صورته على كل الشاشات، لكنه متخفٍّ عن الأنظار. ومن منبر مقابلة مسجلة، أطل على العالم في 6 حزيران /يونيو الماضي. وبدا كأنه فارس مقدام من عالم الانترنت. قال: “لست بطلاً، لكنني أرفض العيش في عالم يُسجل كل ما أقوله (...) عالم لا مكان فيه لحياة خاصة”.

نحن نتحدث الآن عن إدوارد سنودن الذي وصفته ديان فينشتاين، رئيسة لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الاميركي بأنه “خائن” لبلده، وكرر الوصف نفسه قبل أيام ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي الأسبق إبان إدارة جورج بوش الابن. 

متعاقد المخابرات الأمريكية إدوارد سنودن، الشاب المولود في ١٩٨٣، والذي ظل يعمل لصالح الاستخبارات حتى أدرك أنه لن يستطيع الاستمرار، في 2009، ترك “سي آي أيه” الى “دل” التابعة لمركز الامن القومي. وسافر الى اليابان، ومنها انتقل في 2012 الى هاواي. هناك اختفى ذات يوم في أيار /مايو المنصرم ليقود حملته في العالم الافتراضي. وخلص الى أن وكالة الأمن القومي “تهدد الديموقراطية تهديداً وجودياً”، فقرر “إنقاذ العالم من الاستبداد”.

وجّه والده رسالة الى الرأي العام الأميركي مليئة بالاشارات الى القيم الأميركية، وشبّه ولده ببول ريفير (أحد أبطال حرب الاستقلال الأميركية) المعاصر. فهو “وطني ينقذ بلده من براثن دولته”، كتب والده. “ربيتُ ابني ليكون صاحب مبادئ، ويميز بين الصالح والطالح”

الأمريكيون الآن يتساءلون عما إذا كان سنودن خائنا أم لا، بعضهم يتذكر ١٥٥ عالما في مشروع مانهاتن (والذي أنتج القنبلتين الذريتين التي ألقتهما الولايات المتحدة على مدينتي هيروشيما وناجازاكي وخلفتا مئات الآلاف من القتلى) وهم يوقعون على عريضة في ١٧ يوليو /تموز لإرسالها للرئيس الأمريكي هاري ترومان مطالبينه بعدم الهجوم بالسلاح النووي، الرئيس الذي -بالطبع- لم يستمع إلى أحد منهم، ألقى بالقنبلتين على اليابان في جريمة لم يعرف العالم مثلها.

ما فعله علماء مشروع مانهاتن كان متسقا تماما مع الوطنية والانتماء للولايات المتحدة، لكن هل كان إنسانيا؟ وهل يمكن تبرير صمتهم أو سماحهم لبلادهم بامتلاك السلاح النووي؟

إن ما فعله إدوارد سنودن تسبب في إحراج الولايات المتحدة، وسيؤدي بطريق أو بأخرى لتحسين وسائل المدافعين عن خصوصيتهم في مواجهة الدولة الحديثة، والذين من ضمنهم ملايين الأمريكيين الذين تضرروا بالفعل من الرقابة غير المسؤولة التي تقوم بها وكالات الاستخبارات وأجهزة الأمن القومي الأمريكية وغيرها.

الدول تتغير أخلاقها بتغير حكامها، ولأن السياسة لا تعترف إلا بالمصلحة، فإنه ليس من المجحف الحكم بأنه لا أخلاق للسلطة بشكل عام. ولأن السلطة في الدولة الحديثة لا هم لها إلا رقاب الناس، فإنه من الخداع أن نقول أن الأخلاق هي اتباع من في السلطة.

في حالة إدوارد سنودن فقد خالف سلطة الولايات المتحدة، التي قد تعتبره خائنا بالفعل إلا أنه لم يخالف ما اصطلح الناس على اعتباره مصلحتهم، وهو خصوصيتهم التي لابد وأن تُصان، وهو ما سيجعله بالتأكيد بطلا في أعين الكثيرين.