انتهاكات أبسط حقوق الإنسان بلغت ذروتها في مصر، حيث أصبح سماع قصة تعذيب أحد المعتقلين ووفاته جراء التعذيب أو وفاة آخر نتيجة لمنع العلاج عنه كل يوم أمرًا معتادًا أن تسمع عنه في ظل حكم الجنرالات الجدد بمصر، آلاف المعتقلين تعرضوا للتعذيب سواء النفسي أو البدني خلال فترات اعتقالهم المستمرة التي تطول حاليًا.

ما يجاوز 50 ألف معتقل سياسي، حتى بات سماع خبر عن وفاة بضع عشرات من هؤلاء المعتقلين أمرًا مستساغًا لدى المصريين، فأعداد المتوفين داخل أماكن الاحتجاز منذ أحداث الثالث من يوليو 2013 وصل إلى 285 شخصًا، وذلك وفقًا لما أعلنته مؤسسة "الكرامة" المعنية بحقوق الإنسان مؤخرًا بعد وفاة ثلاثة معتقلين على خلفية سياسية في الأول والثاني من الشهر الجاري نتيجة للإهمال الطبي بأماكن احتجازهم المختلفة بعدد من السجون المصرية.

ربما يكون اعتياد الأمر وكثرة حالات الوفيات قد أنقص من هول تلك الجريمة، فغدا سماع خبر عن وفاة معتقل أمر روتيني يتم بشكل دوري في السجون المصرية، حتى ندر الالتفات لتلك المآسي، ولم يعد هامًا لدى الكثيرين معرفة تفاصيل تلك الانتهاكات، وأصبح ضحايا الأجهزة الأمنية مجرد أرقام تكتب في ثنايا التقارير الحقوقية والإخبارية، لكن في الحقيقة أن لكل رقم قصته ومأساته الخاصة التي لاقاها حتى وفاته، أما القصة حال الاقتراب منها والوقوف على تفاصيلها كافة يتيح لنا التأكد من خلالها من أن هؤلاء الضحايا ليسوا أرقامًا.

نستعرض معكم تفاصيل إحدى حالات القتل بالإهمال الطبي داخل أماكن الاحتجاز في مصر وهي لمعتقل يبلغ من العمر 57 عامًا يدعى "عزت حسين محمد السلاموني" أحد قادة الجماعة الإسلامية، الشيخ المسن بدأ العد التنازلي لحياته عصر الإثنين قبل الماضي بتاريخ 27 يوليو داخل إحدى زنازين سجن استقبال طرة أثناء انتظاره أذان المغرب ليُفطر من صيامه، حيث بدأ الأمر بإصابته بألم شديد في بطنه دفع المعتقلين معه بالاستغاثة بالحراس بالطرق على أبواب الزنازين ومناداتهم أملًا في الإجابة التي وصلت بعد منتصف الليل، ولم تكن هذه الإجابة شافية لعلة المعتقل، فلا طبيب بالسجن في المناوبة المسائية ولا يوجد تجهيزات مناسبة لاستقبال المريض؛ ما دفع إدارة السجن حينها للاستعانة بأحد الأطباء الاستشاريين المعتقلين بالسجن.

 الطبيب شخّص الحالة أنها اشتباه في انسداد معوي حاد يتوجب نقلها على الفور لمستشفى مجهز لتلقي العلاج، لكن إدارة السجن كان لها رأيًا آخر بأن تترك المعتقلين يستغيثون طوال تلك الليلة لمحاولة إنقاذ المسن من موت محتم، وفي نهار اليوم التالي قررت اتخاذ خطوة أكثر جدية بنقل المعتقل إلى مستشفى ليمان طرة، التي وصلها بعد 7 ساعات أخرى من الانتظار مكبل اليدين داخل سيارة الترحيلات، ولعدم استعداد مستشفيات السجون المصرية لاستقبال المرضى قامت بتحويله تحت الحراسة الأمنية المشددة إلى مستشفى خارجي.

معتقلو سجن ليمان طرة أكدوا في رسالة مسربة حصل "نون بوست" على نسخة منها عودة المعتقل إلى زنزانته بعد ساعات قضاها بعربة ترحيلات السجن دون تقديم أي علاج له، حيث أوضحت الرسالة أن المستشفى الخارجي أعادته للسجن بعد تعثر إجراء أشعة فحصية تكلف نحو 450 جنيهًا مصريًا وذلك لعدم توافر أموال لدى المريض، فأوضح المعتقلون في رسالتهم أن السجين لا يجوز له أن يحمل أي نقود إلا في خزينة السجن، وأن النقود من أكبر الممنوعات في قاموس السجون المصرية، مؤكدين أن انتظار المريض طوال يوم الـ 28 من يوليو كان بعربة الترحيلات التي استخدمت كبديل لسيارة إسعاف مجهزة.

أكد معتقلو سجن الاستقبال مصاحبة المعاملة غير الآدمية لمرض الرجل والإهمال الطبي لذاك الشيخ المسن، مشيرين إلى استقبال أحد الضباط يُدعى "فوزي" للمريض إبان عودته من المشفى بشكل مهين، حيث قام بإلقائه في أحد ممرات الغرف مكبل اليدين وذلك حتى فجر اليوم التالي حيث أمر ذلك الضابط وقتها بإيداعه في زنزانته مرة أخرى دون علاج، وأشارت الرسالة إلى أن المعتقل ظل يومين دون طعام أو شراب بالإضافة إلى منع أي دواء.

حاول المعتقلون بالسجن الاستغاثة مرة أخرى بالإدارة بعد إعادة المعتقل لزنزانته يتلوى من مرضه إذ لم يعد قادرًا على التحمل، وفي تلك المرة كانت الاستجابة أسرع وتم اصطحاب المعتقل من زنزانته، وبعد يومين تفاجأ المعتقلون بخبر وفاته، مشيرين إلى أنه قتل بدمٍ بارد وإدارة السجن هي المسؤولة عن مقتله، وذلك بدايةً من الشاويش الذي لم يستجب للاستغاثات إلا بعد ساعات طويلة، مرورًا برفض المستشفى إجراء فحوصات وتقديم العلاج له، وحتى الضابط المدعو فوزي الذي زاد من ألمه بإلقائه بأحد ممرات السجن دون طعام أو شراب أو دواء.

ختم معتقلو سجن الاستقبال رسالتهم التي وصلت لموقع نون بوست بالقول: "مادمت مصريًا فأنت رخيص وفي ظل هذه الأوضاع داخل السجون والمعتقلات فإن قوس الموت مفتوحًا من اليمين ولن يغلق من الجهة الأخرى إلا بعد أن يحصد من الأرواح ما لا يعلمه إلا الله"، مؤكدين أنه ليس في مصر شيء أرخص من حياة البشر الذين يموتون عند عبور الطرق سعيًا وراء الرزق، وبالرصاص في الشوارع والميادين عند رفضهم لسياسات الدولة القاتلة، فعند نجاتهم من الموت يكون مصيرهم اعتقال لا يشفع فيه سن ولا مرض من الموت.