ترجمة وتحرير نون بوست

في يناير 2015، وإثر وفاة 16 شخصاً في سلسلة من الحوادث التي ضربت باريس، بما في ذلك الهجوم على صحيفة شارلي إيبدو الساخرة، خرج الشعب الأوروبي بمظاهرات عفوية، حيث سار الأوروبيون احتجاجاً على الاعتداء على مبدأ أساسي من مبادئ الحضارة الأوروبية، المتمثل بحرية التعبير، خرج الملايين إلى المسيرات في جميع أنحاء القارة، وكانوا يحملون لافتات تحمل عنوان "أنا شارلي"، أو جو سوي شارلي " Je suis Charlie"، تضامناً مع الذين قتلوا ممن يعملون في الصحيفة، التي غالباً ما كانت تصور النبي محمد برسوم كاريكاتورية.

حينئذ، حذر العديد من خطر السماح للهجمات بتحويل مشاعر الرأي العام ضد المسلمين بشكل عموماً، سواء من المهاجرين أو من المواطنين الذين ولدوا بأوروبا، وفي ألمانيا كان رد فعل هورست زيهوفر، رئيس الاتحاد الاجتماعي المسيحي، وهو الشقيق البافاري للحزب الديمقراطي المسيحي الحاكم في ألمانيا، نموذجياً للغاية، حيث نفى وجود أي علاقة بين سياسات مكافحة الإرهاب والهجرة، ودعا الحركة المناهضة للإسلام في ألمانيا، بيغيدا، لإلغاء المظاهرة المخطط لها، وعبر عن غبطته لأن جميع الأحزاب الألمانية "امتنعت عن استغلال الهجوم لمصلحتها السياسية".

ولكن بعد هجمات ليلة الجمعة في باريس، التي تبناها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، اتخذ زيهوفر نهجاً مختلفاً تماماً، حيث صرح قائلاً بأن: "هجمات الجهاديين أظهرت الحاجة لفرض رقابة أقوى على الحدود الخارجية لأوروبا، وعلى الحدود الوطنية على حد سواء"، وأردف قائلاً: "إنها مسألة إعادة فرض القانون والنظام في أوروبا"، ومن جهته، اتفق وزير المالية في بافاريا، ماركوس سودر، وهو أيضاً منحدر من حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي، مع آراء زيهوفر، معلناً أن "باريس تغيّر كل شيء"، ومضيفاً بأن الهجمات تعني نهاية "زمن الهجرة غير المنضبطة".

وفعلاً، وفي غضون ساعات من الهجمات، استغل زعماء وقادة الاتحاد الاجتماعي المسيحي هجمات باريس كجزء من جهودهم الرامية لتقويض سياسة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل وإجبارها على إبطاء تدفق المهاجرين من الشرق الأوسط.

ردة الفعل على هجمات باريس الأخيرة تتبدى بشكل مناقض تماماً لردات الفعل على هجمات شارلي إيبدو؛ ففي أعقاب هجمات يوم الجمعة التي قُتل فيها 129 شخصاً على الأقل في مواقع متعددة حول باريس، أصدر القادة الأوروبيون مرة أخرى تصريحات متعاطفة وغاضبة، وتزامن ذلك مع خروج حشود كبيرة من المواطنين الأوروبيين حاملين الزهور والشموع لإظهار التضامن مع الضحايا، ولكن في الوقت الذي تفادى فيه متظاهرو "أنا شارلي" الربط ما بين الإرهاب والهجرة أو الإسلام، يتوضح بأن المزاج العام الذي أعقب حوادث باريس الأخيرة هو أكثر تناقضاً؛ فمن خلال استهداف الهجمات السابقة لصحيفة سياسية ساخرة وسوبر ماركت لليهود، أتاح قتلة شارلي إيبدو للأوروبيين الفرصة لتأطير غضبهم حول المثل الإيجابية، كحرية التعبير والحرية الدينية، ولكن الهجمات الأخيرة ضربت أماكن عامة بشكل عشوائي، كاستهداف مطعم كمبودي، ملعب لكرة القدم، وقاعة للحفلات الموسيقية، ولهذا بدأ بعض الأوروبيين حتماً بربط العنف مع القضية التي هيمنت على سياساتهم خلال الأشهر الستة الماضية، المتمثلة بموجة اللاجئين الذين يتدفقون إلى قارتهم من الشرق الأوسط.

كلنا شارلي إيبدو مرة أخرى؟ ليس بالضبط!
الربط ما بين الإرهاب والهجرة تبدى بأوضح صوره في بولندا، وهي البلد التي شهدت اكتساح حزب القانون والعدالة اليميني للانتخابات في أكتوبر الماضي، بدعم جزئي من سياسته المناهضة للمهاجرين، وفي مقالة افتتاحية متسرعة، كتبها صباح السبت الوزير القادم لحزب القانون والعدالة للشؤون الأوروبية، كونراد زيمانسكي، عبّر الأخير عن أن هجمات باريس أغلقت الإمكانية السياسية أمام تنفيذ المخطط الجديد للاتحاد الأوروبي الساعي لإعادة توزيع طالبي اللجوء بين الدول الأعضاء، "بولندا يجب أن تتمسك بالرقابة الشاملة على حدودها وسياسة اللجوء والهجرة لديها"، كتب زيمانسكي.

ألمانيا، التي من المتوقع أن تستقبل أكثر من مليون طالب لجوء هذا العام، سعت جاهدة لتنفيذ سياسة إعادة التوزيع ما بين دول الاتحاد الأوروبي، وهي الفكرة التي وافقت عليها المفوضية الأوروبية في سبتمبر رغم الاعتراضات المريرة للعديد من الدول الأعضاء، واليوم سيعمل الرفض البولندي لتنفيذ هذه السياسة على إثارة جدل ضخم حول هذا الموضوع، ومن ذلك ما أشار إليه عضو من الجمعية الألمانية من ولاية سكسونيا، جيرد ليبولد، في تغريدة غاضبة له، حيث قال بأنه لو كان الجميع في أوروبا يحملون ذات أفكار السيد زيمانسكي، لكان سيتم قريباً بناء الجدران الفاصلة ما بين ألمانيا وبولندا لمواجهة لصوص السيارات، ومن جهتها عبّرت بياتا سيزيدلو، رئيسة الوزراء المقبلة في بولندا، عن رفضها لدعم أفكار زيمانسكي، ونتيجة لذلك اضطر الأخير للتراجع عن أفكاره، قائلاً بأن بولندا يمكن أن تقبل بالصفقة إذا ما كان مصحوبة بـ"ضمانات أمنية".

رغم النقد الذي تلقاه زيمانسكي، طفقت حجج مماثلة في بلدان أوروبا الوسطى والشرقية الأخرى، والكثير من تلك الأصوات نددت باتفاق إعادة توزيع المهاجرين؛ ففي جمهورية التشيك، قال أندريه بابيس، وزير المالية المعروف بتصريحاته الملتهبة، وملياردير وسائل الإعلام الذي يعد السياسي الأكثر شعبية في البلاد، بأنه يعتقد أن إغلاق الحدود الخارجية لمنطقة الشنغن في أوروبا هو إجراء ضروري، أما الرئيس التشيكي، ميلوس زيمان، والذي أعرب سابقاً عن مخاوفه من أن المهاجرين السوريين في جمهورية التشيك سيرجمون المرأة الزانية لفرض تطبيق الشريعة الإسلامية، فقد صرّح بأن الهجمات الأخيرة هي جزء من الحرب من أجل "مستقبل الحضارة الأوروبية".

بالإضافة إلى ماتقدم، تم استغلال واقعة أن واحداً من منفذي هجمات باريس كان يحمل جواز سفر سوري من قِبل أولئك الذين يعارضون سياسة قبول طالبي اللجوء، حيث صرح رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو، منتشياً بنصره، بأنه حذر الزعماء الأوروبيين الآخرين من "المخاطر الأمنية الهائلة المرتبطة بالهجرة"، وأضاف موضحاً: "نأمل أن يفتح بعض الأشخاص عيونهم الآن".
في بلدان أخرى، تم ربط تعبيرات التعاطف الشعبية بشكل سريع مع الأجندات السياسية أو الدبلوماسية المختلفة؛ ففي موسكو، حيث يتمتع المواطنون بخبرة وافرة عن الإرهاب الإسلامي، غُمرت السفارة الفرنسية بالهدايا والزهور التي قدمها المواطنون الروس تعبيراً عن تضامنهم، ولكن فلاديمير بوتين، حرص أن تتضمن رسالة التعزية التي أرسلها للرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، موضوع إنهاء عزلة روسيا الدولية، حيث جاء فيها: "محاربة هذا الشر يتطلب وحدة حقيقية من قوى المجتمع الدولي بأسره"، أما في تركيا، فخرج الآلاف من المتعاطفين لإظهار التضامن مع باريس والمدينتين اللتان ضربهما إرهاب داعش موخراً أيضاً، أنقرة وبيروت، وفي الوقت عينه، استغل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، هذه المناسبة ليلمح إلى أن الوقت قد حان للتخلي عن فكرة "إرهابي جيد، وإرهابكم سيء"، في إشارة واضحة إلى الميليشيات الكردية التي تقاتل الحكومة التركية، حيث يصنف الغرب حزب العمال الكردستاني، أو الـPKK، كجماعة إرهابية، ولكنه يعتبر وحدات الدفاع الشعبي، أو الـYPG، كحلفاء للغرب في محاربة داعش.

وفي ذات السياق، استغل الشعبويون اليمينيون في أوروبا الغربية أيضاً هجمات باريس للتأكيد على أجنداتهم الخاصة، تماماً كما فعلوا إبان هجمات شارلي إيبدو، حيث دعا جيرت فيلدرز، المتشدد الهولندي المناهض للمهاجرين والذي يتصدر حزبه حالياً استطلاعات الرأي في البلاد، رئيس وزراء هولندا لإغلاق حدود الدولة، كما جاء في تغريدة بغيضة على تويتر "من يزرع القرآن، يحصد الجهاد"، وهي أفكار متوقعة من شخص كفيليب دي وينتر من حزب  فلامس بيلانغ الفلمنكي اليميني المتطرف.

ولكن مثل هذه الاستفزازات فشلت في إحداث تأثير كبير؛ فبلجيكا، على سبيل المثال، انشغلت بالأنباء التي تتحدث عن أن ثلاثة أشخاص من المشتبه بضلوعهم بهجمات باريس الأخيرة، تم القبض عليهم خارج بروكسل، حيث تعهد وزير الداخلية البلجيكي، جان جامبون، بحملة شاملة لتنظيف حي مولينبيك، وهي المنطقة التي كان المشتبه بهم يعيشون ضمنها، علماً أن هذا الحي هو أحد الأحياء التي داهمتها شرطة مكافحة الإرهاب البلجيكية في يناير الماضي خلال العمليات التي أدت إلى إطلاق النار على اثنين من المشتبه بهم مرتبطين بهجمات شارلي إيبدو.

بالإضافة إلى ذلك، لم تندلع، أو على الأقل لم تندلع حتى الآن، أزمات الجدل حول المهاجرين في بعض الأماكن التي كان من المتوقع أن تشتعل بها؛ فبالتزامن مع وقوع الهجمات يوم الجمعة، كانت السويد والدنمارك تخوضان صراع الند للند للسيطرة على تدفقات الهجرة، فالسويد، التي استقبلت عدداً من اللاجئين يفوق أي بلد أوروبي آخر إذا ما احتسبنا العدد على أساس نصيب الفرد، أعلنت يوم الخميس بأنها ستُدخل نظام رقابة على الحدود، مهددة بذلك أحلام العديد من طالبي اللجوء الذين كانوا ينوون الاتجاه إلى السويد من الدنمارك، ومن جهتها ردت الدنمارك، المعروفة بسياسات الهجرة الصارمة، على السويد باتخاذ 34 تدبير لثني المهاجرين من القدوم إلى البلاد، على رأسها خفض مقدار المعونات والمساعدات المقدمة للاجئين، ولكن حزب الشعب الدنماركي المناهض للمهاجرين، ونظيره في السويد، حزب السويديين الديمقراطيين، لم يستخدما هجمات باريس كأداة للدعاية، حيث كان المزاج العام في كلا البلدين يعبر عن الاحترام والتعاطف غير المتحزب، تماماً كما كان الحال بعد هجمات شارلي إيبدو.

بطبيعة الحال، قد تكون سياسات الصمت الحالية التي يتبعها هذين الحزبين المعاديين للمهاجرين نابعة ببساطة من ثقتهم بأن صور الإرهاب الإسلامي سوف تزيد من حملات مقاومة الهجرة دون الحاجة لقيامهم بأي تصرف أو إبدائهم لأي تصريح.

ما قد يثلج الصدر حالياً هو أن المظاهرات الشعبية التي خرجت تضامناً مع فرنسا، ورسائل دعم القادة الأوروبيين التي أُعلنت يوم السبت، كانت مليئة بالدعوات، حتى لو كانت مبطنة وغير صريحة، التي تحذر من السماح للإرهابيين بتأليب مواطني أوروبا ضد بعضهم البعض، ولكن للأسف، ومع اتباع البلدان الأوروبية لسياسات مراقبة الحدود واحدة تلو الأخرى، سيكون من الصعب للغاية الحفاظ على وحدة وتماسك الشعب الأوروبي.

المصدر: الإيكونوميست