"رجال الرئيس: داخل إدارة البحوث التقنية اللاعب السري في البنية التحتية للاستخبارات في مصر" هو عنوان التقرير الذي صدر عن مجموعة الخصوصية الدولية الذي كشفت فيه الستار عن وجود وحدة إستخباراتية سرية تتبع جهاز المخابرات العامة المصرية الذي يقع تحت إشراف مؤسسة الرئاسة، هذه الوحدة التي تضطلع بأمور المراقبة والتجسس وتوفير التقنيات اللازمة لذلك.

تُسمى هذه الوحدة وفقًا للتقرير بـ"وحدة البحوث التقنية"، وقد ألقى هذا التقرير لمنظمة الخصوصية الدولية الضوء على وجود هذه الإدارة السرية التي تتواجد في الغالب داخل جهاز المخابرات العامة المصرية.

وقد أوضحت المنظمة أن إدارة البحوث التقنية دخلت في دائرة الاهتمام بسبب طموحها الكبير لشراء معدات التنصت. وقد كشف التقرير عن عدد من شركات التنصت الأوروبية التي ما برحت تتعامل مع إدارة البحوث التقنية، بحسب ما ورد في التقرير.

يُضيف التقرير في مقدمته: "يظهر تقرير منظمة الخصوصية الدولية إدارة البحوث التقنية باعتبارها لاعبًا سريًا أساسيًا في عالم الاستخبارات المصري، و يوثق للإمكانات التي حصلت عليها الإدارة من شركات غربية—متضمنة شبكات نوكيا سيمنس  وهاكِنج تيم—ا للتان باعتا الإدارة تقنيات تنصت متطورة، حتى عندما كانت مصر، و هي لا تزال، في مخاض مواجهات عنيفة".

أشار التقرير إلى أن إدارة البحوث التقنية تعمل في سرية تامة لدرجة أن وجودها لم تعترف به الحكومة المصرية في أي وقت، على الرغم من كون وحدات جهاز المخابرات يترأسها شخصيات أمنية معروفة.

ولم تستطع مجموعة الخصوصية الدولية التوصل إلى تاريخ إنشاء هذه الوحدة بالتحديد داخل جهاز المخابرات العامة المصري، إلا أن تقريرها رجح أن إدارة البحوث التقنية أنشئت أثناء حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك باعتبارها وحدة داخل المخابرات العامة تخضع لمسائلته مباشرة، طبقًا لمقابلات مع دراسي الاستخبارات.

حيث يقول تقرير المجموعة: "طبقا لما هو متاح، أنشأ مبارك هذه الوحدة ليضمن أن حكومته قادرة على السيطرة على المعارضة السياسية، و يبدو أنها أنشئت كوحدة تتمتع بالاستقلال الكامل داخل المخابرات العامة، حيث يستطيع الرئيس الاستعانة بهذه الوحدة، فرضا، عندما ترفض المخابرات القيام بأنشطة معينة".

عملت هذه الوحدة حتى في أحلك الظروف التي كانت يواجهها النظام، فعلى سبيل المثال في فبراير من العام 2011، حينما خرجت تظاهرات ثورة الخامس والعشرين من يناير حتى سقوط النظام، لم تتوقف إدارة البحوث التقنية عن عملها، ففي نفس العام، اشترت الإدارة مركزًا للمراقبة  ونظامًا لإدارة اعتراض الاتصالات، و هي بنى تحتية مهمة لاعتراض الاتصالات في الشبكات.

ومن هذه التقنيات وضح التقرير أن  إدارة البحوث التقنية تمتلك إمكانات تنصت واسعة النطاق، كما يوضح نطاق تقنيات التنصت التي اشترتها. والتي تشمل مركزًا لمراقبة الاتصالات، و نظامًا لإدارة اعتراض الاتصالات، و برمجيات تجسس شديدة الاقتحام، وهو الأمر الذي يوضح امتلاك هذه الإدارة موارد مالية ضخمة جدًا.

يظهر هذا من توقع شركة هاكنج تيم أن تحصل من هذه الإدارة على مبلغ يصل إلى مليون يورو من بيع تقنيات تنصت اقتحامية لها، و ذلك طبقًا لدراسة عملاء هاكنج تيم المسربة، وهي وثيقة إدارية تسرد المبالغ التي يدفعها كل عميل من عملاء الشركة سنويًا.

وطبقًا للتقرير فإنه لا تظهر إدارة البحوث التقنية في أي من الوثائق الرسمية إلا تلميحًا. وقد أكد مصدر استخباراتي على دراية بإدارة البحوث التقنية لمجموعة الخصوصية الدولية، أن الإدارة تعد بمثابة وكالة استخبارات شخصية لرئيس الجمهورية.

أكد بحث مجموعة الخصوصية الدولية أن من يقومون على إدارة هذه الوحدة هم أفراد حاصلين على درجات الدكتوراة في الإلكترونيات والهندسة أو في الحوسبة، حيث أشار أحد موظفي هاكنج تيم إلى مديرة إدارة البحوث التقنية، التي أخبر المجموعة بأنه قابلها، وتدعى "اللواء ليلى"، وهو أمر غريب أن ترأس الوحدة سيدة برتبة لواء، لكن أوضحت مصادر للمجموعة أنها قد تكون منحت رتبة لواء فخريًا نظريًا لعملها في جهاز ذي طابع عسكري.

يوضح التقرير أيضًا تعامل شركات نوكيا وسيمنز تعاملا مع هذه الوحدة، حيث "توضح وثائق غير منشورة حصلت عليها منظمة الخصوصية الدولية عن أعمال شبكات نوكيا سيمنس في مصر، أنه في العام 2011 باعت شبكات نوكيا سيمنس شبكة إكس 25 إلى إدارة البحوث التقنية -وهي تقنية عتيقة تسمح بالوصول إلى إنترنت بطريق الاتصال الهاتفي. إذ تسمح هذه التقنية بالوصول إلى إنترنت حتى لو أغلقت البنية التحتية الرئيسية لإنترنت في البلاد، كما حدث فيمصر أثناء الثورة".

ويضيف التقرير: "باعتبار سجل مصر في حقوق الإنسان، فمن المثير للقلق البالغ أن تحوز وحدة سرية كإدارة البحوث التقنية، و التي لا يظهر وجود أي نوع من الرقابة عليها أو المهام المحددة قانونا لها، إمكانات تنصت تمكنها من مراقبة الاتصالات الهاتفية  وعلى الإنترنت لكل من هم في مصر. لدى مصر بالفعل تراث من استخدام التنصت كوسيلة لنشر الخوف. فبعد مظاهرات 2011، بث برنامج تليفزيوني محادثات هاتفية بين نشطاء معروفين ليقلل من مكانتهم في أعين الجمهور. وقد قالت ناشطة مصرية أن محتوى رسائل بريدها الإلكتروني و دردشاتها على الإنترنت مع شريكها مررت تحت عقب بابها، و ذلك قبل استدعائها من قبل جهاز مباحث الأمن الوطني (أمن الدولة) للاستجواب بفترة قصيرة".

يُشار أيضًا من خلال هذا التقرير إلى أن إدارة البحوث التقنية هذه كانت أحد عملاء شركة هاكنج تيم العالمية، التي اخترق بريدها الالكتروني العام الماضي، وهو ما أظهر تورط الشركة في بيع أنظمة تجسس شديدة الاقتحام إلى حكومات قمعية، منها نظام يستطيع التحكم الكامل في حاسوب المستهدَف. حيث يستطيع المهاجم من خلاله أن يصل إلى أي محتوى مخزن على الحاسوب، وأن يراقب استخدامه أولا بأول، و أن يسجل كبسات المفاتيح و كلمات المرور، وأن يأخد صورا لما هو معروض على الشاشة و أن يشغل كاميرا الحاسوب، بحسب التقرير.

هذه الوحدة التي تبين أنها تستخدم تقنيات واسعة للتنصت على الاتصالات ولم تكتف بهذا فحسب، بل اشترت مجموعة أخرى من تقنيات التجسس دون وجود أي رقابة شعبية أو قانونية عليها وعلى نشاطها الغير معروف.

وفي نهاية التقرير طالبت منظمة الخصوصية الدولية الحكومة المصرية بالإعلان بوضوح عن وجود إدارة البحوث التقنية و أن تعلن دورها. كما طالبت أن يُشرَح للجمهور ماهية عملياتها و أن تخضع للرقابة. كذلك قالت المنظمة أنه ينبغي أن يوضع إجراء للإذن القضائي لطلبات التنصت التي تقوم بها إدارة البحوث التقنية، وينبغي أيضًا أن تتوافق الوحدة مع القانون الدولي الذي يحمى الحق في الخصوصية.

كما حثت منظمة الخصوصية الدولية مصر على أن تكون أكثر شفافية بكثير فيما يتعلق ببنيتها التحتية التي تتيح التنصت، و أن تضمن أنها متوافقة تماما مع القانون الدولي، خاصة وأن تقرير المنظمة أشار إلى السجل القمعي لمصر منذ انقلاب الثالث من يوليو، والهجمة الشرسة على الحريات التي تشهدها مصر منذ صعود الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي.

الجدير بالذكر أن البرلمان الأوربي قد دعى في السابق إلى حظر المساعدات العسكرية والمعدات الأمنية الموجهة لمصر، والتي يمكن أن تستعملها السلطات لقمع المظاهرات السلمية، كما حث على منع تصدير تكنولوجيا المراقبة إلى النظام المصري الذي قد يستخدمها في أعمال قمعية.

كما كشف موقع "باز فيد نيوز" الإلكتروني في تقرير آخر في وقت سابق، عن بدء مصر في مراقبة مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها على شبكة الإنترنت، عبر شركة شقيقة لشركة أمن إنترنت أمريكية، مما يمنح الحكومة المصرية قدرة غير مسبوقة على التسلل إلى المعلومات في "سكايب" و"فيس بوك" و"تويتر" و"يوتيوب" وغيرها.