"اوعوا تتصوروا إنه يغيب عني ارتفاع الأسعار، أنا واحد منكم أعرف كويس الظروف الصعبة للناس، وعارف عايشين إزاي، وإن شاء الله آخر هذا الشهر هتكون الدولة خلّصت تدخلها لخفض الأسعار بشكل مناسب، واللي هيوفر طلبات الناس من السلع الأساسية الدولة، والقوات المسلحة ستفتح منافذ للسلع الأساسية، واللي عنده حاجة يصرّفها لأننا لن نسمح بزيادة الأسعار، وهنشوف تحسن ملحوظ إن شاء الله" بهذه العبارات واصل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في الأول من نوفمبر الماضي خلال الندوة التثقيفية التي عقدت بنادي القوات المسلحة، سياسة العزف على وتر "تسكين" أوجاع الملايين من فقراء المصريين بالوعود تلو الأخرى، يضاجع بها أحلامهم في حياة أفضل تارة، وانتشالهم مما هم فيه تارة أخرى، مستغلاً حالة الشحن الزائد التي تشنها أبواقه الإعلامية ليل نهار باسم الوطنية والاستقرار ومصلحة البلد، وما إلى غير ذلك من الشعارات التي حبست آهات المصريين داخل الحناجر أيامًا تلو الأخرى.

شهر واحد كانت المهلة التي أعطاها السيسي لنفسه لتخفيض الأسعار لاسيما السلع الاستهلاكية التي يحتاجها المواطن يوميًا، وها هو الشهر قد انقضى والشهر الثاني كاد أن يلحق به دون أن تتغير الأوضاع، فلازالت الأسعار تواصل ارتفاعها الجنوني ضاربة بكل الوعود والإجراءات التي تم اتخاذها عرض الحائط، دون أن يشعر المواطن بأي تحسن في مستوى الأسعار، فهل تحولت وعود انخفاض الأسعار إلى فنكوش جديد؟

وعود براقة وواقع أليم

الجميع لا ينسى تصريحات وزير التموين والتجارة الداخلية، خالد حنفي منذ عدة شهور، والتي أكد خلالها أن سعر كيلو اللحم في التموين الشهري الذي يحصل عليه المواطن، سيصل إلى جنيه واحد فقط، بينما لن يتجاوز سعر "الفرخة" 75 قرش، وقتها اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بحملات السخرية من هذه التصريحات، التي خرج الوزير بعدها ليعلن التحدى في تنفيذ هذه الوعود، وهاهي الأيام مرت لتسحب خلفها الشهور ثم الأعوام، ولم تتحقق تصريحات الوزير لا من قريب ولا من بعيد.

ولم تكن هذه التصريحات وتلك الوعود، هي الأولى في مشوار الوزير، بل هناك عدة وعود قطعها حنفي على نفسه، منذ توليه الوزارة، تبخرت جميعها في الهواء.

1- المشروع اللوجيستي للسلع الغذائية

تأتي باكورة تلك الوعود، التي قطعها الوزير على نفسه في 24 أكتوبر 2014، حيث وعد الوزير بإنشاء المركز اللوجيستي، بعد اجتماعه مع عضو مجلس إدارة غرفة التجارة والصناعة بـ"أبو ظبي"، ورئيس مجموعة آل سودين القابضة، أحمد آل سودين.

وقد تم خلال الاجتماع توقيع بروتوكول تعاون استثماري، للمشاركة في مشروع إنشاء "المركز اللوجستي العالمي للسلع الغذائية"، و"مدينة التجارة والتسوق العالمية"، التي يتولاها جهاز تنمية التجارة الداخلية بوزارة التموين، الوزير تعهد بإنشاء المشروع خلال عام لكنه حتى الآن محلك سر.

2- اللحوم السودانية

كما وعد حنفي، بخفض أسعار اللحوم من خلال زيادة المعروض، عن طريق استيراد لحوم سودانية وبرازيلية، حيث تعهد بأن كيلو اللحم السوداني لن يتجاوز 35 جنيهًا، بينما وصل سعرها الحقيقي في السوق إلى 60 جنيهًا.

3- زيادة القمح المستورد

في الوقت الذي تعهد فيه وزير التموين، بتحسن مستوى رغيف الخبز وتقليل الكميات المستوردة، وبحسب الخبراء، فإن احتياجات القطاع الحكومي من القمح تقدر بـ9 ملايين طن، لغرض إنتاج الرغيف المدعم، إلا أن هذه الكمية زادت في عهد خالد حنفي إلى 10.2 مليون طن.

وقد أرجع الخبراء هذه الزيادة إلى فساد المنظومة؛ ما سيحمل الدولة تكاليف استيراد 6.5 مليون طن على الأقل، خلال  الشهور المقبلة، بينما يستورد القطاع الخاص قمح المكرونة، وقمح الرغيف الحر، ومنتجات المخابز الإفرنجية.

4- منظومة البوتاجاز

في مارس الماضى، أعلن الوزير أنه سيتم تطبيق منظومة توزيع البوتاجاز على بطاقات التموين الذكية خلال أسابيع، مثل توزيع الخبز، لكنه سرعان ما تراجع عن تصريحاته فى أكتوبر الماضي، وقال إنه لن يتم تطبيقها هذا الشتاء، بحجة عدم اكتمال التنسيق مع وزارة البترول.

"فنكوش" الوجبات الجاهزة

لم يجد الوزير أمامه، بعد هذا الفشل الذريع في ضبط الأسعار في السوق، إلا الدفع بكميات كبيرة من السلع في المجمعات الاستهلاكية، في صورة وجبات متكاملة، تحت مسمى "كون وجبتك"، وحسب بيان الوزارة، فإن الوجبات المعلن عنها متكاملة ومتنوعة يوميًا، وغير مطهية، وتكفي 4 أفراد، ويتراوح سعرها ما بين 20 و30 جنيهًا، حسب نوعية الوجبة، ولكن المستهلكين اكتشفوا لاحقًا أن هذه الوجبة، ما هي إلا وعد من زمرة الوعود الخادعة للوزير، حيث اتضح لهم أن الوجبة غير كاملة في معظم المجمعات الاستهلاكية، كما تقوم بعض المجمعات ببيعها بأسعار أعلى من الحقيقية.

وحسب شهادة مواطنين، فإن ما تم الإعلان عنه من قِبل الوزارة، شيء والواقع شيء آخر، وذلك إما أن تكون الوجبات ناقصة عن المعلن عنه في بيان الوزارة، وإما أن تكون أسعار الوجبة في المجمع الاستهلاكي أعلى من سعرها الحقيقي في السوق.

رنده الجبالي، معيدة بالجامعة، قررت أن تخوض التجربة بنفسها، فتوجهت إلى مجمع "نيو ماركت" الدقي، حيث اشترت وجبة تتكون من: (كيلو بطاطس، كيلو أرز، ودجاجة وزن كيلو) بسعر 30 جنيهًا، مع أنها في بيان الوزارة تحتوي أيضًا على طماطم وصلصة وسمن، الغريب أن الموظف قال: "هي دي وجبة الوزارة"، وأكد أن المجمع الاستهلاكي لا توجد به سوى هذه الوجبة فقط، في حين أن الوزارة أعلنت عن حوالي 6 وجبات مختلفة (أسماك، لحوم، دواجن، أجزاء دواجن، كبدة، وباشميل).

وفي بيان لمقارنة الأسعار المعلن عنها في وجبة الوزارة، وبين سعرها الحقيقي في السوق، تبين أن هناك فارق في الأسعار لصالح وجبة الوزارة، وهو ما يدفع إلى التساؤل: هل تلك الوجبات لتخفيف العبء عن كاهل المواطن أم لزيادة أعبائه؟ ثم السؤال الآخر الذي يطل برأسه يبحث عن إجابة: هل الحكومة تخدع المواطن بالأسماء البراقة والعناوين الجذابة، كون تلك الوجبات متكاملة وغنية ومتنوعة، ولا يتجاوز سعرها 30 جنيهًا؟

لا علاقة لنا بالأسعار العالمية

من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى النشرتي، أن ارتفاع الأسعار في مصر بات يمثل ظاهرة معضلة، في ظل عقم الحلول العملية والإدارية التي يجب أن تتبعها الدولة، مشيرًا أن ما يحدث الآن في مصر من ارتفاع الأسعار، يعد سابقة لم تحدث من قبل خلال العقود الماضية، إذا ما تمت مقارنتها بالقيمة الشرائية للجنيه مقابل الدخول التي يحصل عليها المواطن، وأضاف النشرتي، أن ارتفاع الأسعار في مصر لا علاقة له بارتفاع أسعار السلع عالميًا، كما يعزف الإعلام المحلي، مؤكدًا أن معظم السلع العالمية، قد انخفض سعرها في الآونة الأخيرة إلا في مصر، مرجعًا ذلك إلى وجود وسطاء بين الحكومة والتجار، وهي شركات الأغذية التي تتحكم في الأسعار، مطالبًا بضرورة قضاء الحكومة على ظاهرة الوسطاء، التي تسهم في تعدد العمولات، وبالتالي ترتفع الأسعار، ويؤكد الخبير الاقتصادي، أن خفض الأسعار لن يتم بدون تفعيل دور الأجهزة الرقابية، وعلى رأسها جهازي حماية المستهلك، والمنافسة، وتفعيل دورهما في مواجهة الممارسات الاحتكارية بالأسواق.

سياسات فاشلة و"اشتغالة" للمواطنين

وفي السياق نفسه، قال أحمد النجار، الخبير الاقتصادي بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية، ورئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام، إن توجهات الحكومة في معالجة ارتفاع أسعار السلع بطرح وجبات متكاملة، بأسعار يبدو للبعض من الوهلة الأولى أنها رخيصة، إذ لا تتجاوز 30 جنيهًا كما يقول بيان الوزارة، غير مجدية، وأضاف النجار، أننا لو سلمنا بأن الوجبة المتكاملة بـ 30 جنيهًا، إذًا الفرد يحتاج يوميًا إلى ثلاث وجبات أي ما يعادل 90 جنيهًا على أقل تقدير، فلو هناك أسرة بها خمسة أفراد تحتاج يوميًا إلى 450 جنيهًا، فهل هذا تخفيف عن أعباء المواطن؟ وهل يمتلك المواطن 450 جنيهًا يوميًا للإنفاق على طعامه فقط؟

وتابع الخبير الاقتصادي بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية: يجب على الحكومة اتخاذ إستراتيجية أخرى، لتهدئة الشارع ومحاربة الغلاء، بتوفير السلع بشكل أكبر في الأسواق وبأسعار منخفضة، بدلاً من حصرها في محافظات وإغفال محافظات أخرى، مؤكدًا أن الحملة الإعلامية التي تقوم بها الوزارة لهذا القرار، غير مفيدة ولن تبيض وجه الحكومة أمام الناس؛ لأنه سينكشف الأمر سريعًا أمام المستهلك، الذي يشتري الوهم من الحكومة.

من جانبه، قال الدكتور صلاح الدين فهمي، أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، إن الحكومة تتحمل أعباء تقديم السلع بأسعار منخفضة، في المجمعات الاستهلاكية الخاصة بها في بعض المناطق، ولكنها لا تملك إجبار التجار على تقديم سلعهم بأسعار مماثلة، وأضاف فهمي، أن انخفاض الأسعار في شهر أو شهرين درب من دروب الخيال، ولكن الأمر سيستغرق بعض الوقت، حتى يشعر المواطن بتحسن، مؤكدًا على ضرورة أن تحصل الدولة على السلع من المنتج أو المزارع بشكل مباشر، ومن ثم تقليل عدد الوسطاء، الأمر الذي يساهم بشكل كبير في تخفيض الأسعار، من خلال تخفيض هوامش الأرباح التي يفرضها كل وسيط.

أما الدكتور أحمد حنفي، الخبير الاقتصادي، فكان له رأي آخر، حيث وصف بيان الوزارة بـ "الاشتغالة"، نظرًا لبعده التام عن الواقع، على حد قوله، وأضاف حنفي، أن هذه القرارات يستفيد منها فئة قليلة من سكان المدن والحضر فقط، أما المناطق العشوائية والأقاليم فهم بعيدون تمامًا عنها، لأنه ببساطة لا توجد بها مجمعات استهلاكية، وهم الفئة المستهدفة في الأساس لمثل هذه القرارات، مما يجعل هذه الإجراءات غير عادلة.

المواطنون: "بيثبتونا"

المواطنون دومًا هم النبض الحقيقي والترمومتر الأكثر دقة، لقياس المؤشرات الاقتصادية، فبينما الحكومة بقراراتها وسياساتها وتوجهاتها في واد، يجد المواطن نفسه بآلامه وجراحه في واد آخر، وهو ما تجسد في زيادة معاناة المواطنين جراء ارتفاع الأسعار، ليل نهار، في الوقت الذي تعزف فيه الحكومة من خلال أبواقها الإعلامية على وتر انخفاض الأسعار، وأنها باتت بمتناول الجميع، وما إلى غير ذلك من التناقض الذي بات يمثل عقيدة متأصلة لدى الكثيرين من نجوم برامج "التوك شوز" في مصر.

شريف عبود، موظف، يؤكد أن الأسعار دومًا في تزايد، ومن يقول إن هناك انخفاضًا فليأتي لنا في منطقة العمرانية، ليشاهد الأسعار الحقيقية، وحين نعترض على زيادة الأسعار، وأنها أعلى مما هو معلن عنه في الإعلام، يرد التجار: ياريت لو عندهم بالأسعار دي، ييجوا هنا واحنا نشتريها منهم ونبيعها بنفس سعرها، ويضيف شريف أن راتبه الشهري لا يتجاوز 1500 جنيه ويعول طفلين، في الوقت الذي يصل فيه كيلو اللحم إلى 75 جنيهًا، على أقل تقدير، فضلاً عن أسعار الخضروات "النار"، متسائلا: "لو الدولة مش عاوزانا نعيش يموتونا أحسن".

أما مسعد السيد، مرشد سياحي، أشار أنه بعد الأزمة الأخيرة التي مني بها قطاع السياحة، لم يجد عملاً، وبات عاطلاً الآن دون دخل شهري، وتساءل: وجبة الغداء وحدها لي ولأسرتي المكونة من 4 أفراد تتجاوز الـ 100 جنيه، عبارة عن كيلو لحم وأرز وخضار، فكيف أقضي بقية الشهر، وأنا الآن لا حول لي ولا قوة، مشيرًا أن ما يشاع عبر الإعلام من انخفاض للأسعار وتدخل الحكومة لتخفيف الأعباء عن المواطنين، كله كلام في كلام، وأن الحكومة لا يهمها المواطن في المقام الأول ولا الأخير، ثم اختتم حديثه بجملة واحدة "الدولة عاوزانا إما نسرق وإما نموت"!