دونالد ترامب

احتفل المرشح للرئاسة الأمريكية عن الحزب الجمهوري دونالد ترامب مؤخرًا بفوزه في المرتبة الأولى ونيله 35 بالمئة من أصوات الجمهوريين في الانتخابات التمهيدية في ولاية نيوهامشير، الأمر الذي عزز آماله في الحصول على بطاقة الترشح في السباق الرئاسي بعد أن حل ثانيا في آيوا رغم استطلاعات الرأي التي منحته الصدارة. إلا أن هذه النتيجة أثارت قلق منظومة الحزب الجمهوري التي قد يكون فوز ترامب خسارة محققة لها في استحقاقات انتخابية أخرى. فلماذا قلقت منظومة الحزب؟ ولماذا لا يكون صعود ترامب في مصلحة الحزب الجمهوري؟

منظومة الحزب الجمهوري

المنظومة في الدول أو المؤسسات السياسية أو ما يعرف اصطلاحًا بالإنجليزية ”the establishment” هي المجموعة الحاكمة للمؤسسة، التي تحمل رؤية المؤسسة وتنفذ أجندتها وتشترك معها في المصالح. قد تروق الهيكليات التنظيمية للدول الحديثة والمؤسسات الحديثة للمتابعين الساعين إلى التحديث والتطوير، لكن الحقيقة أن الدولة الحديثة والمؤسسات الحديثة على حد سواء تضم بين ثناياها منظومة حاكمة تتحكم بشكل غير مباشر في صنع القرار. وقد تضم المجموعة سياسيين وإداريين وشخصيات إعلامية ومدراء شركات كبرى ومؤسسات وغير ذلك من الشخصيات والهيئات. وتكون المنظومة هذه مغلقة أو مفتوحة حسب إمكانية الانضمام إليها. ويستخدم مصطلح استابلشمنت في الغالب من قبل المعارضة الداخلية للدولة أو المؤسسة أو المنظمة.

يُعرّف معارضو الحزب الجمهوري من المحافظين منظومة الحزب بأنها الطبقة السياسية الدائمة والهيكلية التي تشكل الحزب الجمهوري. تتحكم المنظومة بقواعد ونظم الحزب، وانتخاباته، وتمول إنفاقه. وينظر إليها في الغالب على أنها نخبوية، ومعتدلة سياسيا، ومحصنة من الناخبين المحافظين. تميل منظومة الحزب الجمهوري إلى دعم المرشحين المعتدلين فكريا في إطار أفكار الحزب - الأقرب إلى يمين الوسط - والذين تأمن جانبهم، وتدعمهم في الانتخابات التمهيدية. وقد أدت سيطرة المنظومة إلى خروج ما سمي بـ”ثورة حزب الشاي” داخل الحزب الجمهوري. ويرى معارضو المنظومة داخل الحزب أنها تفضل المرشحين الذين أمضوا وقتا أطول قرب واشنطن ويملكون أفضل شبكة من العلاقات في المنظومة الديمقراطية المقابلة، بدلا من اختيار المرشح الأجدر، الأمر الذي أدى إلى دعمها مرشحين مثل جورج دبليو بوش وجون ماكين. وقد تعرضت المنظومة بعد جورج دبليو بوش إلى هزات عندما تمكن مرشحو حزب الشاي من دخول كابيتول هيل.

ينظر ناشطو معارضة الحزب الجمهوري الداخلية إلى أي جمهوري حصل على قدر من القوة في الحكومة على أنه صار جزءًا من المنظومة بصرف النظر عن أفكاره، وأنه بذلك بات أكثر براغماتية وقبولًا للمساومة السياسية عندما يواجه إحدى المشاكل الكبيرة التي تواجهها البلاد. يُعد زعيم الأغلبية الجمهورية الحالي في مجلس الشيوخ ميتش مكونيل عضو مجلس الشيوخ عن الحزب منذ عام 1985 نموذجًا مثاليًا عن الشخصيات التي تمثل منظومة الحزب الجمهوري، إضافة إلى زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ سابقًا إيريك كانتر، ورئيس الكونغرس السابق المخضرم جون بينر، وجون ماكين.

تدير منظومة الحزب الجمهوري الانتخابات على مستوى المحليات والولايات والكونغرس ومجلس الشيوخ ورئاسة الولايات المتحدة الأمريكية. وتحرص المنظومة على تنسيق عملية الترشح والحملات الانتخابية وتوزيع كوادر الحزب، فإن من شأن أي خطئ في الحسابات للفوز في إحدى الانتخابات أن يفقد الحزب فرصة الفوز في انتخابات أخرى. وهنا تأتي مفاجأة ترامب.

من يصوت لدونالد ترامب؟

أثارت شعبية ترامب انزعاج منظومة الحزب الجمهوري، وذلك لأنها تجمع عداء المهاجرين، والعنصرية، ودعم الشركات الكبيرة، والمطالبة بمزيد من تخفيض الضرائب على الأغنياء، والوطنية العسكرية، والعداء للمجموعات الخارجية، التوجهات التي تمثل الخط العام للمحافظين، بالإضافة إلى وعود برعاية صحية، وحماية التجارة، وإصلاح البنية التحتية للبلاد، وتطوير حياة الطبقة العاملة (من البِيض). يرى الناقد الثقافي تشاونسي ديفيغا في مقالته بموقع “سالون” أن نموذج ما سماه ”ترامبمانيا” (Trumpmania) ليس ظاهرة جديدة، مشيرًا إلى أنها تندرج تحت نسخة القرن الحادي والعشرين مما يصفه علماء الاجتماع والمؤرخون بـ”المنتجية اليمينية” (right-wing producerism).

تؤمن المنتجية اليمينية بأن المجتمع ينقسم إلى صانعين وآخذين. وتحاول المنتجية اليمينية تعبئة من تصفهم بـ”المواطنين الحقيقيين” ضد الطفيليات الشريرة القابعة في قاع المجتمع مثل الفقراء، والملونين، والمهاجرين، والمثليين، ومن تصفهم بالكسالى وأي مجموعة تابعة أخرى يمكن وصفها بأنها “الآخر”. كما تستعدي المنتجية الشركات الكبرى، ووول ستريت، وقطاع التمويل والبنوك الدوليَين، والسياسيين من المنظومة، ومسؤولي الحكومة أو النخب التي تصفها بأنها تعمل ضد “مصلحة الشعب”. يقول تشيب بيرليت وماثيو ليونز في كتابهما “الشعبوية اليمينية في أمريكا: أقرب ما تكون إلى الراحة” إن “المنتجية بما تحمله من تحيز هي السردية الشعبية الأكثر شيوعًا في اليمين، وهي تسهل استخدام الشيطنة واختيار كبش فداء كأدوات سياسية”.

إلى جانب المنتجية اليمينية يبث ترامب أفكارًا يمكن إدراجها وفق ديفيغا تحت أيديولوجية العرق السامي (بالألمانية Herrenvolk)، التي تمنح المجموعة العرقية الرئيسية حقوقها الكاملة، في حين تصف المجموعات العرقية الأخرى بأنها “ضد المواطنين” (anti-citizen) ولا تستحق الحقوق الديمقراطية الكاملة. يقدم ترامب وعودًا صريحة بحماية الطبقتين الوسطى والعاملة “البيضاء” من “أولئك الناس” كناية عن المهاجرين المغتصبين، والصين الماكرة، والإرهابيين المسلمين ذوي البشرات البنية في داعش والقاعدة، ويَعِد في الوقت نفسه بضمان دولة رفاه اجتماعي، وحراك اقتصادي ورعاية صحية لـ”كل الأمريكان”. في مجتمع هيرينفولك أو العرق السامي تتوزع المواطنة والانتماء بمعيار العِرق، وتُقَسّم الموارد والمكاسب والحقوق والدعم من الدولة وفق الحدود التي تفصل بين “نحن” و”هم”.

توصف شعبية دونالد ترامب بأنها عودة إلى فهم دولة الرفاه الأمريكية الحديثة الذي ساد منذ نهاية الحرب الأهلية وحتى "برامج المجتمع العظيم" (the Great Society) التي أطلقها الرئيس الأمريكي السابق ليندون جونسون في ستينيات القرن الماضي، بهدف القضاء على الفقر والعنصرية. يرى ديفيغا أنه على الرغم من التحول الذي مرت به دولة الرفاه الأمريكية في عصر النيوليبرالية إلا أن الثروة الهائلة وعدم المساواة في الدخل وأنظمة المراقبة والعقاب والتقشف هي ظواهر وبرامج صبت في مصلحة البيض من الطبقات العاملة والوسطى والعليا والغنية بالمقارنة مع الفئات الأخرى.

يضم أتباع ترامب مجموعة من الأمريكان البيض من الطبقة العاملة المستعداة والمحبطة ممن يحملون أفكارًا سلطوية. يميز المستشار في مؤسسة الاستشارات الإعلامية “برلين روزين" جوردان مايكل سميث في مقاله في “ديموكراسي جورنال” بين الطبقة الوسطى والطبقة العاملة، ويقول إن البِيض قليلي التعليم ومنخفضي الدخل يندرجون ضمن الطبقة العاملة. ويقول الباحث في معهد “بروكنغز” وليام غالستون إن المشهد السياسي الأمريكي لم يشهد حليفًا للبِيض من الطبقة العاملة في الولايات المتحدة أقوى من دونالد ترامب.

يقول عالم الاجتماع الأمريكي سيمور مارتن ليبسيت إن الميول السلطوية والتحيز العرقي يتدفقان بصورة طبيعية من الطبقات العاملة السفلى أكثر من الطبقات الوسطى والعليا، ويرى أن هذه الطبقات هي التي شكلت قاعدة النقابات العمالية النازية ومجالس المواطنين البيض في الجنوب الأمريكي المعزول ومثيري الشغب العنصريين في إنجلترا. ويشير ليبسيت إلى أن الطبقات العاملة أثبتت أنها أكثر طبقات المجتمع نزوعا نحو القومية والقومية المتطرفة. ففي عدد من الدول كان هؤلاء في مقدمة الصراع ضد الحقوق المتساوية للأقليات، وسعوا إلى الحد من الهجرة أو فرض معايير عرقية في الدول التي يقبلون منها المهاجرين. وعلى الرغم من أن داعمي دونالد ترامب ليسوا كلهم من الطبقة العاملة، إلا أن ديفيغا يرى أن هذا الوصف ينطبق على حملته الانتخابية، داعيا إلى النظر إلى أتباع ترامب على أنهم امتداد لسلطويي الطبقة العاملة ذوي الماضي الأسود. كثير من هؤلاء لا يثق بالعملية السياسية ولا يصوت في الانتخابات، وفي الوقت نفسه لا يشكل هؤلاء القاعدة الصلبة للحزب الجمهوري. ثم، كيف يمكن أن يجعل دونالد ترامب أمريكا “عظيمة مرة أخرى” وهو يدعو إلى إبعاد الملايين من الأمريكان ممن هم ليسوا بيضًا أو حتى مسيحيين؟

أظهر استطلاع للرأي أجرته جامعة “كوينينسياك” في الأول من فبراير الجاري قبل ساعات من الانتخابات التمهيدية في ولاية آيوا أن ترامب حاز 40 بالمئة من أصوات الناخبين الذين يصوتون لأول مرة، وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن ترامب حصل في انتخابات آيوا على أكبر نسبة من الناخبين الذين يصوتون لأول مرة وهي 31 بالمئة، وأنه حصل على أكبر نسبة كذلك من أصوات الناخبين لأول مرة في نيوهامشير بواقع 36 بالمئة. يرى رئيس لجنة المجمع الوطني في الحزب الجمهوري أن هناك مؤشرات على أن الخطاب الشعبوي في الحملات الانتخابية الحالية جذب أعدادًا قياسية من الناخبين للحزب الجمهوري، مشيرًا إلى أن استطلاعات الرأي المبدئية أظهرت أن 45 بالمئة من ناخبي الحزب الجمهوري هم ممن يصوتون لأول مرة، وأن 22 ألفًا منهم صوتوا في الانتخابات التمهيدية في ولاية آيوا.

مخاوف الحزب الجمهوري

يُنظر للتصويت لمرشح ليس له سابق عهد بالعمل السياسي على أنه “تصويت احتجاجي”، ويوصف المرشح الذي يعارض المنظومة السياسية للإدارة الأمريكية أو لحزبه بأنه “مرشح احتجاج” أو مرشح معارض. ويرى رئيس مجموعة أوراسيا، مؤسسة دراسات المخاطر السياسية الرائدة الواصلة بين وول ستريت وواشنطن والمتمركزة في قلب منظومة النظام السياسي الأمريكي، إيان بريمر أن مرشحي الاحتجاج نادرًا ما يفوزون في الانتخابات، لأنهم يجمعون أصوات المواطنين الرماديين الذين يصوتون في الدراسات المسحية والانتخابات التمهيدية، إلا أنهم لا يصوتون بالضرورة في الانتخابات. يصف بريمر المرشح دونالد ترامب بأنه مرشح احتجاج، ويتفق معه معظم الكتاب والمحللين للشأن الأمريكي من كلا الحزبين.

ازدادت في الآونة الأخيرة مخاوف الحزب الجمهوري من احتمالية فوز دونالد ترامب ببطاقة الترشح لسباق الرئاسة، لأن من شأن ذلك أن يخيف الناخبين المتأرجحين ممن لم يتخذوا قرارهم للتصويت لأي من الحزبين حتى الآن، ويدفعهم للتصويت للمرشح الديمقراطي. يشهد الثامن من نوفمبر المقبل سباقين انتخابيين مهمين عدا السباق الرئاسي لانتخاب أعضاء الكونغرس ومجلس الشيوخ، وتخشى منظومة الحزب الجمهوري من أن يؤدي الفوز المحتمل لدونالد ترامب إلى خسارة للحزب في انتخابات الكونغرس ومجلس الشيوخ الأمر الذي سيؤدي إلى سيطرة الحزب الديمقراطي على الرئاسة والمجلسين.

أعربت شخصيات بارزة من الحزب الجمهوري عن مخاوف بشأن الانتخابات التشريعية في عدد من الولايات، وبالأخص نيوجيرزي وبنسلفانيا. يقول الحاكم السابق لولاية بنسلفانيا الجمهوري توم ريدج إن من شأن وجود ترامب على رأس قائمة الحزب الجمهوري أن يخلق مشاكل كبيرة للحزب، داعيًا حزبه إلى أن يدرك على المستوى الوطني أن المرشح الرئاسي قد يكون له تأثير إيجابي أو سلبي على السباقات الانتخابية الأخرى التي يخوضها الحزب. وقد وافق ريدج عشرات السياسيين والموظفين والعاملين في إطار الحزب في بنسلفانيا ونيوجيرزي، ووصف أحدهم السباق الرئاسي لهذا العام بأنه الأصعب توقعًا على الإطلاق. يقول رئيس مقاطعة تشيستر في ولاية بنسلفانيا فال ديجورجيو إن هذه المخاوف تسيطر على نقاشات الحزب، لأن عواقبها قد لا تقتصر على اختيار الرئيس وإنما قد تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك.

الحزب الجمهوري يعيد ترتيب صفوفه

“استعدوا لحملة تضم كبار المسؤولين في الحزب الجمهوري والمانحين الرئيسيين للحزب للاتحاد ضد بديل للمرشحين دونالد ترامب وتيد كروز”، هكذا بدأ مساعد نائب مدير الأغلبية الديمقراطية السابق بيل أليكساندر ومساعد عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي السابق لويد بينتسين، برينت بودوسكي مقالته في صحيفة “ذا هيل”. يقول بودوسكي إن معظم زعامات الحزب الجمهوري يرون أن دونالد ترامب وتيد كروز لا يمكنهما الفوز بسباق الرئاسة إذا حازا بطاقة ترشح الحزب الجمهوري. تدعم هذا الرأي أربع استطلاعات للرأي (كونيبياك، وبي بي بي، وأن بي سي نوز ووول ستريت جورنال، وفوكس نوز) أظهرت أن ترامب لا يملك فرصة في الفوز بالانتخابات ضد مرشحي الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون وبيرني ساندرز.

يرى بودوسكي أن مشكلة الحزب هي أن أيًا من مرشحيه من يمين الوسط، الذين بمقدورهم أن يكونوا مرشحين للرئاسة ورؤساء ذوي مصداقية لم يتقدم في الانتخابات التمهيدية. ويشير إلى أن فوضى عارمة تسود الحزب الجمهوري، ظهرت في الأداء السيء لعضو مجلس الشيوخ الجمهوري عن ولاية فلوريدا ماركو روبيو في المناظرة الرئاسية التي سبقت الانتخابات التمهيدية في نيوهامشير الذي أدى إلى خسارته في الانتخابات وأنهى آماله في تصدر السباق، والأداء القوي لحاكم ولاية أوهايو جون كاسيك في نيوهامشير، وعودة حاكم فلوريدا جيب بوش في نيوهامشير بقوة نسبية.

يرى بودوسكي أنه في حال تقديم أي من مرشحي يمين الوسط من الحزب الجمهوري أداءً قويًا في الانتخابات المقبلة في نيفادا وساوث كارولاينا، فإن هذا المرشح سيتلقى دفعة هائلة نحو الثلاثاء الكبير (Super Tuesday) الذي سيشهد انتخابات نيل بطاقة الترشح في عدد من الولايات، وستلتحم زعامات الحزب الجمهوري والمانحون الكبار للحزب حول هذا المرشح قبل الثلاثاء الكبير. أما إذا واصل مرشحو يمين الوسط تحطيم بعضهم في الأسابيع المقبلة فإن الحزب الجمهوري سيدخل في حالة من الرعب الشامل.