مسلمون يؤدون الصلاة بمسجد في دوشنبه عاصمة طاجيكستان

ترجمة وتحرير نون بوست

خلّف انهيار الاتحاد السوفييتي دولة طاجيكستان المستقلة التي كانت مثقلة بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية الحادة التي استمرت حتى يومنا هذا، وعلى وجه الخصوص، عانت الحكومة الطاجيكية من علاقة مضطربة مستمرة مع الجذور الإسلامية، حيث مارست العديد من المحاولات لتقليص دور الدين في الحياة اليومية؛ فمن بين قيود أخرى فرضتها على ممارسة الشعائر الدينية، قامت السلطات بإغلاق عشرات المساجد في جميع أنحاء البلاد بشكل تعسفي، تغريم النساء لارتدائهن الحجاب، وحتى منعت الآباء من تسمية أبنائهم بأسماء عربية، ووفقًا للتقديرات الأخيرة، قامت الشرطة بحلق ذقون حوالي 13,000 رجلًا بالقوة.

بعبارة أخرى، امتلكت طاجيكستان ما يرقى ليكون أشد قوانين العالم تقييدًا للحرية الدينية في عالم اليوم، ولكن الجزء الأكبر من العالم لم يلقِ بالًا لهذه الحقيقة، حتى تسربت مؤخرًا الأخبار في مايو الماضي التي توضح انشقاق رئيس القوات الخاصة الطاجيكية المدرَّب أميركيًا، جولمورد خاليموف، من منصبه لينضم إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الذي نشط مؤخرًا قرب حدود طاجيكستان في أفغانستان، وفي مقطع فيديو على اليوتيوب، برر خاليموف انشقاقه من منصبه للانضمام لداعش، بحملة حكومته على المسلمين.

المفارقة هنا بالنسبة لبلد حاول القضاء على الدين، هو ظهور حزب النهضة الإسلامية في طاجيكستان باعتباره الفصيل المعارض الديمقراطي الوحيد القابل للحياة في الدولة التي يحكمها الرئيس الطاجيكي، إمام علي رحمن، منذ عام 1992، ولكن في سبتمبر الماضي، وبدون أدلة موثوق بها، حظرت السلطات هذا الحزب لنشاطه الإرهابي، زاعمة بأنه كان قد شارك في محاولة انقلاب إسلامي، ومن خلال حظره للمعارضة السياسية وتنكيله بجميع أشكال الإسلام، أسس رحمن ظروفًا مواتية لانتشار داعش وغيرها من الأيديولوجيات المتطرفة في البلاد.

في نواح كثيرة، يعد حزب النهضة الإسلامية، الذي بدأ كحركة إسلامية خفية في ظل الاتحاد السوفييتي الملحد رسميًا وبرز كحزب سياسي حقيقي بعد استقلال طاجيكستان في عام 1991، نقيض تنظيم داعش بشكل تام، حيث كان يشكّل صوت الإسلاميين المعتدلين الذين شاركوا في الحياة السياسية العملية، كما كان قادرًا على تمثيل مصالح المسلمين، ومن هذا المنطلق، كان حزب النهضة الإسلامية ظاهرة فريدة من نوعها ضمن سلطوية آسيا الوسطى الحالية وقمعية الاتحاد السوفييتي السابق، حيث كان الحزب الإسلامي الوحيد المسجل قانونيًا في المنطقة، وفي جزء من العالم انتهجت فيه الحكومات نهجًا علمانيًا حازمًا، كان وجود حزب النهضة الإسلامية دليلًا على أن الإسلام والديمقراطية يمكن أن يتعايشا بنجاح.

داخل طاجيكستان نفسها، لم يكن حزب النهضة الإسلامية يتمتع بتمثيل رسمي كبير في البرلمان، حيث احتل مقعدان فقط من أصل 63 مقعدًا لسنوات طويلة، ولكنه لعب دورًا كبيرًا ضمن المجتمع المدني النشط نسبيًا ضمن البلاد؛ فهذا الفضاء المقيد للغاية ولكن المهم للغاية للنشاط السلمي والذي تم شغره من قبل حزب النهضة، حزب المعارضة الديمقراطي الاجتماعي الصغير، المنظمات غير الحكومية، والصحفيين، كان حتى وقت قريب ميزة فريدة للحياة السياسية في طاجيكستان، كما أنه كان يشكل الإرث الناجح للحرب الأهلية التي شهدتها البلاد ما بين عامي 1992 و1997.

خلال الحرب، كان حزب النهضة الإسلامية جزءًا من المعارضة الطاجيكية المتحدة، التي جمعت ما بين القوى الليبرالية والإسلامية وخاضت حربها ضد الحكومة المركزية، وتمخض الصراع، الذي استمر لخمس سنوات وأسفر عن مقتل أكثر من 50.000 شخصًا، عن اتفاق سلام شكّل أساسًا للنظام السياسي الهش ولكن الفاعل في طاجيكستان، حيث ضمنت مفاوضات السلام نسبة 30% من المناصب الحكومية لجماعات المعارضة، مثل حزب النهضة الإسلامية، ولكن تبين فيما بعد الصعوبة المتزايدة لتحقيق هذا الوعد.

رغم محاولات الحكومة الطاجيكية المستمرة لتهميش الحزب، إلا أنه ولسنوات عديدة كان يبدو بأن معارضة حزب النهضة الإسلامية المعتدلة، والتي قُدرت في عام 2015 بأكثر من 43,000 عضوًا، ستضحي سمة مميزة طويلة الأجل للحياة السياسية في طاجيكستان، ولكن على مدى العقدين الماضيين، وفي ظل الحكومة الاستبدادية لرحمن، شددت دوشانبه الخناق على ممارسة الشعائر الدينية وضيّقت على أي منافسة سياسية حقيقية، حيث صدر قانون في عام 2009 يضفي طابعًا رسميًا على فرض حظر لارتداء الطالبات للحجاب، وبعد ذلك بوقت قصير، بدأت الحكومة المركزية بإغلاق المساجد غير المرخصة في جميع أنحاء البلاد، ولعل التطور الأكثر إثارة حدث في عام 2011، عندما حظرت السلطات أي شخص دون سن الـ18 عامًا من حضور الخطب الدينية في المساجد أو الكنائس أو الكنيس، حتى لو كان يرافقه شخص بالغ، باستثناء حالات الجنازات.

ازداد الوضع سوءًا في سبتمبر عام 2015، عندما اُتهم حزب النهضة الإسلامية بالمساعدة على محاولة إحداث انقلاب إسلامي، حيث اندلعت اشتباكات في طاجيكستان في 4 سبتمبر بين المسلحين الذين يقودهم نائب وزير الدفاع السابق، عبد الحليم نزار زوده، وقوات الحكومة ، مما أسفر عن مقتل أكثر من 26 شخصًا بينهم تسعة من رجال الشرطة ونزار زوده ذاته، وحينها أصدر حزب النهضة الإسلامية بيانًا يدين فيه كلًا من رواية الحكومة حول الأحداث وانتفاضة نزار زوده، موضحًا بأن الأخير لم يكن عضوًا في الحزب.

ولكن مع ذلك، وبعد يومين فقط، اعتقلت دوشنبه العشرات من قادة حزب النهضة بدون أي أدلة تتمتع بالمصداقية تربطهم بأحداث العنف التي شهدتها البلاد، وفي الأشهر التي تلت ذلك، وُسّعت الحملة لتشمل أي شخص كان عضوًا في الحزب، أو أي شخص ذو صلة مع أعضائه، وحتى المحامين الذين كانوا يعملون لصالح الحزب، وبالمحصلة، أشارت التقديرات إلى أن طاجيكستان اعتقلت حوالي 200 شخصًا من النشطاء السياسيين في تلك الفترة.

جاءت هذه الاعتقالات عقب نمط أوسع من القمع السياسي الممارس في طاجيكستان، حيث تدهور خلال هذه الفترة سجل البلاد في مجال حقوق الإنسان بشكل مطرد وسط حملة قمع مستمرة على حرية التعبير؛ فمنذ نهاية الحرب الأهلية في عام 1997، خلقت وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة نمطًا من عبادة الشخصية صوّرت ضمنه الرئيس إمام علي رحمن باعتباره "ضامنًا للسلام والاستقرار"، كما سعت حكومته على نحو متزايد للقضاء على الأصوات المستقلة، منافسي حقبة ما بعد الحرب الأهلية، وأي معارضة محتملة داخل وخارج البلاد، ولتحقيق هذا الهدف، ضيّقت السلطات الخناق على الصحفيين المستقلين، وكثيرًا ما عمدت إلى حجب العديد من المواقع الإلكترونية، بما في ذلك الفيسبوك، يوتيوب، وبريد الجي ميل، بالإضافة إلى إغلاق مواقع وسائل الإعلام المستقلة، ناهيك عن قيام رحمن باستخدام تهمة الإرهاب لسجن أو لمحاولة تسليم، وأحيانًا خطف، المعارضين أو المنتقدين، كما تفيد بعض المنظمات غير الحكومية المستقلة بأن حالات التعذيب وسوء المعاملة في السجون ضمن طاجيكستان أضحت منتشرة على نطاق واسع.

تلقي المحاكمة التي يتلقاها أحد أعضاء حزب النهضة الإسلامية، رحمة الله رجب، بظلال الشك على رواية الحكومة حول إرهاب الحزب، حيث صرّح رجب، الذي تلقى تدريبه كصحفي قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، لهيومن رايتس ووتش في عام 2013 بأنه انضم إلى حزب النهضة الإسلامية لأنه لا يثق بتاتًا بالحكومة المركزية، التي يراها تعوّل باستمرار على الموروثات الخاطئة للاتحاد السوفييتي، وكالعديد من أعضاء حزب النهضة، لم يكن رجب مهتمًا بإقامة دولة إسلامية في طاجيكستان، بل كان يأمل بأن يحظى الدين بدور أكبر في المجتمع، ومن خلال مقارنته لحزب النهضة الإسلامية بمختلف الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية المسيحية في أوروبا، أكد رجب بأن حزبه قد دعا دائمًا وبشكل صريح للفصل بين الدين والدولة العلمانية ولإعطاء الأولوية لتوسيع فرص تعليم وعمل النساء.

اليوم، وبعد حظر حزب المعارضة الأصلح في طاجيكستان، واتهام كبار أعضائه وقادته بتهم الإرهاب، قد يقضي رجب وآخرين نتيجة للمحاكمة ما يصل إلى 20 عامًا وراء القضبان، علمًا بأن إدانتهم بهذه التهم، وهي النتيجة المرجحة جرّاء انعدام استقلال القضاء، من شأنه أن ينعي موت تجربة طاجيكستان في سياسة التعددية الحزبية، فضلًا عن أنه سيرسل رسالة صارخة إلى شعب طاجيكستان بأنه لن يتم التسامح مع أي انتقادات للحكومة.

مع تلاشي الحيز السياسي الشرعي وخفوت الأصوات الإسلامية المعتدلة، سيصل الشعب الطاجيكي إلى قناعة بأن الديمقراطية لن تنجع، وبأن العنف هو الحل، والجماعات المتطرفة، كداعش، تنتظر اليوم على أطراف البلاد لاستغلال مثل هذه المشاعر.

اليوم، يعيش شهرت، نجل رجب، خارج البلاد في الخفاء، خوفًا من اعتقاله في حال عودته إلى الوطن، ويبدو بأن الشاب متوجس من أن يلقى مصير أترابه من الطاجيكيين الآخرين الذين يعيشون في بلدان مثل روسيا البيضاء، كازاخستان، قيرغيزستان، مولدوفا، روسيا، وتركيا، الذين تم اعتقالهم بناء على طلب المسؤولين المحليين في دوشانبه، علمًا بأن معظمهم شارك فقط في المظاهرات السلمية أو قام بنشر منشورات منتقدة لرحمن في الفيسبوك من خارج البلاد.

أحد الأمثلة على ذلك، هو الناشط السياسي مقصود إبراغيموف، الذي طُعن ست مرات في أحد شوارع موسكو في نوفمبر من عام 2014 بعد دعوته لإجراء إصلاحات ديمقراطية في طاجيكستان، وفي وقت لاحق، في يناير من عام 2015، قام عدة أشخاص مجهولين باختطافه من الشارع واقتادوه إلى مطار موسكو، مجبرينه على التوجه على متن طائرة إلى دوشانبيه، حيث أُلقي القبض عليه إبان وصوله، ووفقًا لمحاميه، اضطر إبراغيموف تحت وطأة التعذيب إلى الاعتراف بأن عودته إلى طاجيكستان كانت طوعية، وفي شهر يوليو الماضي، حكمت عليه المحكمة بالسجن لمدة 17 عامًا بتهمة التطرف.

تُظهر تحركات الرئيس رحمن ضد المعارضة بأن رجب وقادة حزب النهضة الإسلامية الآخرين سينضمون إلى القائمة المتوسعة باطراد للمعتقلين في السجون الطاجيكية، وهو الأمر الذي يرقى لأزمة حقوق إنسان سياسية تجاهلها شركاء طاجيكستان، مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى حد كبير، ولكن ينبغي عليهم معالجتها على وجه السرعة.

المشاكل لا تنتهي هنا؛ فإذا دمجنا تدهور سجل حقوق الإنسان مع مستويات الفساد الحادة والأزمة الاقتصادية المتصاعدة التي تشهدها البلاد فسينجم لدينا وصفة لكارثة حقيقية، حيث أسفر تراجع أسعار النفط والعقوبات الغربية المفروضة على روسيا عن تعطيل أعمال ملايين العمال المهاجرين الطاجيكين في روسيا، والذين كانت تحويلاتهم المالية إلى الداخل تبقي إلى حد كبير اقتصاد طاجيكستان الوليد على قدميه.

إذا جمعنا هذه العوامل كافة، فمن المرجح أن يشعر الشعب الطاجيكي بوطأة الحملة الدينية والسياسية لرحمن على نطاق واسع، مما يهدد بزيادة جاذبية جماعات مثل داعش، ويضع طاجيكستان، بعد عقدين فقط من حربها الأهلية الدموية، على مسار متزعزع وغير مستقر على نحو مطرد.

المصدر: فورين أفيرز