شهد الشهر الماضي انتهاكات متنوعة بحق صحفيين وعاملين بالمجال الإعلامي، حيث يمكن  اعتبار جملة انتهاكات شهر أكتوبر عينة بسيطة توضح آليات السلطات المصرية في قمع حرية الإعلام. الشهر المنصرم شهد نحو 97 انتهاكًا مختلف بحق الصحفيين أثناء تأدية عملهم،  تنوعت الانتهاكات ما بين المنع من تغطية الأحداث في عدة أماكن مختلفة والتي وثقها مرصد صحفيون ضد التعذيب بنحو 67 حالة.

بالإضافة إلى تسجيل 10 حالات تعدٍ بالضرب على الصحفيين و4 آخرى بالتهديد بالقول والسباب، هذا بإضافة نحو 6 حالات وقف عن العمل أو احتجاز للتحقيق، وكذلك إتلاف للمعدات الصحفية بنحو 3 حالات، وأخرى لإتلاف ممتلكات خاصة لأحد الصحفيين، و3 حالات آخريات لوقائع تقديم بلاغات ومحاضر ضد الصحفيين، فيما اعتقل صحفيين اثنين ووجهت لهما اتهامات مختلفة، فيما اختطف صحفي ثالث، كل ذلك تم خلال شهر واحد كان أسبوعيه الأخيرين الأسوء في الانتهاكات بإجمالي 91 انتهاك من أصل 97.

المرصد ذاته وثق ما إجماليه 499 انتهاكًا ضد الصحفيين منذ مطلع العام 2015 وحتى أكتوبر الماضي، فبالترتيب التنازلي للأشهر بدايةً من سبتمبر الذي شهد 51 انتهاكًا بينها حالات تعدي بالضرب والسب، صعودًا إلى الشهر الذي سبقه أي أغسطس حيث وثق 64 انتهاكًا  منها حالات اعتقال وإصدار أحكام واختطاف صحفيين وكذلك منع من السفر واقتحام مقار صحفية، إلى شهر يوليو حيث شهد 53 انتهاكًا ويونيو الذي شهد 39 انتهاكًا، وشهر مايو بـ 51 انتهاكًا، و48 انتهاكًا آخرًا سجلت خلال شهر أبريل.

 فيما شهدت الشهور الثلاثة الأولى من العام 2015 نحو 126 انتهاكًا، هذا بإضافة 674  في العام 2014 ، مع تأكيد المرصد مرارًا على أن توثيقاته لا تعد الحصر الكامل لكل الانتهاكات ضد الصحفيين بل ما تمكن فقط من رصده، إذ يصعب العمل الحقوقي داخل مصر في العامين الماضيين بسبب الملاحقات الأمنية التي يتعرض لها العاملون في تلك المجالات.

كانت لجنة حماية الصحفيين قد أوضحت في تقرير لها بعنوان "السلطات المصرية تسجن عددًا قياسيًا من الصحفيين"  أن السجون المصرية بها  أكبر عدد من الصفحيين منذ عام 1990، أي وقت بدء لجنة حماية الصحفيين تسجيل بيانات حول الصحفيين المحتجزين، مشيرةً إلى أن معظم المعتقلين في السجون المصرية متهمون بالانتماء لجماعة محظورة، وأوضحت اللجنة الغير حكومية التي تتخذ من نيويورك مقرًا لها في تقريرها الذي نشر أواخر يونيو الماضي أن الصحفيين في مصر يواجهون تهديدات لا سابقَ لها تحت حكم عبد الفتاح السيسي.

إغلاق واقتحام مقار إعلامية

ما بدأته السلطات المصرية عقب الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي من وقف بث عدد من القنوات واعتقال العاملين فيها نمّ عن سوء نية النظام الجديد في تكميم أفواه كل من ينشر ما يعارضه أو يمكن أن يعارضه، ففي 3 يوليو من العام 2013 انقطع البث عن قناة مصر 25 التابعة لجماعة الإخوان المسلمين،  واعتقل نحو ثمانية من المذيعين والعاملين بمقر القناة، فيما اقتحمت قوات الشرطة عدد من مكاتب القنوات التابعة لشبكة الجزيرة من قنوات الجزيرة الإخبارية والجزيرة الإنجليزية والجزيرة مباشر مصر في القاهرة، وأوقفت أجهزة بثها واعتقلت عددًا من العاملين بها، وأوقف كذلك بث عدد من القنوات الدينية مثل الناس والرحمة والحافظ والشباب في نفس اليوم.

وبعد شهرين في مطلع سبتمبر 2013 أصدرت المحكمة الإدارية قرارًا يقضي بوقف بث 4 قنوات من بينها قناة مصر 25 التي عادت للبث تحت اسم أحرار 25، وكذلك قناة الجزيرة مباشر مصر، وقناتي اليرموك والقدس، وقبلها بيوم صدر أمر الإغلاق النهائي لقناة الحافظ، واستمر مع ذلك اعتقال عدد من العاملين بتلك القنوات حيث اتهمتهم السلطات بالتحريض وبث أخبار كاذبة والانحياز في تغطية الأحدث، حتى أن بعض القنوات الموالية للنظام أصابها ما أصاب غيرها من القمع لخروجها عن النص المسطر لها أحيانًا.

هذا النهج ظل متبعًا في مصر بغلق القنوات وإيقاف عملها واحتجاز العاملين بها ومصادرة معداتها حيث استمرت السلطات في غلق القنوات التلفزيونية  ومكاتب الصحف والوكالات الإعلامية والمواقع الإخبارية. في أواخر أكتوبر الماضي اقتحم الأمن مقر مؤسسة "مدى للتنمية الإعلامية" واعتقل ثلاثة من العاملين بها، وهي مؤسسة معنية بالتنمية الإعلامية، وعضو في الائتلاف الوطني لحرية الإعلام، سبقه بمدة مداهمة مقر شبكة يقين وكذلك مداهمة مقر راديو حريتنا ومقر قناة الغد السورية وعدد آخر من المكاتب الإعلامية لا يتسنى توفير مكان في المقال لذكرها على التفصيل.

 ذلك الأمر المتكرر اضطر بعض المؤسسات الإعلامية العالمية إلى إغلاق المكاتب الخاصة بها في مصر خشية البطش الأمني كما حدث مع عدد من المؤسسات الإعلامية المحلية والإقليمية، حيث قامت وكالة الأناضول التركية بإغلاق مكتبها الإقليمي في القاهرة بعد ممطالة  الجهات المسؤولة عن منح تصاريح العمل للمؤسسات الأجنبية الإعلامية في تجديد تصاريح العاملين في الوكالة.

قوانين لقمع حرية الصحافة

 وسائل الإعلام ممنوعة من نشر تقارير تتعارض مع الرواية الرسمية بخصوص الهجمات المسلحة والعمليات التي يقوم بها المقاتلون الجهاديون وإلا تتعرض  للحبس مدة لا تقل عن سنتين أو التغريم المالي بمبلغ يتراوح بين 200 ألف و500 ألف جنيه مصري، وذلك بحسب المادة 33 من قانون مكافحة الإرهاب الجديد.

 أو أن تعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن خمسين جنيهًا ولا تجاوز مائتي جنيه بحسب المادة 102 من قانون العقوبات، أو بالحبس مدة لا تتجاوز سنة وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه بحسب نص المادة 188 من نفس القانون، كما حدث مع الصحفي حسام بهجت مؤخرًا الذي اعتقل وعرض على النيابة العسكرية بناء على المادتين الأخيرتين.

مطارة أمنية للصحفيين

تعرض عدد كبير من الصحفيين في مصر للاعتقال والاحتجاز التعسفي خلال العامين المنصرمين، تنوعت أشكال الاعتقال إذ تم توقيف بعض الصحفيين أثناء تأدية عملهم، كما سبق الذكر اعتقال العشرات من مقر عملهم، كما تم توقيف عدد من الصحفيين الأجانب أثناء تغطية الأحداث، ففي يوليو الماضي ذكر صحفيان أجنبيان لوكالات عالمية أن قوات الأمن أوقفتهم عن تأدية عملهم في تصوير موقع انفجار القنصلية الإيطالية  وقامت باستجوابهم.

عدد آخر من الصحفيين اعتقل إبان سفرهم للخارج لحضور مؤتمرات مرتبطة بعملهم وأسباب أخرى من هذا القبيل، وفي 23 أكتوبر الماضي تم توقيف الصحفي بجريدة النهار سابقًا محمود مصطفى في مطار القاهرة أثناء سفره إلى العاصمة البريطانية لندن، واختفى قسريًا مدة أربعة أيام حتى ظهر في نيابة أمن الدولة.

ظروف احتجاز مميتة

سيء الحظ من الصحفيين الذين ينتهي بهم الحال في السجون المصرية يتعرض لمعاملة غير آدمية وربما تعذيب، كما يحتجز في ظروف صعبة تسببت في هلاك العشرات، إذ أرسلت شكاوى عديدة إلى النيابة العامة المصرية وكذلك الأمم المتحدة وأخرى لمنظمات حقوقية تتهم الداخلية بممارسة التعذيب بحق عدد من الصحفيين المعتقلين، وعلى سبيل المثال لا الحصر تقديم ممثلونعن نقابة الصحفيين بلاغ للنيابة العامة في سبتمبر الماضي تطالب فيه بالتحقيق في اتهام وزارة الداخلية بتعذيب الصحفي بموقع مصر العربية عمر عبدالمقصود في قسم شرطة ميت غمر بمحافظة الدقهلية، وشكوى أخرى قدمت أواخر الشهر ذاته إلى المقرر العام المعني بالتعذيب في الأمم المتحدة بشأن تعرض الصحفي حسن قباني للتعذيب.

 التعذيب المتعمد ذلك بخلاف الأوضاع السيئة الغير آدمية التي يلقاها الصحفيون كباقي المعتقلين داخل السجون المصرية قد يتسبب في مقتلهم.

تتسبب سوء المعاملة في السجون إلى أمراض مزمنة أو زيادة وطأة المرض لدى بعض الصحفيين وهو ما يهدد حياتهم، الصحفي المعتقل بسجن ملحق المزرعة بطره، جنوب القاهرة إبراهيم الدراوي، تعرض للتعذيب البدني والنفسي الأمر الذي تسبب في معاناته الشديدة من مرض الضغط والذي يهدد حياته، بحسب ما قالته أسرته، أما الصحفي محمود عبدالشكور أبو زيد الشهير بشوكان أصيب بفيروس سي خلال مدة اعتقاله التي جاوزت العامين نتيجة الأوضاع المزرية للسجون، كما يعاني من أنيميا حادة في الدم وانخفاض في السكر، فيما لا تقدم له الرعاية الطبية المناسبة داخل مقر احتجازه بسجن العقرب، بينما يقول والده أنه معرض للوفاة نتيجة لذلك.

 الصحفي المعتقل هاني صلاح الدين يعاني من ورم مائي ويحتاج إلي سرعة إجراء عملية جراحية، في حين ترفض إدارة سجن ليمان طرة المحتجز به إتمام الإجراءات كما فعلت من قبل في طلبه السابق لإجراء عملية جراحية في عينه، وتستغيث أسرته وتقول أن حياته على المحك.

الأمثلة السالف ذكرها لا تعبر عن كل الصحفيين الذين يعانون من أوضاع صعبة داخل مقار احتجازهم وإن كانت برزت مؤخرًا نتيجة استغاثات أسرهم، كما أن الأوضاع الصعبة يزيد من صعوبتها أن يعتقد الصحفي أنه سيقضي بقية عمره في هذا المكان، مثل عبد الله الفخراني، المؤسس المشارك لموقع رصد الإخباري وسامحي مصطفى، المدير التنفيذي للموقع نفسه، ومحمد العادلي، العامل بقناة أمجاد التلفزيونية الذين حكم عليهم بالسجن المؤبد في أبريل الماضي مع عدد آخر من الصحفيين والسياسيين في القضية التي عرفت إعلاميًا باسم غرفة عمليات رابعة.

مهنة تؤدي إلى الموت في مصر

الموت يمكن أن يطال الصحفيين بسبب مهنتهم تلك ليس بأحكام الإعدام أو الإهمال الطبي والتعذيب الممارس على بعضهم في السجون المصرية، حيث يمكن أن تعتقل السلطات المصرية صحفيًا وتخفيه قسريًا ثم تعيده لأهله جثة هامدة، فعلى سبيل المثال اختطفت قوات الجيش في العريش الصحفي علاء أحمد سليم بتاريخ 1 أغسطس الماضي وبعد عشرة أيام وجدت أسرته جثمانه عليه آثار تعذيب وطلقات نارية.

 أو يمكن أن يتم تصفيته مباشرةً دون عناء اعتقال وإخفاء كما حدث للصحافية ميادة أشرف التي قتلت برصاص الشرطة أواخر مارس 2014 أثناء تغطية أحداث عين شمس، أو كالصحفي تامر عبد الرؤوف، مدير مكتب جريدة الأهرام بالبحيرة، الذي تم قتله عقب عودته في كمين جيش في 19 أغسطس 2013، أو كالصحفية حبيبة أحمد عبدالعزيز، وصحفي قناة سكاي نيوز مايك دين، وأحمد عبدالجواد صحفي بجريدة الأخبار وقناة مصر 25، ومصعب الشامي صحفي بشكبة رصد الإخبارية الذين لقوا حتفهم أثناء تغطية أحداث فض ميدان رابعة العدوية منتصف أغسطس من العام 2013.

تلك القيود المفروضة على حرية الصحافة في مصر تمنع تغطية مناطق كاملة في مصر، كأخبار شبه جزيرة سيناء شرقي مصر، حيث تكون أغلب الأخبار عن الوضع في سيناء أو الخسائر التي تكبدها سكان المنطقة جراء العنف المسلح، والذين تعرضوا لعمليات إخلاء قسرية، بينما تذكر على لسان مسؤولين في الدولة، ولا يوجد ما يمَكِن من التثني من حقيقة ما ينشر حوله، حيث يمنع الصحفيين من دخول سيناء عبر نقاط التفتيش العسكرية، كما أن البعض يخشى من المجازفة بحياته في محاول تغطية الأخبار المتعلقة بسيناء من على الأرض لاعتباره باعتقال وتعذيب وقتل زملائه لنفس الأسباب.

السابق عرضه هو قشور مقتضبة للواقع المؤسف الذي يحياه الصحفيون في مصر، ولاشك أن مصر تقبع في المرتبة 158 عالميًا من أصل 180 بلدًا  في تصنيف حرية الصحافة لعام 2015 بحسب تصنيف مراسلون بلا حدود، فيما زالت مصر تدعي احترامها لحريات الإعلام والصحافة، وأنها لم تحتجز أي صحفي بسبب عمله.