعضاءهم يرفضون المصالحة مع النظام، ولذلك فمن المستبعد أن يكونوا جزءاً من المشهد السياسي أو يحقّقوا التغيير عن طريق القنوات القائمة. 

على الرغم من أن اتجاه الأمور يميل لمصلحة اللجوء إلى العنف، إلا أنه من الواضح أن المسألة لم تُحسَم بعد. فنظراً إلى تاريخ الإخوان الطويل في الابتعاد عن العنف واستنكاره، يجد أعضاء كثر صعوبة في تقبّل استخدام العنف الآن، حتى رداً على القمع الذي يمارسه نظام السيسي. لكن الخشية من خسارة النفوذ لمصلحة الجناح الشاب تقضّ مضاجع قياديي الإخوان الذين يتعاطى كثرٌ منهم مع المسألة من المنظار الآتي: إذا كانت هناك حرب بين المجتمع والدولة، وإذا كان المجتمع قد اتّخذ موقفاً، على الإخوان المسلمين ألا يعرقلوا نضال المجتمع من أجل الحرية. يقول أحد مستشاري المكتب التنفيذي الجديد، وهو مقيم في اسطنبول: “يجب ألا نلتزم الصمت في هذه المعركة”، مضيفاً: “يجب ملء الفراغ بواسطة تنظيم قوي، ولن نكرّر أخطاء الإخوان المسلمين في سورية”، في إشارة إلى أن الإخوان في سورية خسروا الدعم لأنهم قرروا النأي بأنفسهم عن الفوضى خلال المراحل الأولى من الثورة.

نُشر هذا المقال لأول مرة في صدى - كارنيغي