قبل وفاته بشهرين حاول المرشد الأعلى للثورة الإيرانية معالجة إحدى المعظلات التي نتجت عن الثورة التي قادها قبل ذلك بعشر سنوات، وهي مشكلة العقارات غير المأهولة والتي تركها أصحابها من "أعداء الثورة" وفروا أو صادرتها منهم الدولة بسبب علاقتهم بنظام الشاه الذي كان يحكم إيران، غير أن الهيئة التي كانت مكونة من شخصين مقربين جدا من آية الله الخميني، والتي كان يفترض أن تنهي عملها خلال سنتين من تأسيسها، تحولت –أي الهيئة- الآن إلى أضخم مؤسسة اقتصادية في إيران تقدر قيمتها بما يقارب 100 مليار دولار.

بناء على عمل استقصائي أعدته وكالة رويترز طيلة 6 أشهر، نشر موقع نون بوست تقريرين سابقين، كان الأول تحت عنوان "هيئة تنفيذ أوامر الإمام: 100 مليار دولار تحت يد خامنئي"، والذي تناول بالتفصيل كيفية جمع هيئة ستاد لعقارات تبلغ قيمتها 45 مليار دولار بالإضافة التجاوزات والفساد الذي جمعت من خلاله هذه العقارات، وأما التقرير الثاني والذي نشر تحت عنوان "إمبراطورية خامنئي الاقتصادية.. الموجة الجارفة"، فقد كشف اللثام عن شبكة مؤسسة استثمارية أسستها ستاد لتحويل العقارات إلى استثمارات وقامت من خلال وبطرق غير شرعية بالتغلغل داخل كل قطاعات الاقتصاد الإيراني، وكذلك داخل شركات وبنوك عالمية.

رويترز كشفت في الجزء الثالث من تحقيقاتها عن التحركات الاستثنائية للدولة الإيرانية متمثلة في آية الله خامنئي وجهاز القضاء والبرلمان على مدى السنين ماضية، وكذلك لرؤساء إيران بما فيهم الرئيس المنتخب مؤخرا حسن روحاني، حيث عملوا جميعا على إصدار سلسلة مراسيم بيروقراطية وتفسيرات دستورية وقرارات قضائية هدفت كلها وبطريقة ممنهجة إلى تمكين ستاد من فعل كل ما أرادت فعله، وحمايتها وتحصينها من أي ملاحقة من أي جهة رقابية، ودعمها في كل النزاعات التي خاضتها داخل وخارج إيران.

فبعد أشهر من تولي السلطة في 1979 مرر الخميني دستورا جديدا متكون من 175 مادة من بينها مادتان كان لهما دور محوري بالنسبة لستاد، وإحداهما وهي المادة 45 والتي تتعلق بالملكية العامة وتمنح الحكومة حق استعمال الأرض "التي تركها مالكوها" والعقارات غير المحددة الملكية"، والأهم منها هي المادة 49 والتي تسمح بمصادرة الثروة المكتسبة من خلال الأنشطة الإجرامية.

ويزعم محامون إيرانيون خاضوا معارك قانونية مع ستاد أن الحكومة تستغل القانون بتوسعها في الاستيلاء على ممتلكات المواطنين وخصوصا المادة 49 من الدستور الإيراني التي تكفل مصادرة الأصول التي حازها المجرمون بطريقة غير مشروعة، حيث قال محمد نيري، وهو محام يقيم في بريطانيا، وسبق أن تولى عددا من قضايا مصادرة الملكية كانت ستاد طرفا فيها قبل أن يغادر إيران في 2010،  أن هذه القوانين بالإضافة إلى أوامر أصدرها الخميني وخامنئي تجعل من ستاد "أداة قوية للغاية، وتفتح الباب للفساد"، قائلا: "لا توجد حدود، لا احترام للملكية الخاصة وحياة الناس الخاصة".

وتفيد وثائق اطلعت عليها رويترز، أنه بحلول التسعينات كانت المحاكم تصادر الأصول وتسلمها إلى ستاد، وبأن الهيئة بدأت في تلك السنوات بالاحتفاظ بالأموال التي تجنيها من بيع العقارات بدلا من إعادة توزيع كل العوائد على الفقراء كما كان مقررا لها في الأمر الذي أصدره الخميني وأسست لأجله.

وفي عام 2000 اعتمدت السلطة القضائية لائحة تنفيذية تمنح ستاد السلطة الحصرية على الممتلكات المصادرة باسم الزعيم الأعلى، وتمنع عددا من المؤسسات الأخرى التي كانت لها صلاحية السيطرة على المؤسسات المصادرة وفق أحكام قضائية.

وفي عام 2004 أمر خامنئي بمراجعة المادة 44 من الدستور التي تكفل ملكية الدولة للصناعات الحساسة، وبسرعة غير معهودة في المجال التشريعي، أصدر مجلس تشخيص مصلحة النظام وهو هيئة استشارية من هيئات الدولة يعينها الزعيم الأعلى، تفسيرا جديدا للمادة 44 يسمح بخصخصة صناعات كبرى، وهو ما استغلته ستاد للتغلغل داخل كل قطاعات الاقتصاد الإيراني.

وفي 2006 ومع تضخم عجز الموازنة العامة في عهد الرئيس "المتشدد"، محمود أحمدي نجاد، أصدر خامنئي أمرا تنفيذيا بخصخصة 80 في المائة من أسهم بعض الشركات المملوكة للدولة، ومن بينها بنوك وشركات للتأمين وشركات للنفط والغاز، تحت ذريعة أن هذه الخطوة ستغير "دور الحكومة من الملكية المباشرة للشركات وإدارتها إلى صنع السياسة والإرشاد والرقابة".

ومنذ ذاك الحين كانت ستاد تفوز غالبا بالأصول التي تطرحها الدولة للخصخصة، وفي سنة 2009 كانت أكبرى الصفقات التي فازت بها ستاد، حيث تفيد وثائق حصلت عليها رويترز بأن ستاد تمكنت من خلال إحدى الشركات التابعة لها من الحصول على حصة نسبتها 38 في المائة في شركة الاتصالات الإيرانية، وهي أكبر شركة للاتصالات في البلاد، في حين كان الفائز الكبير الآخر في صفقة شركة الاتصالات هو الحرس الثوري، التابع بدوره لخامنئي.

وخلال الفترة الثانية لرئاسة محمد خاتمي، سعى الأعضاء المعتدلون في البرلمان إلى تقصي وضع ستاد، غير أن مجلس صيانة الدستور، وهو هيئة تضم رجال دين وقانونيين محافظين يعينهم خامنئي بشكل مباشر أو غير مباشر، أصدر إعلانا مستعجلا يمنع البرلمان من تتبع ستاد ويجعلها خارج نطاق اختصاصات السلطة التشريعية.

وعلى إثر انتخابات 2008، وبعد وصول أغلبية منتمية للتيار "المتشدد" المعروف بولائه الشديد لخامنئي، وفي أولى خطوات البرلمان الجديد، عدل المجلس لائحته الداخلية ليحد من سلطته في التدقيق في شؤون المؤسسات الواقعة تحت إشراف خامنئي إلا بإذن منه.

ويذكر أن مؤسس الجمهورية الإيرانية، آية الله الخميني كان يعمل من بيت متواضع في شمال طهران مع عدد صغير من المساعدين، في حين يعيش، القائد الأعلى الآن، آية الله خامنئي، في مجمع ضخم في طهران، يضم مباني عديدة من بينها قاعة كبيرة يلقي فيها خطبه، كما يقول موظف سابق في ستاد وآخرون مطلعون على عملياتها إنها تساهم في تمويل مكاتب خامنئي الإدارية التي تعرف باسم بيت الرهبر أو دار الزعيم، ويعمل فيها زهاء 500 شخص معظمهم مستقدمون من الحرس الثوري وأجهزة الأمن، وكلهم شديدو الولاء لخامنئي.