ترجمة وتحرير نون بوست

تخيل أن يتم سحبك من شعرك في الشوارع، وأنت في طريقك ليتم تجريدك من ملابسك ولتتعرض للتعذيب.

بالنسبة لهند نافع، ليس عليها أن تتصور، بل يكفيها أن تتذكر فحسب.

هذه التجارب تترك ندبات، حتى بالنسبة للأشخاص الأقوياء الذين بقوا على قيد الحياة إثر خوضهم بهذه التجارب المؤلمة، ولكن نافع كانت متحررة من تعب وعبء المعركة، وقدمت لنا حديثاً حصرياً حول مسارها الثوري الذي عرضه الفيلم الوثائقي الذي يروي حكايتها بعنوان "محاكمات الربيع".

تقدم قصة نافع نافذة في غاية الأهمية على الأربع سنوات التي غيّرت مجرى التاريخ في مصر؛ مصر التي تتربص اليوم على حافة الهاوية، بسبب استمرار استهداف النظام لجسم وهيكلية الثورة المتمثلة بأشخاص من أمثال نافع.

بعيونها البريئة التي تتوسم حزناً، تحكي نافع حكايتها المعقدة، التي تفيض بالأمل، الغضب، الفخر، الخوف، والمثابرة.

الزائر غير المتوقع

روت لنا نافع تفاصيل الزيارة سيئة السمعة التي حصلت في 19 ديسمبر 2011، حينما كانت طريحة الفراش في مستشفى كوبري القبة العسكري، وحينها جاء لزيارتها رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة حينئذ، محمد حسين طنطاوي.

"بدأت بالصراخ، لقد كنت في حالة انهيار عصبي"، تقول نافع، وتردف موضحة الحديث الذي توجهت بها حينها لطنطاوي "ما الذي تفعله هنا؟، أنت من أعطى الأوامر للجنود بقتل أولئك الذين لقوا حتفهم، وأعطيت الأوامر لضربنا وسحلنا وتعذيبنا، وبعد كل ذلك تأتي إلى هنا!".

التحدي المندفع الذي لمسناه داخل عينيها المتوهجتين وهي تروي قصتها بعد نحو أربع سنوات من تلك المقابلة، هو أحد الأسباب الرئيسية التي مكّنت نافع من النجاة والبقاء على قيد الحياة في خضم محنتها الشخصية مع الدولة التي يحكمها العسكر.

تعرضت نافع للتعذيب، ثم حُكم عليها غيابياً بالسجن مدى الحياة، جنباً إلى جنب مع 229 متهماً آخرين.

الفيلم الوثائقي، محاكمات الربيع، الذي مهد الطريق للرحلة التي أجرتها نافع من مصر إلى الولايات المتحدة عن طريق لبنان، لا يتألف من قصص قصيرة متفرقة، بل هو نسيج من "العواصف" المتشابكة، حيث يروي قصة ثلاث نساء مصريات ناشطات في قلب الثورة.

خديجة الحناوي، المعروفة أيضاً باسم "ماما خديجة"، وهي من أهم الشخصيات الأمومية في المعسكر الثوري، مريم كيرلس، الناشطة النسوية في الثورية المصرية التي تتمتع بالواقعية السياسية، ونافع، التي وقفت وصاحت معبرة عن رأيها بقوة، هن أبطال هذا الفيلم الوثائقي.

إعارة مكبر الصوت

الفيلم الوثائقي "ليس بياناً شخصياً"، وإنما "رسالة للجمهور الدولي الذي لا يرى بالغالب إلا الذي يريد له النظام أن يراه"، تؤكد هند بحماس.

ورغم أنه لا يوجد عمل فني على الإطلاق يدعي بأنه كبسولة زمنية شاملة ومتكاملة يجسد كامل المراحل المتفجرة من تاريخ أي أمة، بيد أن هذا الفيلم الوثائقي يمتاز عن غيره بأنه يعير مكبرات صوت لإعلاء أصوات أولئك الذين لا تُسمع أصواتهم بالعادة، وهن نساء الثورة.

"النساء كن على الأقل يشكلن 50% من الثورة في مصر"، تقول خديجة عبر كاميرا المخرجة جيني ريتيكر غير الفضولية، ويتناول الفيلم المعضلة المصرية بمهارة وحذق وذكاء مشيراً إلى أنه بعد أقل من شهر على الثورة، تعرضت ذات النساء اللواتي رفعن أصواتهن لمناصرة الثورة، للتحرش الجنسي وللقمع والإخراس في يوم المرأة العالمي، في ذات الساحة التي خضن بها معركة الفوز سابقاً.

بأسلوب قطعي وإغفالي صارخ من المشهد مع طنطاوي الذي ارتقى بنافع إلى العلن كمقاتلة في سبيل قضية معارضي حكم العسكر، ينتقل الفيلم الوثائقي بالجمهور إلى المتاعب اليومية لهذه المرأة العنيد، والمنهارة أحياناً، ولكن العاطفية على الدوام.

القتال على جميع الجبهات

من خلال مركز هشام مبارك للقانون، حيث وثقت نافع انتهاكات الأنظمة التي مورست ضدها، ابتداءاً من زمن الطنطاوي ومروراً بحكم محمد مرسي وانتهاءاً بحكم عبد الفتاح السيسي، ووصولاً إلى المعركة الشخصية التي خاضتها ضد أسرتها في منزلها الريفي، يمكن أن نستشعر برحلة الإنسانة البسيطة التي تبحث عن كرامتها في كل مرحلة من مراحل الحياة.

بطلة الرواية لم تبدأ رحلتها في التنوير السياسي من خلال الاهتمام بالسياسة بحد ذاتها، وإنما، وكما تقول، من خلال "الغضب، والغضب الاجتماعي أساساً" وتردف موضحة "هناك عوائق في كل مكان، كان كل شيء ممنوعاً"، ملمحة إلى حياتها في الريف المصري المحافظ.

وتستذكر نافع، بأنه حتى عندما تعلق الأمر بحياتها المهنية الشخصية، وجدت عوائقاً تحد طموحها ورغباتها، حيث كانت تنشد دراسة الصحافة، ولكن أسرتها، كما هو الحال مع العديد من الأسر المصرية، أرادتها أن تدرس الهندسة أو الطب، لذا كان خيارها بدراسة اختصاص الرياضيات ناجماً عن تلك الضغوط.

الوعي السياسي لنافع خضع لعملية نمو اكتوت بالنار، وتجسدت مقدمتها بالانتخابات البرلمانية الفاسدة لعام 2010،"رأيت ضابطاً من مديرية الأمن الوطني يحشو صناديق الاقتراع"، تقول نافع، ومن هناك، نشأت الألفة والتقارب بينها وبين السياسة المحلية، من خلال اتحاد الطلبة الذي انضمت إليه في خضم دراستها الجامعية، واطردت هذه الألفة داخلها حتى حلول اليوم المصيري في 25 يناير 2011.

بعد الثورة المصرية، واصلت نافع كفاحها ونضالها ضمن القاعات الثورية خلال الفترة الانتقالية المضطربة التي أعقبت الثورة، حتى جُرّدت هذه الامرأة الشابة من شبابها.

زمن التعذيب

تم القبض عليها من قِبل الجيش، "في 17 ديسمبر 2011، تعرضنا، أنا وتسع نساء أخريات، للتعذيب والتحرش الجنسي من الساعة 8:00 صباحاً وحتى 1:00 ليلاً" تقول نافع، التي لم تظهر أي انفعال عندما روت القصة، وإمعاناً منها بكشف عمق الفساد المستشري في شرايين النظام، شرحت نافع ماذا جرى داخل غرفة تعذيب مجلس شورى، مع ابنة أحد كبار الشخصيات التي تم إلقاء القبض عليها بالخطأ أثناء الواقعة، حيث تمت معاملتها بأكفٍ حريرية من قِبل الضباط المشرفين على العملية.

"ما الذي جاء بكِ إلى هنا بين هؤلاء الحثالة والبلطجية؟ أنتِ ابنة شخص مهم جداً، وأبواب الجحيم قد شُرّعت، سوف أفرج عنكِ الآن، ولكنني لا أريدِ أن أراك هنا مرة أخرى"، تتذكر نافع ما سمعته على لسان الضابط وهو يتحدث مع الفتاة المعتقلة بالخطأ، أما بالنسبة لنافع وباقي النساء، فلقد تم تعذيبهن بالضرب والصعق بالصدمات الكهربائية وبسيل من الشتائم اللامنتهية.

تتذكر نافع اسم ضابط هددها بقطع وجهها، تعرفت عليه أثناء بحثها عنه بعد إطلاق سراحها، وتبين أن اسمه حسام الدين مصطفى، المعروف أيضاً باسم حسام خبلانة.

في منتصف ليلة ذلك اليوم، تم إحضار صحفي من التلفزيون المصري يدعى شحات مبروك، مع ضابط يدعى أحمد منصور، أوعز منصور النساء بالسير على خطاه والاعتراف بجميع الاتهامات الملفقة لهن، وإلا سيتم "دفنهن أحياء حيث يقفن".

وفعلاً، اتبعت النساء التعليمات، وتم بث "اعترافاتهن" التي انتزعت منهن عنوة تحت وطأة التهديد، على التلفزيون الوطني، ولكن نافع، التي كان وجهها مشوهاً وملطخاً بالدماء جرّاء قسوة التعذيب الذي استمر لـ17 ساعة، لم يتم استضافتها على الهواء، وفقط بعد أن أغمي عليها، ونتيجة لصرخات النساء المتعالية، استطاعت الحصول في تلك الليلة على العناية الطبية اللازمة لها.

عار على العائلة

بدلاً من تحطيمها وكسرها، ساعدتها المحنة التي مرت بها لتحويل تجربتها إلى النطاق الشخصي، فلدى عودتها إلى منزل أسرتها الذي يقع في قرية هادئة ضمن محافظة القليوبية، لم تحصل نافع على حكم البراءة من أسرتها.

بل على العكس من ذلك، عمدت أسرتها الريفية المحافظة المؤيدة للنظام إلى سجنها في غرفتها لمدة 55 يوماً أخرى، "ذهبت إلى معركة ثانية في منزلي" قالت نافع مبتسمة، بروحها العنيدة التي يكشف عنها الفيلم الوثائقي.

وبغية وضع حد لسجنها المنزلي، بدأت نافع بوضع ملصقات ثورية في غرفتها تعلن فيها عن مباشرة ثورتها الشخصية، وحينئذ كانت عائلتها غاضبة للغاية، وخائفة، لا بل إنهم أيضاً تلقوا بعض التهديدات، وقطعوا عنها جميع وسائل الاتصال، بما في ذلك الإنترنت والهاتف، وكان ردها يتمثل بالإعلان عن "ثورة الفكر".

الملصقات التي صنعتها كانت أسلحتها الوحيدة، وبعض من منشوراتها تسربت إلى الخارج، عن طريق عدد محدود من صديقاتها اللاتي سُمح لهن بزيارتها لاحقاً، في محاولة لإثنائها عن إضراب الطعام المفتوح الذي قررت تحدي قرارات الأهل من خلاله، وكتبت هند في إحدى الأوراق التي ثبتتها على الحوائط "لا أشعر بالخزي ولا بالعار، أنا واحدة من الثوار"، "هند تريد إنهاء الحصار"، كما كانت إحدى الشعارات التي ظهرت

في الفيلم الوثائقي ضمن مجموعة كبيرة من الملصقات التي تم عرضها "لا يمكن للسجن أن يحبس الأفكار أبداً".

الظفر بالمستقبل

ولكن الطريق التي تسلكها نافع، وغيرها من النساء، في دولة بوليسية مثل مصر، ليست مزينة بورود الحرية العطرة، بل إنها مليئة بأشواك القهر والعذاب على طول طريق الكفاح، وفي هذه المعركة، يصر النظام على أن يثقل كاهل الثوار بأبهظ الأثمان.

دعونا لا ننسى أن هذا النظام هو الذي جعل أقصى أولويته تتمثل بالزج بالكثير من النساء المصريات الثوريات في السجن، من أمثال يارا سلام، سناء سيف، إسراء الطويل، وماهينور المصري، على سبيل المثال لا الحصر.

"أنا أعتبر وجودي هنا، خارج السجن، انتصاراً لي، وهزيمة للنظام" تقول نافع، التي يشرح اسمها على حساب التويتر، "صامدون حتى النصر"، كامل ما يمكن أن يُقال عن قصتها.

"خمسة أشخاص يضربونكِ و 20 شخصاً يلمسون جسدكِ"، تستذكر هند والدموع تستبيح عيونها في أحد مقاطع الفيديو المصورة من المستشفى، حيث تم وضعها إبان المعاملة الوحشية التي تلقتها على يد قوات الأمن خلال ما يدعى بـ"اشتباكات مجلس الوزراء".

"لن أترك مصر، لأن مصر هي أفضل بلد في العالم"، تقول هند في مقطع الفيديو.

ولكن في نهاية المطاف، استطاع العسكر الحاكم في مصر إجبار نافع على الفرار من البلاد، ورغم أنها لا تنفي احتمالية عودتها إلى مصر، بيد أنها، وفي الوقت الراهن على الأقل، تتابع نضالها من موطنها الجديد.

المصدر: العربي الجديد بالإنجليزية