منذ 48 عامًا بالتحديد في صباح الخامس من يونيو عام 1967 استيقظت الشعوب العربية على صوت الإذاعي أحمد سعيد عبر إذاعة "صوت العرب" وهو يردد أن الجيش المصري حقق انتصارًا ساحقًا على القوات الإسرائيلية، متحدثًا عن أنباء بسقوط عشرات الطائرات الإسرائيلية، وفقًا لبيانات صادرة من قيادة الجيش في ذلك الوقت، بجانب عناوين الصحف التي صدرت صبيحة هذا اليوم تتحدث عن الجيش العربي الذي يزحف إلى تل أبيب.

أما على الساحة الفلسطينية فقد ظن أهالي المخيمات غربي جنين حين اقتحمت قوات الاحتلال الاسرائيلي بلداتهم وفقًا لما تقوله إذاعة صوت العرب أن هذه هي قوات الجيوش العربية جاءت لتحريرهم، حتى أن الزغاريد علت في المنازل إلى أن اكتشفوا أن هذه قوات الاحتلال، جاءت لتهجيرهم إلى الأردن، في نفس التاريخ صمتت الإذاعة الإسرائيلية صمتًا تامًا ولم تعلن احتلالها الجبهة المصرية ولم تعلن تدمير سلاح مصر الجوي وهو على الأرض.

استفاقت الشعوب العربية من كأس التغييب بعد ستة أيام على فقدانهم لسيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية ومرتفعات الجولان، ليدركوا حجم الكارثة التي لحقت بهم، وأن الهزيمة جاءت من الداخل قبل أن تأتي من العدو في الخارج، وربما يكون الوضع اليوم يشبه البارحة كثيرًا.

فالخداع والتضليل وتغييب الوعي المصري والعربي؛ عبر شعارات براقة وكلام رنان، وإعلام موجه والخطب العنترية العاطفية، والانتصارات الوهيمة، وادعاء مناطحة القوى العالمية، كانت حالة سائدة في الدول العربية، جمهوريات من الضباط تدير شؤون دولها بالحديد والنار، اعتقلات هنا وهناك، إعدامات للمعارضين، الحديث لا يكف عن المؤامرات المحاكاة بالزعماء الملهمين.

ألغيت كافة الأحزاب في مصر في تلك الفترة، وما أشبه الليلة بالبارحة في مصر، حين يتلقي رئيس جمهورية مصر العربية الآن بعد 48 عامًا من النكسة ليسأل الأحزاب أين قائمتكم الموحدة لإجراء الانتخابات البرلمانية، إذن الاتحاد الاشتراكي هو الحل، ومن دون الصوت الواحد فليس هناك انتخابات.

المعتقلات امتلأت حينها عن بكرة أبيها بالمعارضين من كل طيف، التعذيب شائع، القتل جائز، فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة، المعركة حينها كانت مع القوى الإمبريالية، واليوم الجميع يتحدث عن الحرب "ضد الإرهاب"، لا تتحدث عن حقوق الإنسان ونحن بقلب المعركة، لا رفاهية للحديث عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فالزعيم مشغول بمحاربة الإرهاب.

انتقل ضباط الطبقة الوسطى في ذلك الحين إلى القصور الفخمة وتركوا منازلهم المتواضعة بعدما أجبروا فاروق على ترك قصره وتشدقوا بالعدالة الاجتماعية، واليوم أيضًا ترك الضباط ثكناتهم، وانطلقوا إلى الأدوار العليا في البنايات الشاهقة كأعضاء في مجالس الإدارات للشركات الاقتصادية في مصر، وبدأت مصانع الجيش في انتاج الأسلحة الغذائية بديلا عن الأسلحة الحربية، وأضحى  الجنود عمال في تلك المصانع، والحراسة الليلية أصبحت على محطات وقود يديرها الجيش، والمحصلة النهائية أن الجيش يدير الحياة المدينة وليس العكس.

الحال لم يختلف عن بعضه في ترويج المشاريع الوهمية التي هي العامل المشترك لتخدير الجمهور، فمن المكوك الفضائي المصري في عهد عبدالناصر، إلى جهاز "علاج الإيدز" بالكفتة، لم تختلف عقلية الضباط كثيرًا.

كذلك كانت كانت حرب اليمن التي خاضتها القوات المسلحة المصرية في اليمن بداية من سنة 1962 إحدى المقدمات المهمة لنكسة 5 يونيه 1967، فحينها ارتفعت شعارات محاربة الأنظمة الرجعية، وتم الزج بالجيش المصري في حرب اليمن لمدة خمس سنوات بين كر وفر لم تنتهي بشئ، بل كانت حرب استنزاف ضد مجموعات غير منظمة، دفع ثمنها الجيش والشعب المصري معًا، في حالة من التردي الاقتصادي تعاني منها الدولة، لكن كل ذلك كان فداء لرغبة الجنرال.

أما جنرال اليوم يدعي محاربة الإرهاب بديلا عن شعار الأنظمة الرجعية، ويريد أن يزج بالجيش في معارك لن تجر الجند والبلاد بعيدًا عما فعله سلفه في ستينيات القرن الماضي، فدخول حرب في ليبيا لن تختلف نتائجها كثيرًا عن الدخول في حرب اليمن السابقة، وإعمال الجيش بروح المرتزقة لن يتنهي إلا بالاستيقاظ على فاجعة كالتي حدثت منذ 48 عامًا، وحينها يكون الثمن أكثر فداحة من ذي قبل.

التاريخ يعيد نفسه الآن بأدق تفصيلاته، فالإعلام المصري الآن آثر أن يستعين روح الستينيات والملاحم الوهمية في القرن 21، والجيش صعد على رأس السلطة بانقلاب عسكري، ليعمل الآلة الأمنية في إدارة البلاد والعباد، وفي ظل أعباء اقتصادية لا يكف الجنرال عن المغامرة في الخارج بالجيش، لعل ذلك يكسبه شرعية يحافظ بها على نظامه.

على الصعيد السوري في هذه النكسة كان الوضع مشابهًا لما حدث في مصر فقدت خلاله سوريا جزءًا منها حتى هذه اللحظة، ولم تستطيع الأنظمة السورية المتعاقبة منذ هذا الوقت إلى هذه اللحظة استعادة الجولان المحتل، بل حينما قرر نظام الأسد خوض حرب خاضها ضد شعبه لمدة أربع سنوات متواصلة، وهو الذي يلم يطلق رصاصة على الجولان المحتل طيلة أعوام هو وأبيه، عملوا فيها فقط على توطيد دعائم حكمهم.

تلك الهزيمة النكراء التي تمت منذ 48 عامًا لم تكن "نكسة" كما أحب الطغاة أن يسموها تخفيفًا لوطأة ما حدث، هي حقيقة كانت كارثة عصفت بكل أوهامهم، لكنهم عادوا والتفوا على الشعوب مرة آخرى، حتى آلت الأوضاع لما هي عليه الآن، فالوضع المتشابه هذا في مقدماته، لا ينذر إلا بنفس النتائج، يقول أنها لن تكون النكسة الأخيرة في الواقع العربي المعاصر، فكل هذه الطرق التي تسير فيها دول النكسة السابقة تبدي أنها مقبلة على كارثة أخرى قريبًا.