عندما تتوغل في انحناءات الجبال التي تشبه الثعابين وسط أشجار البلوط الكثيفة، في تلك الجبال الفاصلة بين ولاية فيرجينيا ووست فيرجينيا، وتصل إلى تلك البقعة الموجودة وسط تموجات الغابة، فإن كل شيء يبدأ الآن، يتوقف هاتفك المحمول عن استقبال أي إشارة فجأة، الراديو الخاص بك لا يستطيع التقاط أي محطة، مهما حاولت هز هاتفك فإن ذلك لن يساعدك، وإذا كنت من سكان المدن الحديثة فإن فكرة كونك غير متصل بالعالم سوف تصيبك بالذعر.

ابقِ يدك على مقود سيارتك حتى تصل إلى مدينة "جرين بانك"، المدينة التي يبلغ عدد سكانها 143 فقط، وهي المدينة التي تُعرف بمنع الهواتف المحمولة وأي أجهزة لاسلكية، حتى أفران المايكروويف، بقوة القانون، لتكون أهدأ مدينة في أمريكا.

مدينة "جرين بانك" هي مدينة تنتمي للماضي بامتياز، ومع أن التكنولوجيا تستخدم في سائر أرجاء العالم لتعزيز التواصل، إلا أن أرفع وأعقد التكنولوجيا تستخدم هنا لتمنع ذلك، لتحفظ للمدينة طبيعتها المتفردة.

ليس الأمر أن هؤلاء الناس متخلفون عن التكنولوجيا أو خائفون منها، وإنما العكس تمامًا، ففي هذه الجبال، يقوم الباحثون بالاستماع إلى انفجار المجرات على حافة الكون، وهي إشارة خافتة جدًا، تساوي مليار من المليار من المليون واط.

الهاتف المحمول يبعث حوالي 3 واط، وهي كافية لكي تغطي الأصوات الخافتة التي تعلم الفلكيين كيف تشكلت مجرة درب التبانة، وكيف ما تزال تتطور، وهو ما جعل هذه المنطقة تصبح ممنوعة على الهواتف، وهو المنع الذي يزداد صرامة كلما اقتربت من مدينة "جرين بانك"، التي تضم أكبر تلسكوب لاسلكي قابل للتوجيه في العالم.

التلسكوب الرئيسي يزن 17 مليون باوند، ويمتد حوالي 2 فدان، و485 قدمًا في الهواء، كما تتناثر حوله تليسكوبات صغيرة على محيط 2,700 فدان، وهو يستطيع سماع الأصوات القادمة من على بعد مئات ملايين الأميال، مجتذبًا عددًا من أهم الباحثين في العالم، ويقول أحد العلماء العاملين هناك إن من المدهش أن تعيش في جو متطرف البدائية ومتطرف التقدم في نفس الوقت.

المدينة تتميز بشاحنة غريبة تتصرف كأنها "بوليس الموجات اللاسلكية"، بهذا الهوائي الذي يصعد من سقفها، وجهاز استقبال موضوع مكان مقعد السائق، وجهاز دوبلر ومحلل طيفي، كي ترصد أي أصوات يمكنها أن تشوش على الأصوات القادمة من الفضاء الخارجي.

هناك قصص وحوادث مضحكة تناثرت بسبب بوليس الموجات هذا، مثل قصة الكلب والبطانية التي حدثت منذ أكثر من عشر سنين، عندما لاحظ العلماء إشارات مكثفة متفرقة قادمة من الجوار، ثم اكتشفوا بعد التتبع أنها قادمة من وسادة تدفئة خاصة بالكلب، فعندما يكون مبللاً وينام على بطانيته، فإن وسادة التدفئة ترسل دفقات من الطاقة التي تشوش على الراصد، ما دفع العلماء إلى استخدام وسادة تدفئة مقاومة للبلل.

البعض يعترف هنا باستخدامه للواي فاي، وهي الحقيقة التي تضايق العلماء والتليسكوب؛ ما يجعل العلماء يحاولون تغيير ترددات التليسكوب قبل التفكير في طرق أبواب هؤلاء الناس، ليس هذا فقط، بل قد تسبب الأقمار الصناعية والطائرات التي تستخدم الرادار المشاكل أيضًا.

الإجراءات تقضي باستخدام المركبات التي تعمل بالديزل حصريًا في نطاق ميل من التليسكوب، كما لا يسمح للعمال في هذه المنطقة بالتواصل إلا من خلال ترددات محددة للغاية، وهناك 25 إلى 30 منزلاً يقتضي العيش فيها الإمضاء على عقد بعدم استخدام الميكروويف أو الأجهزة اللاسلكية.