صمت المجتمع الدولي إزاء المعاملة التي يلقاها محمد مرسي وكثيرون غيره على أيدي نظام السيسي مأساوي، وينذر بالخطر في الوقت ذاته.
 
حينما صدر في إبريل حكم بالسجن عشرين عاما على الرئيس المصري السابق محمد مرسي، في محاكمة أدينت دوليا وانتقدت بشدة على أنها غير دستورية وغير عادلة ومسيّسة حتى النخاع، رأى الكثيرون في ذلك اختبارا لإرادة المجتمع الدولي في الوقوف في وجه سلسلة المحاكمات الصورية التي تجري حالياً في مصر.

بالنسبة لمن يدعمون الديمقراطية وحقوق الإنسان، كان جدار الصمت الذي يعبر عن موقف المجتمع الدولي متوقعا بقدر ما كان مأساويا. كنت في ذلك الوقت قد توقعت أن يفسر نظام السيسي مثل هذا الصمت على أنه ضوء أخضر لإصدار حكم بالإعدام على مرسي.
 
في يوم من الأيام كان السياسيون من داونينغ ستريت في لندن إلى البيت الأبيض في واشنطن يشيدون بأفكار وأعمال ثوار 2011، إلا أنهم باتوا اليوم صما بكما عميا إزاء صدور حكم بالسجن، فعلياً، مدى الحياة على أول رئيس منتخب ديمقراطيا في مصر.

كثيرون اعتبروا هذا الحكم بمنزلة المسمار الأخير في نعش أفكار وأحلام وآمال الربيع العربي.
 
ولكن، هذا الأسبوع، أخذ هذا الاجتثاث التدريجي لأول حكومة ديمقراطية في مصر منحى سوداويا، حيث مضى نظام السيسي، وقد شعر بالاطمئنان والزهو بفضل عدم الاكتراث الواضح من شركائه الدوليين بما يفعل، فأمر بتأييد أحكام الإعدم التي صدرت في مايو ضد مرسي وما يزيد عن مائة شخص آخرين. لم تكن المحكمة سوى مسرحية هزلية، وصفتها منظمة العفو الدولية بالتمثيلية المصطنعة التي لا تمت إلى العدالة بصلة، والتي أظهرت بوضوح "الاستهزاء التام بقيم حقوق الإنسان".
 
أن يحدث انقلاب -وأن يتبعه مباشرة اعتقال جماعي للحكومة السابقة وتخطيط لإعدام أول رئيس دولة منتخب في مصر- أمر يستدعي في العادة أن يصبح البلد منبوذاً على المستوى الدولي. إلا أن المدهش، أن يحدث كل ذلك في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات بين الغرب ومصر دفئا، يشتمل على إعادة فتح صفقة سلاح مع الولايات المتحدة الأمريكية، تقدر بعدة مليارات من الدولارات وعلى استخدام لغة دبلوماسية أكثر ودا وحميمية.
 
ومع ذلك، فقد قوبل حكم الإعدام الصادر بحق مرسي بتنديد من بعض الأصدقاء الجدد للسيسي. في الشهر الماضي قالت كبيرة الدبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي فريدريكا موغريني إن الحكم "لم يكن منسجما مع التزامات مصر بموجب القانون الدولي".

وبالأمس قالت الولايات المتحدة الأمريكية إن الحكم "كان مزعجا جدا". وهو بلا شك رد فعلي ضبابي، كما هو متوقع، أخذا بالاعتبار المغازلة العلنية التي مارستها الإدارة الأمريكية هذا العام مع نظام السيسي.
 
هذا التردد الغربي في الوقوف بحزم في وجه هذه الموجة الاستبدادية الجديدة التي تجتاح مصر يقوم على أساس واه؛ ذلك أن الغرب يرى في السيسي سدا منيعا في وجه التطرف، ورجلا قويا في منطقة تجتاحها الفوضى، وتنغل فيها المجموعات المتمردة، بينما دولها أشبه ما تكون بالفاشلة.

في الوقت ذاته، يعتقد السيسي بأن الاعتقالات الجماعية للإسلاميين وللمعارضين السياسيين، إنما تظهره أمام العالم في صورة الرجل الذي يجلب الاستقرار للمنطقة.
 
إلا أن اتخاذ مثل هذا الموقف أشبه ما يكون باللعب بالنار؛ فالقمع الوحشي الذي يمارس ضد المسؤولين السابقين من جماعة الإخوان المسلمين وضد أنصارهم والمتعاطفين معهم، -إضافة إلى ما يمارس ضد المجتمع المدني ووسائل الإعلام المستقلة-، لن يؤدي إلا إلى عزل قطاع مهم من الناخبين المصريين دافعا إياهم باتجاه التطرف، وينحيهم جانبا بعيدا خارج إطار العملية السياسية.

كان الشباب الإسلاميون بعد ثورة عام 2011 يعتقدون أن المشاركة السياسية في مصر الجديدة ما بعد مبارك، كانت تشكل متنفسا يمكن الاعتماد عليه والوثوق به للتعبير عما في نفوسهم، والسعي لتحقيق طموحاتهم وآمالهم.

أما الآن، وقد سدت في وجوههم السبل، وأرهقت كواهلهم المظالم التي يتعرض لها أصدقاؤهم وأحباؤهم وأقاربهم الذين غيبوا في السجون، فلا مفر من تشكل قاموس سياسي جديد في غاية التطرف، وسينبعث من ذلك لا محالة فكر خطير يتأسس على الحقد والكراهية والشعور بالظلم والمهانة.
 
من المحزن أننا بدأنا نرى هذه الظاهرة تتكرس، ففي شبه جزيرة سيناء المصرية، ظهر فرع لداعش ما لبث ينمو ويتمدد ويزداد عنفاً وشدة منذ انقلاب عام 2013، ولا يجد هذا التنظيم صعوبة في تجنيد العناصر في هذا الركن القصي من البلاد الذي طالما عانى التهميش والإهمال. كان رد النظام على ذلك هو إنزال العقوبة بالمجتمع السيناوي من خلال أعمال انتقامية، تمثلت في هدم البيوت وقصف الأحياء وإزالة تجمعات سكنية بأسرها، كذلك الذي حل بالناس في منطقة رفح، فيما يعتبر انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي.

عن قصد أو عن غير قصد، ثمة مخاوف حقيقية من أن سيناء أخذة في التحول إلى مرتع للتطرف يغذيه باستمرار القمع الوحشي الذي يمارسه النظام ضد المواطنين هناك.
 
وما يجري في مصر له تأثير مباشر على أزمة اللاجئين في منطقة حوض المتوسط؛ فبعد الربيع العربي وجد مئات الآلاف من اللاجئين السوريين ملجأً آمناً في مصر الجديدة. ثم بعد الانقلاب، بدأ حكام مصر الجدد ينظرون إلى هؤلاء السوريين ظلماً وعدواناً على أنهم متواطئون مع الإخوان المسلمين.

لم يمر على الانقلاب سوى أيام حتى انطلقت حملة مكثفة من الكراهية للغرباء بدعم ومباركة من النظام الانقلابي، بهدف طرد هؤلاء اللاجئين بشتى الوسائل، بما في ذلك العنيفة منها، مما أجبرهم على التوجه نحو شواطئ البحر المتوسط بالآلاف بحثاً عن ملجأ آمن في مكان آخر.
 
لن نلبث بعيداً حتى نرى النفاق الذي يمارسه الغرب في سياساته تجاه ما يجري في مصر، يجد طريقه إلى المحبطين والمهمشين والمخيبة آمالهم في الشوراع. ينظم الاتحاد الأوروبي حملات تطالب بوقف عمليات الإعدام حول العالم، ومع ذلك نرى موقفه خافتاً خجولاً في الرد على حكم الإعدام الصادر بحق مرسي ورفاقه.

ما من شك في أن ذلك سيؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى توجيه التعبير عن الظلم إلى مواقع تتجاوز القاهرة، باتجاه بروكسيل وواشنطن. إن الذين مازالوا قابضين على الجمر متمسكين بأفكار وأحلام ثورة 2011 – في الحرية والديمقراطية والعدالة – بحاجة بكل تأكيد لأن يدعموا ويؤيدوا لا أن يُتخلى عنهم. وإلا، فما الذي يمكن أن يقال عن الحالة المرضية التي تعاني منها مراكز صناعة القرار تجاه الشرق الأوسط في العواصم الغربية؟
 
إن الذين يناضلون في سبيل مصر أكثر عدلاً وأكثر أمناً، إنما يفعلون ذلك إيماناً منهم بأنهم إنما يضحون من أجل الأجيال القادمة التي ستأتي من بعدهم. علينا أن نعي بأن الخوف من عودة شكل من الإسلامية الخارجة عن التحكم، ما هو إلا أداة ترهيب وتخويف من وهم لا من حقيقة. لم تمت أفكار وأحلام الربيع العربي، ومازال الملايين من المصريين يرنون إلى تحقيقها ويعتقدون صادقين بأن السبيل إلى ذلك هو السلمية، والسلمية فقط لا غير.

ولكن إذا استمر المجتمع الدولي في التخلي عن هذه المبادئ، فإنه إنما يساهم في إيجاد علبة قدح أخرى من المظالم في الشرق الأوسط. ومن خلال لمحة خاطفة لما يجري في المنطقة، يمكن للمرء بسهولة أن يخلص إلى أن العالم لا يملك السماح لذلك بأن يحدث.

المصدر: الغارديان / ترجمة عربي 21