” بدي أرجع للبيت، بدي أرجع مع أمي وأبوي … بضلهم يصرخوا فيّ، ما بعاملوني منيح”، يقول أحد الأطفال المقدسيين المحتجزين في المراكز الإصلاح الإسرائيلية خلال مكالمة أجريناها معه.

الطفل الذي نتحفظ على ذكر اسمه حرصا على عدم إلحاق أي ضرر به، أكد أنه أصغر المحتجزين في مركز الإصلاح، كما أنه الطفل الوحيد المعتقل على خلفية أمنية، بصوت مخنوق يقول، “متضايق جدا، ما بقدر أعيش هون أكثر”.

ولا يتوقف الأمر هنا فقط، فكل الأصابع في المركز تشير إليه كمرتكب لجريمة كبيرة، لن تغفر له أبدا، “بسألوني عن تهمتي، بقول إلقاء حجارة، الكل يبدأ يأنبني ويحكيلي أني غلطان، وأنه لا يجوز محاربة الشرطة الإسرائيلية”.

بالتفاف على القانون، بقانون آخر، يواصل الاحتلال احتجاز الأطفال المقدسيين الأقل من (14 عاما) فيما تسمى بمراكز الإصلاح، والتي لا يجدها الأطفال وعائلاتهم مختلفة عن السجن الفعلي، فيما تتجاهلهم المؤسسات الرسمية الفلسطينية والحقوقية.

علي علقم.. ضحية مراوغة

في العاشر من تشرين ثاني الماضي، أطلق أحد حراس أمن القطار الخفيف في القدس، النار على الطفلين علي علقم (12 عاما)، وابن عمه معاوية علقم (14 عاما)، بعد اتهامهما بمحاولة تنفيذ عملية طعن أصيب خلالها علي بثلاثة إصابات إحداها خطيرة، فيما نجى معاوية من رصاص الاحتلال لينقل عاريا إلى مركز توقيف “المسكوبية” وسط القدس.

“كنت في حالة صدمة، لا أعرف لمن أتوجه وكيف أصل لعلي، فتوجهت لمكتب الشؤون الاجتماعية الإسرائيلي في شعفاط بعد أن اتصلوا علي سبع مرات، وأخبروني انهم سيساعدونني”، يقول ايهاب والد علي.

ففي مكتب الشؤون الاجتماعية الإسرائيلي، تم إقناع ايهاب على التوقيع على ورقة مكتوبة باللغة العبرية، ترجمت له بأنه يسمح للمكتب بمساعدته باستعادة ابنه وتوفير العلاج له لثلاثة أشهر، “تبين لي أن ما وقعت عليه ورقة تنص على تنازل عن ابني لمكتب الشؤون، لأني غير مؤهل لتربيته، وليس كما ترجموه لي أنها مساعدة لإنقاذ ابني وتوفير العلاج اللازم له”.

جلسة سرية وقرار غيابي صدر عن محكمة الاحتلال نص على نقل علي لأحد مراكز الإصلاح، معتمدة على الورقة المقدمة من مكتب الشؤون الاجتماعي الإسرائيلي، لتعلم العائلة بالقرار فيما بعد وتسارع بتعيين محامي لتعطيل القرار الذي نفذ سريعا دون الأخذ بعين الاعتبار الوضع الصحي لعلي.

نقل علي إلى مركز الإصلاح في عكا بعد (11 يوما) من إصابته، وروى  لعائلته أنه أصيب بحالة إغماء وإرهاق شديد في الطريق، فأدخلته قوات الاحتلال لإحدى محطات الوقود ورشت الماء البارد عليه.

علي لم يستكمل العلاج اللازم، ولم تقام له عملية تجميلية للمنطقة المصابة، فيبين والده أنه أصيب برصاصة في الحوض، ورصاصة أخرى في البطن، أخضع إثرها لعملية جراحية استأصلت جزءا من أمعائه، وتركت ندبا كبيرا طوله 30 سم، ويشير إلى أنه أصيب برضوض في أصابعه جراء دعس قوات الاحتلال عليها خلال اعتقاله، وتم تخليع أظافره.

جنة من الخارج.. وجهنم من الداخل

محاكم الاحتلال تحول الأطفال ما دون سن (14 عاما) إلى مراكز ثلاثة مراكز أصلاح، الأول في عكا، والثاني في بلدة طمرة، والثالث في بلدة يركا الدرزية، وجميعها تقع في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948.

وحسب ما أكده المركز في عكا للعائلة، فمنذ تأسيسه عام 1936 لم يستقبل طفلا أقل من 13 عاما، يقول والد علي، “راجعت مكتب الشؤون بخصوص ذلك، وردوا علي إذا تحدثت بهذا الموضوع فسينعكس ذلك على علي بشكل سلبي”، مضيفا، “بعد أن ورطت نفسي وعلي، علمت أن هذه المراكز تابعة للاحتلال ومخابراته، أنا كنت أتمنى أن يخضع علي للحبس المنزلي مثلا ولا يمر بهذه التجربة”.

وعن خيارين أحلاهما مر، يقول علقم، “أنا أريده الآن أن يعود إلي البيت، ولكن ان خيرت بين المركز والسجن، سأختار السجن”، مضيفا، “لا أشعر بالراحة أبدا ولا أعرف أنام، فابني ينام في غرفه فيها ثلاثة مراهقين متهمين بقضايا جنائية مختلفة”.

 أدهم الزعتري خطفه مستعربون

أما أدهم الزعتري (14 عاما) فقد بدأت معاناته باختطافه على يد وحدة المستعربين في 18/تشرين ثاني الماضي، خلال تواجده في بلدة الرام، لينقل إلى سجن “هشارون” دون محاكمة، ثم إلى مركز الإصلاح في الثالث من كانون ثاني.

45  دقيقة أسبوعيا تقلصت لتصبح 40 دقيقة فقط، يجتمع خلالها أنور الزعتري بنجله أدهم تحت رقابة مشرفي المركز، بعد رحلة سفر طويل تكلف العائلة 800 شيقل، يقول أنور، “حياة أدهم وباقي أطفال القدس الخمسة صعبة جدا، هم في بيئة لا تشبه بيئتهم أبدا”، مبينا، أن طفله محتجز بمركز إصلاح مخصص للأطفال المرتكبين مخالفات جنائية.

وتتضمن لائحة الاتهام التي لفقت لأدهم إلقاء الحجارة، وتعريض حياة جنود للخطر، ويعتقد الزعتري أن وجود نجله في مركز الإصلاح فقد يكون أفضل من السجن، ثم يستدرك، “المركز هو مؤسسة مغلقة لا تختلف كثيرا عن السجن، هو محروم من كل شيء، ولا أستبعد أن ينقل في أي لحظة إلى السجن، كما أخشى أن يتعرض لغسيل دماغ وتتغير أفكاره”.

أدهم هو أحد اللاعبين المتميزين في فريق هلال القدس يحرم مجددا من اللعب بقرار اعتقال من الاحتلال، فيقول الزعتري إن نجله اعتقل أربع مرات، أفرج عنه في المرة الأولى بشرط دفع غرامة بقيمة خمسة آلاف شيقل، فيما أفرج عنه في الثانية بشرط الحبس المنزلي، وفي الثالثة بعد إخضاعه ووالده للحبس المنزلي مدة (15 يوما).

شادي فراح.. متهم بدون أدلة

أواخر العام الماضي عادت والدة شادي فراح من عملها ولم تجد طفلها (12 عاما) قد عاد من مدرسته كما جرت العادة، الساعة تدور ببطء وقلق العائلة التي تبحث عن نجلها الطفل يزداد، وعند الساعة السادسة مساء علمت العائلة أن نجلها معتقل بتهمة محاولته تنفيذ عملية طعن.

ففي 29/كانون أول الماضي، اعتقلت قوات الاحتلال شادي ثم احتجزته في المسكوبية لأربعة أيام تعرض خلالها لتعذيب قاس تضمن رشه بالماء البارد بعد إجباره على خلع ملابسه والبقاء عاريا.

والدته فريهان فراح تبين، أن الاحتلال اتهم نجلها بحيازة سكين ومحاولة تنفيذ عملية طعن، إلا أنه وحتى الآن لا يوجد أي أدلة أو تصوير يثبت ذلك، واكتفت نيابة الاحتلال بتقديم سكين للقاضي ادعت أنها كانت بحوزة شادي.

في جلسة قضائية نظمت على عجل، قرر القاضي الإسرائيلي نقله إلى مركز إصلاح في بلدة طمرة المحتلة، تعلق والدته، “هو محتجز مع أولاد أكبر منه سنا، معظمهم معتقلون على قضايا جنائية”.

” أريد أن يعود للبيت فهو طفل، بالعادة يركض اتجاهي وينام في حضي كطفل عمره سنة، غير قادرة على استيعاب أنه ينام برا البيت” تقول الوالدة المقهورة لغياب نجلها الطفل شادي، المتفوق في دراسته إضافة لنشاطه اجتماعيا ورياضيا، كما أنه أحد أعضاء فرقة سفراء فلسطين للفنون الشعبية، وتضيف، “هو محروم الآن من كل شيء، يشعر بملل باستمرار ويفقد كل الأمور التي كانت تحيطه”.

الهوية تضاعف معاناته

شادي هو ابن لأب يحمل الهوية المقدسية، فيما تحمل والدته هوية الضفة، ما حرمه من الحصول على التأمين الصحي والاجتماعي، وتتخوف الوالدة من عدم تقديم المركز الرعاية الصحية اللازمة إذا أصيب ابنها بوعكة صحية ما.

وتزداد آلام فريهان بعد أن حرمت من زيارته لتوقف الاحتلال عن استصدار تصاريح لدخول الأراضي المحتلة، “قلقانة عليه كثير، لا أنام ليل وأنا أفكر فيه، هو يبقى طفل يستيقظ ليلا بحثا عني ولن يجدني جنبه”.

من طفل مدلل، إلى أسير في سجون الاحتلال ثم إلى مراكز الإصلاح، تقول أمه، “مر شادي بظروف جدا صعبة، أول زيارة كان متوتر جدا ومعصب وغضبان، لم يتقبل أن نسأله أي شي، فقط كان يشكي من وجع وآلام رأسه، ويقول أنه مضغوط”.

وتضيف، “في آخر جلسة محاكمة له رفض الحديث معي وابتعد عني، ما عاد يشعر بالثقة والأمان، كان بالعادة يركض علي ويحضني وينام بين يدي، اليوم أصبح يخاف مني”.

مركز الإصلاح يجب أن تكون فرصة ثانية

ينص القانون الإسرائيلي على أنه لا يجوز اعتقال الأطفال، بل يجب منحهم فرصة ثانية، من خلال فرض الحبس المنزلي عليهم، أو إدماجهم في مراكز الإصلاح، وتبين المحامية نسرين عليان، أن القانون الإسرائيلي يرى أن من هم أقل من (12 عاما) لا مسؤولية جنائية عليهم، أما من تتراوح أعمارهم بين (12-14) عاما فعليهم مسؤولية جنائية، لكن حسب القانون الجاري لا يجوز اعتقالهم كعقوبة تفرض عليه، بل يجب تحويلهم لمركز إصلاح.

إلا أنه وبعد قضية الطفل أحمد مناصرة المحتجز الآن في أحد مراكز الإصلاح، ارتفعت أصوات اسرائيلية تطالب بتغيير القانون واعتقال من هم دون (14 عاما)، وتوضح عليان أن القانون الحالي يبقي الطفل في مركز إصلاح حتى يتجاوز (20 عاما) كبديل للاعتقال في السجن، موضحة، أن التغيير المطروح يطالب بإرسال الأطفال لسجن خاص بهم وبعد أن يتجاوزوا (18 عاما) يتم تحويلهم لسجن البالغين.

مركز الإصلاح هي بديل للسجن، إلا أن كلاهما مؤسسة مغلقة، وتفرق عليان الأول عن الثاني، أنه في الإصلاحية يتم تنفيذ برامج ضمن إطار ممنهج على عدد صغير ومحدود من المحتجزين فيه.

برامج لغسل الدماغ وتهويد الهوية

على ماذا تركز البرامج التي تطرح في مراكز الإصلاح الإسرائيلية؟! يبين الناطق باسم أهالي الأسرى المقدسيين أمجد أبو عصب، أن البرامج التي تُطرح هدفها تغيير أفكار الأطفال وزرع أفكار جديدة بعيدة عن همهم الوطني، حيث تركز على حقوقهم الشخصية والجنسية، وحقهم القانوني في علاقتهم مع عائلاتهم.

“كلها أفكار دخيلة على المجتمع الفلسطيني، هدفها تهويد الهوية وتوجيه الأطفال نحو طريق مختلف عن الخط الوطني”، يقول أبو عصب، مبينا، أن أحد الأطفال المقدسيين دخل مراكز الإصلاح الإسرائيلي وخرج منها فيما بعد مرتبطا مع مخابرات الاحتلال.

عدد من أطفال القدس معتقلون في مراكز الإصلاح الإسرائيلية على خلفية أمنية، قبل انتفاضة القدس، إلا أن تنفيذ إجراءات محاكمة سريعة للأطفال ونقلهم إلى المركز، جعل هيئة الأسرى في القدس غير قادرة على إحصائهم أو معرفة، حسب ما أوضح أبو عصب.

يشار إلى أن المؤسسات الرسمية الفلسطينية، والحقوقية المحلية والدولية، لا تعترف بهؤلاء الأطفال كأسرى بيد الاحتلال، ولا تتابع شؤونهم ولا تطلع على ظروف اعتقالهم، ولا تنتبه لما يتعرضون له من انتهاكات، كما لا تصرف لهم مستحقات تساعد عائلاتهم التي هي من ذوي الدخل المحدود.

نُشر هذا الموضوع لأول مرة في شبكة قدس الإخبارية