ترجمة وتحرير نون بوست

طقوس وحشية، شهوة دم انتقامية، وهمجية شرسة، مبررة بمفاهيم العقاب في القرون الوسطى، جميعنا نعرف عهود الظلام التي عاشها العالم في تلك الحقبة، حيث قُتل الرجال خنقًا أو صلبًا، طُعنوا برمحٍ، بُقرت بطونهم، حُزّت أعناقهم، أو قُطعت أعضائهم التناسلية، لا لسبب سوى للانتقام، هذه ليست مشاهدًا من الرقة، إنها حقيقة فيلم العائد (The Revenant)، أكثر الأفلام رواجًا هذا الموسم، الحائز على ثلاث جوائز غولدن غلوب قبل أسبوع، المرشح لـ12 جائزة أوسكار يوم الخميس الماضي، والذي حصد أكثر من 65 مليون دولار في أسبوع عرضه الأول.

إنها حكاية "انتقام، عقاب، وعنف بدائي"، وفقًا لكاتب صحيفة الغارديان بيتر برادشو، الذي تابع وصف الفيلم قائلًا: "إنه مثير ومؤلم وكأنه قطعة من الجليد ملتصقة على الجلد"، وبالمناسبة، هذا ثناء على الفيلم من الكاتب، يشابه الثناء الذي أطلقته مجلة جي كيو (GQ) على الفيلم بقولها: "بطريقة بديهية، إنه فيلم ذكوري للغاية".

يستند الفيلم على قصة حقيقية لشخص قاطن على الحدود الأمريكية في عام 1823، وأستطيع أن ألخص لكم قصة الفيلم بعبارتين فقط: رجل يسعى للانتقام، يحصل الرجل على انتقامه! فقط، وبهذه البساطة، يمكن تلخيص الفيلم الممتد على مدار ساعتين ونصف الساعة، رغم أن الفيلم يعطيكم مهلة وجيزة لمشاهدة ليوناردو دي كابريو وهو يتلقى بعض الضربات الموجعة من دب رمادي، كما وتذكر التقارير السابقة بأن بطل القصة الحقيقة تعرض للاغتصاب، ولكن لا، فهذا المصير في الفيلم محفوظ لإحدى النساء الاثنتين اللتين تظهران بشكل عابر على الشاشة، بينما تلاقي الأخرى مصير الذبح، ولكن لا تقلق، لن تعرف أصلًا من هي هذه المرأة، لأن لا دور لها أساسًا في الحبكة الدرامية.

المرأة في الفيلم لم تتعرض للاغتصاب بالطبع، إنه مشهد اغتصاب زائف، وجزء من مشهد "تمثيلي"، كما أن فيلم العائد يصنف تحت بند "الترفيه"؛ ولكن هناك فرق حاسم بيننا وبين أولئك الأشخاص الذين يحاولون في هذه اللحظة تفادي تشظي أجسادهم لأشلاء صغيرة جرّاء الصواريخ التي تكلف ملايين الدولارات، فنحن نختار أن ندفع النقود لمشاهدة نساء يتم التظاهر باغتصابهن، بدلًا من مشاهدة النساء وهن يتعرضن للاغتصاب حقًا وبالمجان.

يمكنني أن أؤكد لكم بأنني لم أستمتع مطلقًا بمتابعة هذا العمل السينمائي، حيث شاهدت العرض قبل أسبوعين من عيد الميلاد، أثناء زخم الشوارع بأضواء عيد الميلاد البراقة، وداخل صالة السينما المظلمة شعرت وكأنني انتظرت لعدة أسابيع، بدلًا من ساعتين ونصف الساعة، مدة الفيلم، حتى أشاهد دي كابريو وهو يضرب الرجل الآخر حتى الموت، لأتمكن من العودة أخيرًا إلى منزلي.

آلة الدعاية الجيدة التي تضخ النار في الأفلام التي يُمهد لها لاكتساح جوائز الأوسكار، سرّبت بعناية فائقة المهمة الشاقة التي اعترت مهام التصوير؛ فشرحت "معاناة" الممثلين الحقيقية في طور التصوير، (ربما شعروا بالبرد قليلًا على ما يبدو)، كما شرحت كيف انتظر مدير التصوير، إيمانويل لوبيزكي، بزوغ الضوء الطبيعي كل يوم ليصور بضع لقطات من مشاهد الفيلم، وهذا أمر يستحق الاحترام حقًا، ومخرج الفيلم، أليخاندرو جونزاليس إيناريتو، كان يتطلع من خلف ذلك لأن تبدو مشاهد الفيلم حقيقية قدر الإمكان، وهو الأمر الذي كان ليكون رائعًا لو كانت قصة الفيلم تروي أحداثًا حول التأمل في الطبيعة أو حول العقاب الطبيعي أو حتى حول تفكّر شخص ما بما حوله، ولكن في ظل غياب جميع ذلك بشكل كلي، بدا الفيلم في مشاهده مجرد لقطات تقشعر لها الأبدان، تحمل عنفًا لا طائل منه، وبدون أي معنى؛ إنها قصة انتقام جوفاء تصور ببساطة مشاهد الألم وحسب، وبهذا يصبح فيلم العائد مجرد قصة ألم إباحية.

جميع الاحتمالات تشير بأن الفيلم سيحصد أغلب جوائز الأوسكار الـ12 التي ترشح لها، حيث أشاد النقاد ببذخ لصور الفيلم "العميقة"، ومشاعره "الأصيلة"، واختصروا ذلك بقولهم إنه فيلم "غامر" في أفضل حالاته، ولكن رغم ذلك، يمكننا القول، بأن شعور الغمرة لفيلم العائد لا تشابه الغمرة التي تصيبك وأنت تشاهد وضع الكاميرا داخل قفص أثناء إضرام النار بجسد شخص حي، أليس كذلك؟ هذا المشهد ليس من إخراج إيناريتو، بل من لدن داعش، ومع ذلك لم يتم ترشيح الفيلم لأي جائزة رغم أن الألم الذي يستبطنه أكثر واقعية، وأكثر عمقًا، بل وأكثر إثارة من أداء دي كابريو في الفيلم.

علينا أن نعترف بأن إخراج مقاطع فيديو داعش مستوحاة من الوسائل التي نعتبرها نحن ترفيهية، سواء في موضوعها، موسيقاها التصويرية، أو في حبكتها؛ فتنظيم الدولة الإسلامية لم يخترع سردًا جديدًا، بل أنه ببساطة اقتبس محاوره مباشرة من هوليوود، وأضاف إليها بعدًا من الواقعية، ليتغلب على هوليوود في حلبتها الخاصة، فالتنظيم رصد ما نحبه، وما نتلهتف شوقًا لنتابعه، وقدمه إلينا بصبغته الواقعية، ولو كان هناك دببة رمادية ضخمة في الصحراء السورية، لم يكن التنظيم ليضن علينا بمشهد يضع فيه دبًا في قفص "ليمتعنا" بما قد يبدو عليه الأمر عندما يمزق أحد الدببة أحشاء إنسان حي على أرض الواقع.

فيلم العائد بحد ذاته ليس مسؤولًا عن كل هذا، لأنه ببساطة فيلم آخر من تلك الأفلام المملة والفارغة عاطفيًا، التي تحوز على رضا النقاد وحكام جوائز الأوسكار، ونصيحتي لكم، لا تكلفوا أنفسكم عناء دفع تذكرة بطاقة السينما، بل انتظروا قليلًا ليُتاح الفيلم على موقع نتفليكس (Netflix) لتغفوا على أريكتم أثناء مشاهدته، أو لتبقوا مستيقظين للتمتع بمشهد الاغتصاب أو بمشهد تلقي رأس شخص ما لضربة من ساطور مشذب، أو يمكنكم مجرد الانتظار لتصدر داعش نسختها المميزة من الفيلم.

الخيار لنا فيما نريد أن نصنع، ولكن دعونا نتفق على أن نحاول جميعًا أن نخفف من صدمتنا وهول مفاجأتنا حين صدور فيديو الدولة الإسلامية المذهل القادم، أو دعونا نسأل أنفسنا لماذا تحصل مشاهد الألم والمعاناة ووحشية تعذيب النساء عندما تصورها هوليوود على الجوائز؟ أو لماذا نبدو حريصين كل الحرص على أن تبدو هذه المشاهد "حقيقية"؟ وما هي الناقلات العصبية التي تُفرج عنها أدمغتنا لنشعر بتلك المتعة؟ وما العطش الذي نرويه حال مشاهدتنا لكل ذاك العنف الذي يبدو حقيقيًا؟

أفلام داعش هي الخطوة المنطقية التالية للأفلام التي نصنعها؛ فثقافتهم هي في الواقع ثقافتنا أيضًا، وتنظيم داعش لم يخترع مشاهده المروعة من بنات أفكاره، بل أوصل أفكارنا إلى الخطوة الأبعد والأكثر صراحة، الأكثر "أصالة"، الأكثر "عمقًا"، والأكثر "واقعية".

المصدر: الغارديان