ترجمة وتحرير نون بوست

على مدى عقود كانت المخيمات الفلسطينية في لبنان عالمًا مظلمًا بحد ذاته، يعيش في نسيج من الحياة اليومية الأكثر قتامة من غزة، حيث اختفت أخبار المجازر المروعة التي حصلت في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين وتلاشت أخبار الحصار الذي عانت منه مخيمات تل الزعتر وشاتيلا وغيرها خلال الثلاثين أو الأربعين سنة الماضية من قِبل الميليشيات اللبنانية، لتطغى عليها أخبار الاعتداءات الإسرائيلية والحصار المطبّق في العقود الأخيرة على غزة.

الفلسطينيون الفارون من الحرب في سوريا في السنوات والأشهر الماضية، والذين بلغ عددهم  45.000 شخصًا على الأقل، وجدوا أنفسهم ضمن لبنان في سيناريو أكثر قتامة مما كانوا يتوقعونه بكثير، وأمام هذا الواقع، قدّم المجتمع الدولي استجابة معيبة وغير كافية.

في التجمعات غير المسجلة التي يعيش ضمنها اللاجئون السوريون في مزارع الخيام في وادي البقاع، تُؤوي منازل الكارفان المؤقتة، والأكواخ البسيطة المصنوعة من الخشب والألومنيوم، الكثير من الفلسطينيين، كالأرامل اللواتي يحملن العديد من الأطفال الصغار على أيديهن، النساء المسنات اللواتي فقدن التواصل مع جميع أفراد أسرهن، الأطفال الوحيدين والمنفصلين عن ذويهم، والرجال الهزيلين والمتعبين الذين يقاسون للحصول على عمل لائق لإطعام أسرهم، بعيدًا عن عملهم في مجال الأعمال المؤقتة التي لا تكفي لسد رمق عوائلهم، ناهيك عن دفع الإيجار وأجور الكهرباء، أو شراء بطانيات وسترات دافئة لتحميهم وعائلاتهم من برد فصل الشتاء.

رغم هذه المعاناة، لم يعتد أولئك الأشخاص أن يستجدوا المال بسهولة من الغرباء، حيث يخامرهم العار واليأس مع اقتراب أي شخص غريب منهم لتقديم المساعدة؛ فقبل عشر سنوات، كان أطفال اللاجئين الفلسطينيين في سوريا الذين يعيشون ضمن مخيمات، مثل مخيم اليرموك، يخرجون من المخيمات إلى المدارس من منازل نظيفة ولامعة، يتفوقون في المدارس، ويذهبون بعدها إلى الجامعات ومن ثم إلى الوظائف، تمامًا مثل آبائهم، الذين حظوا بالأمن والكرامة.

لقد وصل هؤلاء إلى لبنان، إلى عالم لا يمكنهم التعرف عليه، بلاد كُرّس فيها التوازن الطائفي ضمن دستور الدولة؛ فالرئيس يجب أن يكون مسيحيًا ماورنيًا، ورئيس الوزراء مسلم سني، ورئيس مجلس النواب مسلم شيعي، وعلى مدى عقود، ومنذ بدء تدفق اللاجئين الفلسطينيين عقب التأسيس العنيف للكيان الإسرائيلي في عام 1948، كان هنالك شبه توافق في الآراء ضمن الطبقة السياسية اللبنانية، حول عدم وجوب منح السكان الفلسطينين من المسلمين السنيين لحقوق مدنية كاملة خشية أن يؤثر هذا العدد على التوازن الطائفي الهش للبلاد.

احتضنت لبنان حق الشعب الفلسطيني في العودة ليس تماشيًا مع المبدأ السامي لهذا الحق، ولكن خوفًا من استقرار هذه الفئة من السكان اللاجئين ضمن لبنان، وارتبط الخوف من إعادة التوطين بحرمان الفلسطينين في لبنان من الحقوق المدنية الأساسية؛ لذا، وخلف هذا الاتفاق غير المعلن، تقبع عقود من سناريوهات رؤية اللبنانيين لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين بمثابة تهديد أمني، واستمرت هذه النظرة لفترة طويلة حتى بعد أن أُجبر مقاتلو منظمة التحرير الفلسطينية على مغادرة البلاد لتونس في عام 1982.

الصراعات الفئوية لا تزال مستمرة، ومشاعل انعدام الأمن تضطرم بشكل دوري داخل بعض المخيمات، حيث يتم احتواؤها عادة من قِبل القوة المسلحة الفلسطينية الموحدة الخاصة بالمخيم، والتي يبدو من الواضح بأنها أضحت مدربة بشكل جيد كما وتحظى باحترام كبير  في شوارع المخيمات.

يمكننا اليوم أن نلاحظ وجود نقاط التفتيش المدججة بالسلاح التابعة للجيش اللبناني التي تسيطر على مداخل المخيمات، كمخيم نهر البارد، مخيم عين الحلوة، وبرج الشمالي، وإحدى أهم الوظائف التي تضطلع بها هذه القوات هي منع اللاجئين من إدخال مواد البناء إلى المخيم لتحسين ظروف السكن المتردية هناك.

القانون اللبناني والقرارات الوزارية تحظر على اللاجئين الحق التلقائي في العمل، بالضمان الاجتماعي، وبالانضمام إلى النقابات، كما يُحظر على الفلسطينيين العمل في لبنان بـ25 مجال عمل على الأقل، بما في ذلك الطب، القانون، الهندسة، والصيدلة، كما يحظر عليهم تملك الأراضي أو العقارات.

الامرأة اللبنانية الشابة عليها أن تفكر طويلًا ومليًا قبل اتخاذ القرار بالزواج من رجل فلسطيني تحبه؛ فطفلهما لن يكون له الحق في اكتساب جنسيتها أو جواز سفرها، وسيصبح مواطنًا من الدرجة الثانية في بلدها، تعوزه الحقوق وخيارات المستقبل، ويمتلك جواز سفر صالح لدخول حفنة صغيرة للغاية من البلدان.

الشاب الفلسطيني الذي يعتبر نفسه محظوظًا بما فيه الكفاية لولادته لأم لبنانية، لا يمكنه الحصول على جنسيتها، ولكنه يستطيع أن يتملك منزلًا مسجلًا باسم والدته، وقد يصبح واحدًا من ضمن نسبة الـ50% أو نحو ذلك من كافة اللاجئين الـ455.000 المسجلين في لبنان الذين يعيشون خارج الـ12 مخيمًا المعترف بهم.

يستطيع الشباب الفلسطيني الأكثر تعلمًا وحيلة في كثير من الأحيان أن يجدوا وسائل مبتكرة للعمل والبقاء على قيد الحياة في لبنان، رغم الصعوبات الغامرة التي تواجههم في سبيل ذلك، ولكن المشكلة الأكبر المعترف بها تتمثل بهجرة الأدمغة نتيجة لاتجاه الشباب الفلسطيني المثقف على نحو متزايد لاختيار مغادرة البلاد متى استطاعوا لذلك سبيلًا.

المخيمات الفلسطينية في لبنان، المزدحمة والفقيرة والمتمثلة بمخيمات نهر البارد في الشمال، شاتيلا وبرج البراجنة في بيروت، عين الحلوة وبرج الشمالي في صيدا، وصور في جنوب البلاد، تعاني اليوم من تضخم جديد في عدد القاطنين مع النزوح الحديث لحوالي 45.000 فلسطينيًا سوريًا من وادي البقاع إلى مخيمات الساحل، وتشير الأرقام إلى أن 70% من هؤلاء هم من النساء البالغات اللواتي قُتل أزواجهن وأبنائهن، أو خاضوا رحلة البحر الخطيرة على درب أوروبا أملًا بالعثور على فرصة للعمل والمعيشة، أو حتى عادوا إلى سوريا.

يعيش القادمون الجدد في المخيمات ما بين ظهرانيهم من الأشخاص الذين يعانون من مسبقًا من العوز وانعدام الاستقلالية؛ فهناك تعيش أرملة فلسطينية تعيل أربعة مراهقين، بما في ذلك ابن واحد يعاني من مرض السرطان، في غرفة واحدة فوق مأوى للحيوانات تفوح منه رائحة نتنة، وأم أخرى لخمسة أشخاص تعيش في غرفة متجمدة لا تتمتع بأي نافذة، وأحد أطفالها اختار أن ينام في مقبرة مجاورة مع عصابة من الأولاد الآخرين، وفي كل منزل تتحدث النساء عن ارتفاع معدلات التسرب من المدارس والبطالة المزمنة، وعن الأطفال الذي يحتاجون للإشراف والتدريب ولكنهم لن يحصلوا عليهما بتاتًا، كما تتحدث امرأة أخرى عن منحة داسية عُرضت على أحد أطفالها، لم تتمكن من استغلالها لأنها لا تستطيع السفر، وتدخل بعدها في عزلة من الاكتئاب العميق.

تقدم الآلاف من المبادرات الوطنية والدولية شرايين حياة صغيرة لأولئك الأشخاص الأكثر احتياجًا والذين يعانون من الإعاقة المزمنة، أما خارج المخيمات، فتتشابك الأسلاك الكهربائية غير الرسمية في شبكة معطلة كبيرة أعلى الأزقة الضيقة، كما أن إمدادات المياه والصرف الصحي والمصارف عتيقة، تعمل فوق طاقتها، غير منظمة، وتشكل خطرًا على الصحة، كما كانت على مدى عقود خلت.

منذ 16 عامًا في شاتيلا، تقابلنا، نحن مجموعة الأجانب الذين نحمل كتيبات صغيرة، برجل صرخ علينا بغضب: "نعم، تعالوا إلى هنا، إنظروا إلينا، تحققوا، وتطلعوا، ومن ثم إذهبوا بعيدًا، واكتبوا أننا نعيش هنا مثل الكلاب، مثل الكلاب"، لقد ذهلتني كلماته الغاضبة، ولم تتلاش من خلدي أبدًا؛ فلا أحد ينبغي أن يُحكم عليه بالعيش هكذا، والأسوأ من ذلك كله، هو معرفتهم بأن أبنائهم وأحفادهم سيعيشون تلك الحياة أيضًا، إن لم تكن أسوأ.

تتحدث امرأة تلو الأخرى ضمن هذه المخيمات عن الأثر العميق الذي عكسته أزمة الموارد الطويلة والمتعمقة التي تعاني منها الأونروا على عائلاتهن؛ فاليوم لم يعد يتم تمويل العلاج والأدوية والعمليات ويتوفى بعض المرضى بدون الحصول على علاج، كما أضحت المظاهرات خارج مكاتب الأونروا، بما في ذلك قيام أحد الرجال بإضرام النار في نفسه مؤخرًا، جزءًا من الروتين اليومي اليائس الذي تشهده المنظمة أمام مقرها، هذه المنظمة التي تعاني من نقص حاد وعمل يتجاوز مورادها ضمن مناطق الأزمة الخمس التي تُسأل عنها، لدرجة أن المنظمة قررت الخريف الماضي عدم افتتاح المدارس التابعة للأونروا في جميع أنحاء المنطقة، تاركة حوالي 500.000 طفلًا في الشوارع بدلًا من كونهم داخل الصفوف التعليمية.

نظام الأونروا، الذي عاش عمره البالغ 65 عامًا معتمدًا على المنح والمساهمات الطوعية لتأمين 97% من ميزانيته، لم يعد قابلًا للاستمرار، والمجتمع المدني الفلسطيني وحده من يضغط لإحداث تغيير جوهري في نظام تمويل الأونروا؛ ففي الخريف الماضي طلب مجلس منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية، وهو مجلس يضم 21 مجموعة فلسطينية محترمة، من الجمعية العامة للأمم المتحدة والأمين العام استصدار قرار يلزم الدول بتمويل الأونروا من الميزانية العامة للأمم المتحدة.

كما ناشدت المنظمة أيضاً لتمديد صلاحيات الأونروا بما يسمح لها بوضع حد لفجوة الحماية القانونية الحالية التي يعاني منها اللاجئون الفلسطينيون الذين لا يتمتعون بحقوق مماثلة لتلك التي يتمتع بها اللاجئون الآخرون تحت مظلة حماية مفوضية شوؤون اللاجئين، علمًا بأن الوضع الحالي للاجئين الفلسطينين يعكس الصورة التي تم على أساسها تأسيس الأونروا في عام 1948 باعتبارها منظمة تعمل على جسر فجوة مشكلة مؤقتة، ولكن للأسف، لا يوجد سلطة دولية أو فلسطينية تتمتع بالشجاعة اللازمة لإدراج هذه النقاط على جدول الأعمال، تاركين بتخاذلهم هذا جيلًا آخر من الفلسطينيين المغيبين ليعيشوا حياة من غير المفترض أن يعيشها أحد.

ضمن هذه الخلفية القاتمة، وُجدت مبادرات محلية صغيرة أسسها أفراد لبنانيون وفلسطينيون وسوريون، حاولوا من خلالها تحويل زوايا الأزمة، وأظهروا عار عجز العالم على الملأ؛ ففي زقاق ضيق في شاتيلا تنشط جمعية خيرية أسسها شباب سوريون تدعى بسمة وزيتونة، عملت على مدى العامين الماضيين من خلال فنها وممثليها على جعل مركز الجمعية مجتمعًا نابضًا بالحياة، يضم مكتبة، 700 طفلًا مندفعًا للدراسة للمرة الأولى في حياتهم على الغالب، مكانًا لتعليم الأمهات القراءة والكتابة لأول مرة، مركزًا للتطريز، ومنحًا للأعمال التجارية الصغيرة المبتدئة ولتجديدات المنازل.

أما على بعد ساعة من شاتيلا جنوبًا على الساحل في صيدا، فتم افتتاح مدرسة ثانوية بُنيت حديثًا للاجئين السوريين، مدرسة تدعى إنساني، حيث يقوم فيها المعلمون من سوريا ولبنان وفلسطين، بتقديم الدروس مجانًا ضمن بيئة إبداعية، مما يضمن، على الأقل، بأن هؤلاء الأطفال لن يشبوا كـ"جيل ضائع"، كما يريد الداعمون الخارجيون للحرب السورية لهم أن يكونوا.

المصدر: ميدل إيست آي