برغم حالة الغضب التي انتابت البعض على مواقع التواصل من اختيار وزراء الخارجية العرب – مع تحفظ البعض – لوزير خارجية مصر السابق “أحمد أبو الغيط” ليصبح الأمين العام الثامن لجامعة الدول العربية، فقد اعتبر كثيرون أن “ابو الغيط” هو الرجل المناسب للمكان المناسب”، فتاريخه الدبلوماسي بلا انجازات تذكر، والجامعة معروف عنها أنها “بلا مواقف”، ومواقفها – خصوصا في الآونة الاخيرة – أصبحت داعمه للعدوان الروسي على شعب دولة عربية.

وجاء اعتذار المملكة المغربية الشهر الماضي عن استضافة القمة العربية الدورية التي كانت مقررة في أبريل المقبل قائلة إن السبب هو رغبتها في تجنّب تقديم أي “انطباع خاطئ بالوحدة والتضامن” في خضم تحولات يمرّ بها العالم العربي، ليكشف حالة الضعف للجامعة ومن ثم عدم قدرة رؤساءها إصدار أي قرارات في القضايا العربية الملتبسة خصوصا سوريا واليمن والعراق وليبيا.

وحتى طريقة اختيار أبو الغيط جاءت غامضة، فقد أثار تحفظ دولتي قطر والسودان على اسم أبو الغيط، ارتباكا للاجتماع الوزاري الذي عقد الخميس 10 مارس، وطالبت قطر في وقت سابق اليوم تأجيل التشاور حول منصب الأمين العام الجديد لمدة شهر.

وأغلقت الجامعة القاعة الكبرى في نهاية اليوم، وسط مغادرة الوفود المصاحبة لوزراء الخارجية، ولكن وزير الخارجية سامح شكري قام بجولات مكوكية على الوزراء، وتكثفت الاتصالات، داخل أروقة الجامعة العربية، ليفاجئ الجميع ببيان يعلن بالتوافق على أبو الغيط وإعلانه الأمين العام الثامن لجامعة الدول العربية، “في جلسة مغلقة”.

وبهذا يصبح “أحمد أبو الغيط” القادم من عصر الانحطاط ما قبل الربيع العربي، وحامل لقب “آخر وزراء الدبلوماسية المباركية” (تولى الخارجية من يوليو 2004 حتى مارس 2011)، الأمين العام للجامعة العربية للسنوات الخمس المقبلة خلفا للأمين العام الحالي الدكتور نبيل العربي والذي تنتهي ولايته في 30 يونيو المقبل.

فقد شغل أبو الغيط (74 عاماً) منصب وزير الخارجية خلال السنوات السبع الأخيرة في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك وأُقيل من منصبه بعد أسابيع من الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بمبارك عام 2011.

وسبق هذا تجدد الحديث عن دورية المنصب ولا يكون قاصرا على مصر، فمنذ تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945 شغل مصريون منصب الأمين العام باستثناء التونسي الشاذلي القليبي الذي شغل المنصب عام 1979 بعد نقل مقرّ الجامعة إلى تونس احتجاجاً على اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، وعادت الجامعة العربية إلى القاهرة عام 1990.

دعم اسرائيل وكسر أرجل الفلسطينيين

وأبرز مواقف ابو الغيط كانت حيث التقطته الكاميرات وهو ممسك بيد نظيرته الإسرائيلية تسيبي ليفني بعد أن اختل توازنها عقب انتهاء مؤتمر جمعهما، في ديسمبر 2008، أعلنت فيه أن “بلادها ستخوض حربا ضروسا على غزة”، لتتحول الصورة الفوتوغرافية إلى “سقطة” لا تزال تطارد الرجل حتى الآن.

وكانت صدمة كبيرة حينما ظلت “ليفني” تهدد وتتوعد غزة من قلب القاهرة، بينما “أبو الغيط” محتفظا بهدوء ملامحه رغم إعلان إسرائيل من قصر الاتحادية الرئاسي الاعتداء على قطاع غزة قبل يومين فقط من بدء حرب استمرت 23 يوما، وراح ضحيتها أكثر من 1450 شخصا وأصيب أكثر من 5450 آخرين.

وبالمقابل، وفي ذروة العدوان الصهيوني على غزة، صدرت منه تهديدات بقطع أرجل أي فلسطيني يتخطيا الحدود مع مصر، ما يثير علامات استفهام حول كيفية تعامله – كأمين عام – مع القضية الفلسطينية، وحركة المقاومة “حماس”، وهل سيواصل مهاجمتها واتهامها بـ”الارهاب”؟.

ولذلك يقول السفير “عزت سعد”، والذي زامل أبو الغيط لمدة عامين في سفارة مصر لدى موسكو، لموقع “أصوات مصرية”، إن “أبو الغيط أمام تحد حقيقي وصعب، وهو تحويل الجامعة العربية من كيان بلا روح إلى كيان حقيقي يخدم العرب ويحقق مصالحهم وينفذ طموحاتهم”.

ففي عام 2008 وخلال التوتر الشديد الذي نشب عند معبر رفح بين الفلسطينيين وقوات الأمن المصرية عقب القصف الاسرائيلي العنيف للقطاع ومحاولة الألاف الفرار من القصف عبر مصر، أطلق أحمد أبو الغيط أكثر التصريحات التي أثارت غضب قطاع كبير من الشعب العربي، حينما قال: “مصر ستكسر رجل أي فلسطيني يتخطى حدودها”.

وأثناء الحرب في غزة وجه أبو الغيط” اللوم” لحركة حماس، وحملها مسؤولية ما يحدث، بدلا من أن يدين العدوان الصهيوني، وصرح بأن “مصر قامت بتحذير حماس منذ فترة طويلة بأن إسرائيل ستقوم بالرد بهذا الأسلوب”، مضيفا: “فليتحمل اللوم هؤلاء الذين لم يولوا هذا التنبيه أهمية”!.

العداء لقطر

وجاء التحفظ القطري على اختيار ابو الغيط أمينا عاما لأنه سبق أن اظهر عداءا لقطر خلال ولايته لوزارة الخارجية.

وقد أيضا ارتكب أبو الغيط خطأ أخر عندما اعترف “أيوه مصر أفشلت قمة غزة”، ففي احدى اللقاءات التلفزيونية، كشف أحمد أبو الغيط، عن أن مصر هي التي أفشلت قمة قطر لدعم غزة أُثناء العدوان عليها لأنها لم تكن على رغبة الرئيس المخلوع حسني مبارك وقتها.

وقد علق أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة، حينئذ على إفشال مصر لقمة دعم غزة، قائلًا: “ما إن يكتمل النصاب لعقد القمة العربية حتى ينقص ..حسبنا الله ونعم الوكيل”.

وقال: “أن أمير قطر أنقلب على رؤساء الدول العربية لحساب الولايات المتحدة الأمريكية لتنفيذ خططها في الوطن العربي”.

مصر ليست تونس

أبو الغيط، 74 عاما، كان له تصريح شهير أيضا ينفي فيه أن ثورة ستحدث في مصر، حيث ظل ينفي أن يحدث في مصر ما جري في تونس، وكان صاحب العبارة الشهيرة عقب 25 يناير “إن مصر ليست تونس”، واصفاً توقع انتقال أحداث تونس لمصر بأنه “كلام فارغ”.

وظلت تصريحات أحمد أبو الغيط أثناء ثورة 25 تسخر منها، ولا يتوقع نجاحها، حتي تنحي الرئيس مبارك وهو من بعده، حيث قال إن مصر ليست تونس .. واصفاً كل حديث عن ثورة مصر بأنه “كلام فارغ، إلا أنه أعلن موقفه من الـ “فيسبوك” رسميا، من خلال برقية رسمية صادرة عن مكتبه تحذر الدبلوماسيين المصريين من الدخول إلى الموقع الاجتماعي.

كما أصدر أثناء الثورة مرسوما يهدد فيه الدبلوماسيين المصريين بالفصل من العمل لو ثبت ذهابهم لميدان التحرير.

أيضا اتهم أبو الغيط في تصريحات له، الشباب المصري المشاركة في الثورة حينها بالعمالة لصالح أمريكا، مشيرًا إلى أن “التجهيز لثورة 25 يناير بدأ منذ عام 2005 والتي شهدت خلافات بين الولايات المتحدة ومصر في عهد الرئيس المخلوع حسنى مبارك”.

وأضاف، أن أمريكا كانت تنفق “بتوحش” على منظمات المجتمع المدني والتي بلغت قيمتها محو 250 مليون جنيه سنوياً، لافتا إلى أنه قام بإخبار مبارك بتلك التمويلات والأهداف منها.

وقال أبو الغيط، حينئذ أن خطة الأمريكان وحلفائهم لإسقاط مصر كانت تعتمد على تدريب منظمات المجتمع المدني، قائلا إن المصريين كان لديهم رغبة في التغيير أثناء عهد مبارك، إلا أن المساعدة الأمريكية هي التي أسهمت في ذلك.

أزمة قتل سفير مصر في العراق

وتعد أزمة مقتل السفير المصري في العراق إيهاب الشريف في يوليو 2005، أحد أكبر الأزمات التي واجهت أبو الغيط عقب عام واحد من توليه حقيبة وزارة الخارجية المصرية، حيث اتهمه معارضوه بـ “الجهل” بسبب الدفع بالشريف إلى العراق رغم عمله الدبلوماسي السابق بإسرائيل والذي جعله هدفا للجماعات المسلحة هناك، التي اختطفته وقتلته.

وقُتل “الشريف” عقب أيام من اختطافه على يد أفراد من تنظيم “القاعدة في بلاد الرافدين” والذي كان يتزعمه أبو مصعب الزرقاوي، وقِيل في بيان أعلنه التنظيم آنذاك إن مقتل الشريف جاء بسبب عمله الدبلوماسي في إسرائيل، وذلك ضمن مقطع مصور ظهر فيه الشريف معصوب العينين.

الجامعة “ثلاجة” الدبلوماسيين المصريين

يبدو أن “أبو الغيط” سوف يختم حياته الدبلوماسية بلا إنجاز جديد في الجامعة العربية التي توصف بين بعض الدبلوماسيين المصريين بانها “ثلاجة” الدبلوماسيين المصريين، نظرا لضعف تأثيرها وعجزها عن تحقيق هدفها في لم الشمل وتحقيق الوحدة العربية.