منذ قرون طويلة رأى الزعيم الصيني "ماو تسي تونج" أن أفريقيا حالة تستحق الدراسة وأمر عدد من الباحثين بتوفير معلومات حول تاريخها وجغرافيتها، بينما يبدو أنّ الدول العربية غنية عن تعزيز العلاقات الإستراتيجية (السياسية والاقتصادية والاجتماعية) مع القارة السمراء وتقع خارج اختصاصهم مع أنها أقرب إلى أفريقيا منها إلى الصين، أو أنّ الأخبار عن أن أفريقيا هي منبع الثروات البشرية والاقتصادية على حد سواء لم يصل إلى أسماع القادة العرب بعد، حيث يرى وزير الخارجية الجيبوتي محمود علي يوسف أن "الصين جاءت لملء الفراغ الذي خلّفته الدول العربية في السابق والتي لم تعد تهتم للأسواق الأفريقية لأسباب مختلفة".

انطلقت الصين إلى القرن الأفريقي بعد العام 2000 وسعت لتعزيز التعاون فيما بينهما بعد ذلك التاريخ؛ فالناظر إلى المبادرات الصينية لأفريقيا يجدها تسعى لإيجاد وسائل وتطبيق خطوات عملية للتكامل بين البلدين والشاهد على ذلك المبادرات التي حملها منتدى التعاون الصيني الأفريقي "طريق واحد حزام واحد" و"طريق الحرير البحري للقرن الواحد والعشرين" والذي اختتم أعماله في مساء يوم السبت 5 ديسمبر في مدينة جوهانسنبرغ بجنوب أفريقيا ويضم في عضويته 50 دولة أفريقية، حيث يحظى بقدر واف من الاهتمام الصيني صاحبة السبق في استضافة القمة الأولى عام 2006 في بكين وصاحبة المبادرة من حيث العلاقات الصينية الأفريقية على حد قول الرئيس الصيني شي جين بينغ "تحظى القمة بأهمية تاريخية من حيث العلاقات الصينية الأفريقية.

تغلغل التنين الصيني القوة الأسرع نموًا في العالم وثاني أكبر اقتصاد فيه لم يكن وليد هذه القمة أو سابقتها بل كان منذ عقدين عملت فيهم الصين على الدخول بهدوء حتى لا تثير موجة استعداء واستغلال ضدها بسبب تجربة القادة الأفريقيين والشعب الأفريقي مع الاستعمار الغربي الذي استنزف موارد القارة السمراء قرونًا عديدة، وبما أنّ الشيء بالشيء يُذكر فإن دولًا أفريقية لا تزال تدفع ضرائب استعمارية لفرنسا منذ يوم استقلالها وحتى اليوم، فرفعت الصين شعارات "صداقة وشراكة بلا استغلال".

إذًا إدراك الصين بأهمية القارة الأفريقية ينبعُ من منطلقات اقتصادية بحتة باعتبار أنها تعد من أكبر الأسواق الواعدة والصاعدة في العالم حيث تسعى إلى تعزيز نفوذها وتواجدها في مناطق تعتبرها "نقاط خنق إستراتيجية"، ولمزاحمة الولايات المتحدة الأمريكية والغرب المتواجدين في الساحة الأفريقية منذ أمد علمًا أنّ الولايات المتحدة الأمريكية انشغلت عن أفريقيا في تسعينيات القرن الماضي بقضايا سياسية ليس أقلها الثورات في شرق أوروبا وروسيا فأفريقيا وعلى لسان كثير من المحللين كانت تحتل مقعدًا خلفيًا في سياسات الولايات المتحدة الأمريكية مما ألحق الضرر بسمعتها في أفريقيا لدرجة ما، وبعد عام 2000 عاد اهتمام أمريكا لأفريقيا والسبب في المقام الأول الموارد وثانيًا التنافس مع الصين التي وضعت ثقلها في المنطقة بعد العام 2000.

من طرف القادة الأفارقة وثقوا بالصين وأولوها مصداقية عالية لأنها لم تكن إمبراطورية استعمارية تعيش على نهب الثروات وبيع البشر وتدمير البلدان الأخرى كما فعل المستعمر الغربي، ومن ناحية أخرى فإن لا تتدخل في الشؤون الداخلية لأية دولة أفريقية وتعرض المنح والمساعدات دون شروط مسبقة، وبالمنطق الاقتصادي فهي تعقد صفقات تجارية حيث تشتري النفط والمواد الخام مقابل تطوير البنية التحتية المتهالكة أو غير الموجودة أصلًا.

ومن حيث اتهام الصين أنها مستعمرٌ اقتصادي جاء لامتصاص ثروات البلاد لا أكثر، للرئيس الكيني أوهورو كينياتا رأي آخر حيث يقول "إن الشراكة الصينية الأفريقية تصب في مصلحة الجانبين وفكرة أن الصين تهتم فقط بالموارد الطبيعية لأفريقيا هي فكرة مغلوطة، ماذا كان يفعل المستعمرون؟ كانوا ينهبون، وهاهي الصين تعمل معنا لإخراج البلدان من الفقر إنها ليست مستعمرًا بل شريك".

أما من طرف الصين اعتمدت في سياستها الاقتصادية مع أفريقيا على التعاون القائم على مبدأ "تبادل المصالح الذي يقوم على تقديم المساعدات عربونًا" لتبادل تجاري، بالإضافة إلى تقديم قروض ميسرة لتأسيس البنية التحتية؛ حيث أنشأت مئة محطة لتوليد الكهرباء والطاقة وقامت ببناء 30 مشفى وابتعثت أكثر من 1500 طبيب للعمل فيها وأسست 50 مدرسة وعبّدت أكثر من ثلاثة آلاف كيلومتر من الطرق في أربعين دولة، ومصداقًا لهذه السياسة قال الرئيس الصيني خلال مأدبة على هامش هذا المنتدى إنه "يتعين على الصين وأفريقيا العمل معًا لترجمة ميزة صداقتهما إلى قوة دفع للتعاون القائم على الكسب المتكافئ والتنمية المشتركة وترجمة الموارد الطبيعية والبشرية الغنية في القارة إلى قوة اقتصادية ورفاهية للشعب".

في الشكل أدناه لمحة عن الموارد التي تحتويها القارة الأفريقية والتي جعلت الصين تنحو نحوها.

نمت التجارة الثنائية بين الصين وأفريقيا من 10.6 مليار دولار عام 2000 إلى 160 مليار دولار في عام 2011 وبحسب تقرير للبنك الدولي أصبحت الصين منذ عام 2009 الشريك الاقتصادي الأكبر والأهم لقارة أفريقيا؛ حيث ارتفع التبادل التجاري بينهما من 12 مليون دولار عام 1955 إلى 166 مليار دولار في عام 2005 وإلى 210 مليار دولار في عام 2013، وحسب خبراء يتوقعون أن تتجاوز حجم التجارة الثنائية حاجز الثلاثمئة مليار دولار نهاية العام 2015 وهو ما يزيد عن حجم التجارة بين أفريقيا والاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة الأمريكية.

في عام 2012 قدمت الصين لأفريقيا 20 مليار دولار على شكل قروض ميسرة لتطوير البنى التحتية الزراعية والصناعية خلال المنتدى الخامس للتعاون الأفريقي الصيني في بكين، كما وصلت قيمة الاستثمارات الصينية المباشرة إلى أفريقيا 5.49 مليار دولار عام 2008 وأصبحت الصين ثاني أكبر سوق للصين في مجال المقاولات، وفي هذا المجال بلغت قيمة عقود المقاولات للشركات الصينية في أفريقيا 126.3 مليار دولار حتى نهاية عام 2008، وفي سنة 2015 بلغت قيمة الأعمال المنجزة خلال الأرباع الثلاثة الأولى 17.84 مليار دولار يزيادة قدرها 41.2 %، وفي مساهمة الصين في القطاع الزراعي بلغ عدد الشركات الصينية الزراعية لدى أفريقيا 72 شركة حتى نهاية عام 2008 واستثمرت 134 مليون دولار بشكل مباشر في هذا المجال، وبعد أن كان عدد المصانع والمؤسسات الصينية في أفريقيا عام 2005 نحو 700 شركة قفز عددها عام 2013 إلى 2000 شركة ومؤسسة تعمل في جميع المجالات.

 وقد حمل هذا المنتدى في دورته السادسة في جوهانسنبرغ تقديم الصين 60 مليار دولار قروض ومساعدات للقارة على مدى 3 سنوات، وتم إطلاق خطة عمل 2016- 2018 (خطة عمل جوهانسنبرغ) التي تعكس الشراكة الإستراتيجية بين الطرفين وتعزيز التعاون بينهما في كافة الأصعدة التي تتناول المجالات السياسية والاقتصادية (الاستثمار المالي وتشييد البنى التحتية والتصنيع والقدرة الإنتاجية والرعاية الصحية) والأمنية والتنمية الاجتماعية والثقافية والعلاقات على المستوى الشعبي والتعاون الدولي.

ختامًا أبدت الصين مرونةً خارج حدودها الجغرافية واستطاعت بالاستفادة من الخلفية التارخية لأفريقيا والتجارب السابقة لها مع المستعمرين الإنجليز والفرنسيين وغيرهم من الولوج إلى العمق الأفريقي والتواصل مع المجتمعات الأفريقية والتركيز على الجانب الاقتصادي وحيازة الثقة عن طريق المشاريع الاجتماعية وخلق فرص العمل لتشغيل الأيدي العاملة هناك، وأثبتت الصين أنّ توجهها نحو الصين كان خيارًا إستراتيجيًا لما تحملهُ القارة من استثمارات واعدة وموارد هائلة.