في تصريح لأخبار غاز قبرص يوم السبت قال تشارلز إيليناس رئيس شركة غاز قبرص: "على قبرص فعل كل ما هو ممكن من أجل ضمان استخدام الغاز الإسرائيلي عندما يصل إلى المحطة المنوي إنشاؤها للغاز الطبيعي المسال في الجزيرة وإلا فإن المشروع بأسره سيكون في مهب الريح." وقال إيليناس إن ما يقدر حجمه بخمسة تريليونات قدم مكعب من الغاز المتاح للمنطقة الاقتصادية الاستثنائية في قبرص لا يكفي ببساطة لتبرير إنشاء معمل تسييل الغاز المكلف جداً في فاسيلوكس. 

المشروع عبارة عن خطة من قبل هذه الدولة المتوسطية للولوج إلى السوق الآسيوي، والذي بات أكثر ربحية من الأسواق الأوروبية، وذلك من خلال التعاون مع إسرائيل فيما يتعلق باحتياطياتها الحالية من الغاز الطبيعي. وفي المقابل، ستحصل إسرائيل على تسهيلات تمكنها من الولوج إلى السوق الأوروبية ولن تكون مضطرة للاستثمار في مرافق إسالة الغاز الطبيعي والتي تنوي قبرص إنشاءها.

إذا ما أرادت إسرائيل وقبرص أن تصبحا مصدرتين للغاز فإن عليهما العمل معاً. إحدى الصيغ المقترحة للتعاون بين البلدين، والتي كشف النقاب عنها لأول مرة في العام الماضي، أكدها وزير الطاقة القبرصي جورغوس لاكوتريبيس في أكتوبر، الذي قال إنه بموجب المقترح سيتم ضخ الغاز الإسرائيلي المستخرج من حقل ليفياثان إلى قبرص حيث يصدر من هناك. وقال الوزير إن نيقوسيا وتل أبيب تجريان حواراً الآن على جبهتين: استخدام محطة للغاز الطبيعي المسال مقرها قبرص ويجري من خلالها دمج إنتاج البلدين من الغاز تمهيداً لتصديره واستيراد الغاز من الحقول البحرية الإسرائيلية ليستخدم في توليد احتياجات قبرص من الطاقة الكهربائية. من المعروف أن تحويل الغاز إلى سائل يجعل تصديره شحناً بالسفن ممكناً بدلاً من الحاجة إلى تمديد خطوط جديدة من الأنابيب لهذا الغرض، وبذلك يتسنى نقل الغاز إلى أماكن أبعد فيصل إلى زبائن أكثر. 

تأمل قبرص في أن تبدأ إنشاء محطة الغاز الطبيعي المسال في عام ٢٠١٦. وكانت قد أعلنت في نوفمبر عن اتفاقية مع شركة توتال الفرنسية العملاقة لإنشاء محطة الغاز الطبيعي المسال. ولن تبدأ قبرص في تصدير أنتاجها هي من الغاز حتى عام ٢٠٢٠ مقارنة بإسرائيل التي بدأت في الإنتاج والتصدير. 

كان واضحاً أنه ستكون هناك تداعيات دبلوماسية وسياسية حينما أعلن العام الماضي عن اكتشاف كميات كبيرة من احتياطي الغاز الطبيعي في المياه الإقليمية الإسرائيلية والقبرصية. فحقل غاز ليفياثان هو أكثر حقول الغاز في العالم استراتيجية من حيث الموقع وأكثرها حساسية من الناحية السياسية. هذه الحقول التي اكتشفت تحت قعر البحر على عمق سحيق على بعد ٢٠٠٠ متراً من سطح المياه وتبعد عن شواطئ كل من البلدين أكثر من مائة كيلومتر سوف تمكن إسرائيل وقبرص من أن يصبحا مصدرين للطاقة.

هذه النقلة من شأنها ليس فحسب تحويل اقتصاديات كل من البلدين بل يمكن أيضاً أن تكون لها نتائج خطيرة فيما يتعلق بالتحالفات وموازين القوة في المنطقة.

فالتحالف بين إسرائيل وقبرص هدد علاقة إسرائيل مع تركيا، تلك العلاقة المتوترة منذ حادثة أسطول الحرية إلى غزة عام ٢٠١٠. تقول الحكومة التركية بأن الاتفاق الإسرائيلي القبرصي قد يعيق مشروع مقترح لتطوير خط أنابيب الغاز الطبيعي بين إسرائيل وتركيا. كما أن التوتر قائم مع لبنان الذي يقول بأن الحدود البحرية التي جرى التوافق بشأنها بين إسرائيل وقبرص تنتهك سيادة أراضيها. 

ليس مستغرباً أن تحصل مثل هذه الخلافات إذا ما أخذنا بعين الاعتبار تعقيدات القانون البحري والتوترات الإقليمية القائمة. ولكن، هل يا ترى ستؤدي اتفاقية تصدير الغاز بين إسرائيل وقبرص أيضاً إلى فتح الباب على مصراعيه أما صفقات وتحالفات جديدة غير متوقعة؟

هناك العديد من التقارير التي تفيد بأن مصر قد تشتري الغاز من إسرائيل. ففي أكتوبر قال وزير الطاقة والمياه الإسرائيلي سيلفان شالوم في مقابلة مع إذاعة جيش الدفاع الإسرائيلي: "تعاني مصر حالياً من نقص في الغاز، وقد أبدت اهتماماً بشراء الغاز من إسرائيل. إذا ثبت فعلاً أنهم بحاجة إلى الغاز وبأن هذه الأشياء حقيقية، فإنني لا أرى سبباً يمنعنا من بيع الغاز لهم."

وهذا الأسبوع قالت صحيفة هآريتز الإسرائيلية بأن الشركة الأمريكية "نوبل إنرجي" التي تقوم على تطوير حقل غاز ليفياثان البحري الضخم أكدت بأنها خططت لاستهداف أسواق قريبة للتصدير مثل مصر والأردن بدلاً من شحن الغاز إلى أماكن أبعد من ذلك. 

إذا ما ثبتت صحة هذه الإشاعات فسيكون ذلك بمثابة انقلاب في الأدوار، فحتى مطلع عام ٢٠١٢ كانت إسرائيل تستورد كثير من احتياجاتها من الغاز من مصر، فما يقرب من ٤٥ ٪ من استهلاك إسرائيل من الغاز كان يأتي من مصر. وكانت هذه الصفقة قد أبرمت في عهد الرئيس حسني مبارك، وبموجبها كان الغاز يضخ عبر خط أنابيب يمتد بين العريش وعسقلان. ولم يكن ذلك يلقى تأييداً من كثير من المصريين بسبب مشاعر العداء لدى عامة الشعب المصري تجاه إسرائيل، ولذلك ما لبثت الصفقة أن ألغيت بعد الإطاحة بمبارك مباشرة عام ٢٠١١، فيما اعتبرته الحكومة المصرية الجديدة "نزاعاً تجارياً". 

منذ ثورة ٢٠١١ تعرض خط أنابيب الغاز لعشرات الهجمات، وكان ذلك بوضوح تعبيراً عن مشاعر العداء لإسرائيل في مصر، وإن كانت حالة الفوضى وانعدام الأمن في شبه جزيرة سيناء، حيث كانت تقع معظم الاعتداءات، قد ساهمت في ذلك. وفي إبريل (نيسان) من عام ٢٠١٢ ألغت مصر الاتفاقية التي صدرت بموجبها الغاز إلى إسرائيل. (هذا رغم أن رئيس شركة غاز مصر كان يصر في ذلك الوقت بأن "القرار الذي اتخذناه كان لأسباب اقتصادية وليس لأسباب سياسية"). 

وكم تغيرت من أمور منذ أن وقعت الاتفاقية بين البلدين. فبينما اكتشفت إسرائيل كميات هائلة من احتياطي الغاز الطبيعي، تدنى إنتاج مصر من الغاز بشكل كبير جداً. والآن تعاني البلد من نقص حاد في الغاز، وكان من تداعيات ذلك أن كثيراً من مصانعها لا تستغل بشكل جيد. والآن، يشهد الاقتصاد المصري تراجعاً متسارعاً بسبب الاضطراب السياسي الذي نجم عن الإطاحة بحكومة الإخوان المسلمين من خلال انقلاب عسكري. وما من شك في أن النقص الحاد في موارد الطاقة ستكون له تداعيات سياسية خطيرة على البلاد وعلى قادتها الجدد. 

بالنسبة لمصر، يعتبر مورد الغاز الإسرائيلي قريب المنال، وقد يكون أرخص تكلفة من غيره. وخط الأنابيب موجود، وكل ما هو مطلوب هو الضخ بالاتجاه المعاكس. 

ولكن، وبالرغم من التصريح المنسوب إلى شلومو أعلاه وما قيل عن خطة شركة نوبل الأمريكية لاستهداف مصر كسوق للغاز الإسرائيلي، إلا أن حكام مصر الجدد ينفون أنهم سيستوردون الغاز الطبيعي من إسرائيل. قال طاهر عبد الرحيم، رئيس شركة غاز مصر المملوكة للدولة، في أكتوبر: "في مجال استيراد الغاز الطبيعي المسال نحن نعمل مع الشركات وليس مع الدول. شركات النفط مثل بريتيش بيتروليوم، وشيل، وبريتيش غاز، هي التي تقوم بمهمة استيراد الغاز الطبيعي المسال." ورداً على تصريح شلومو الذي ادعى فيه أن مصر أبدت اهتماماً بالغاز الإسرائيلي، قال عبد الرحيم: "لا توجد مفاوضات ولا اتصالات، ولا شيء على الإطلاق بيننا وبينهم."

استيراد الغاز الطبيعي المسال سيكلف أكثر بكثير (حوالي ١٢ دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية) من الغاز الذي يمكن أن تضخه إسرائيل عبر خط الأنابيب إلى مصر، كما سيتطلب استيراد الغاز الطبيعي المسال إقامة محطات خاصة قادرة على استقباله. مثل هذه التكاليف لن تكون في متناول مصر التي تراودها نفسها الآن التوجه إلى صندوق النقد الدولي لينقذها من أزمتها الاقتصادية. ما من شك في أن تردد الحكام الجدد في أن يبدوا أمام الجمهور كما لو كانوا مؤيدين لمثل هذه الصفقة مرجعه إلى اعتبارات سياسية. فطبقاً لاستطلاع حديث للرأي أجراه معهد بروكينغ فإن الشعب المصري منقسم تقريباً مناصفة بين من يرغبون في رؤية مصر تحافظ على معاهدة السلام بينها وبين إسرائيل (٤٦ ٪) وبين من يرغبون في رؤية هذه المعاهدة تلغى (٤٤ ٪). 

إضافة إلى ذلك، فإن التغير في ميزان القوة - من مصدر إلى مستورد، والاستيراد من بلد تتسم العلاقات معه بالشك المتبادل، في أحسن الأحوال - قد يمثل مجازفة كبيرة تحول دون أن تقبل الحكومة المصرية على الدخول فيها، أخذاً بعين الاعتبار السياق السياسي غير المستقر في مصر حالياً. ويذكر في هذا الصدد أن الفريق عبد الفتاح السيسي الذي رتب الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو (تموز) يرغب في أن يراه الناس الوريث القومي للرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر، وإبرام صفقة لاستيراد الغاز من إسرائيل - رغم أنها مغرية من الناحية المالية - لن يحقق له ما يريد.

تطرق تقرير صادر عن معهد واشنطن مؤخراً لدراسة خيارات التصدير المتاحة أما إسرائيل وقبرص وأشار إلى ما يلي:
 
"منذ الإطاحة بنظام حسني مبارك ارتفع الطلب المحلي على الغاز الطبيعي بشكل كبير. ولم تعد مصر قادرة علي الوفاء بالتزاماتها التعاقدية تجاه كميات الغاز المفروض أن تصدرها. في أغسطس ٢٠١٣ وفرت قطر شحنات من الغاز الطبيعي المسال لإرسالها إلى عملاء مصر المتعاقدين معها. وتظل حاجة مصر إلى استيراد الغاز قائمة رغم أن مصر لا تملك حتى هذه اللحظة التجهيزات اللازمة لتحويل الغاز المسال إلى غاز. ولهذا فإن إسرائيل تظل المورد المحتمل للغاز، رغم أن ذلك سيواجه في الأغلب باعتراضات شعبية مصرية. قد يتم تجاوز هذه المشكلة إذا ما تمكنت إسرائيل من أن تصبح مصدر الغاز الذي يتزود به الأردن، وتتزود به السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية ويتزود به قطاع غزة."

يرى التقرير أن المشكلة يمكن أن تحل إذا ما أبرمت إسرائيل صفقات تصدير مع كل من الأردن والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة. وتفسير ذلك أنه إذا كانت تلك الكيانات المتحالفة مع مصر تستورد الغاز من إسرائيل فقد يصبح قرار مصر فعل نفس الشيء مقبولاً. ومع أن النظام المصري الحالي يصر على أنه يستورد الغاز الإسرائيلي إلا أن ثمة مؤشرات على وجود تعاون وثيق. بالمقابل كانت حكومة الإخوان المسلمين التي حلت محل نظام مبارك وكان يرأسها محمد مرسى الذي أطيح به في يوليو (تموز) الماضي كانت تقاوم كل أنواع العمل والتعاون مع إسرائيل. وكانت تحوم شكوك في أن مرسي لم يكن سيسمح لإسرائيل بتصدير غازها عبر قناة السويس حتى تبيعه لزبائن محتملين في الشرق الأقصى. ورد في تقرير معهد واشنطن أيضاً ما يلي: 

"إلى أن أطيح بحكومة محمد مرسي في مصر في صيف ٢٠١٣ بدا من غير المحتمل أن الحكومة التي يهيمن عليها الإخوان المسلمون في القاهرة ستسمح بعبور شحنات الغاز الإسرائيلي المسال عبر قناة السويس. (رغم أن مصر تلتزم بموجب معاهدة السلام بضمان العبور الحر إلا استخدام قناة السويس سيصبح من وجهة النظر الإسرائيلية غير مجد فيما لو بدأت مصر تفرض إجراءات تفتيش بدوافع سياسية للشحنات الإسرائيلية ولو كان ذلك بحجة التأكد من إنفاذ تعليمات السلامة). يتوقع أن يكون النظام المدعوم من قبل العسكر والذي حل محل إدارة مرسي أكثر انفتاحاً فيما يتعلق بعبور الغاز الإسرائيلي المسال من قناة السويس."

أحد خيارات التصدير العديدة التي تبحثها إسرائيل حالياً هي استخدام سعة مصر الفائضة من الغاز الطبيعي المسال. وكانت هذه القضية قد أثيرت أثناء حكم الرئيس مرسي إلا أن ذلك كان محالاً بسبب معارضته ومعارضة حزبه للفكرة. بموجب هذا المقترح يفترض أن تقوم إسرائيل باستخدام مرافق الغاز الطبيعي المسال على الساحل المصري المطل على البحر المتوسط. ويلفت تقرير معهد واشنطن النظر إلى ما يلي: 

"حينما كان ذلك موضع نقاش في بادئ الأمر، شكلت معارضة الحكومة التي يقودها الإخوان المسلمون حجر عثرة في طريق المشروع. ولكن، منذ الإطاحة بهذا النظام على أيدي العسكر في منتصف عام ٢٠١٣ عاد هذا الخيار وأصبح وارداً. في أغسطس (آب) ٢٠١٣، أبلغت شركة غاز ديليك الإسرائيلية بورصة تل أبيب بأنها تجري محادثات مع مصر حول ضخ الغاز إلى مصر لإيصاله إلى مرافق الغاز الطبيعي المسال، وأنها اقترحت استخدام نفس خط الأنابيب الممتد بين عسقلان والعريش والذي كان حتى ٢٠١٢ وسيلة نقل الغاز المصري إلى إسرائيل. كل ما هنالك أن الضخ سيكون بالعكس."

كل هذا يشير بوضوح إلى أن ثمة سبب وجيه للشك في صدقية ما صرح به رئيس شركة غاز مصر السيد عبد الرحيم حينما أكد بأنه لا توجد أي محادثات أو مفاوضات بين إسرائيل ومصر بشأن قضية تصدير الغاز من الأولى إلى الثانية. بالطبع، المعارضة السياسية المحلية ليست السبب الوحيد في تكتم السلطات المصرية حول فكرة استخدام خط الأنابيب القائم حالياً. الاعتبار المهم الآخر هو فقدان النظام في مصر للقدرة على التحكم بمقاليد الأمور في شبه جزيرة سنياء، والتي تعتبر معقلاً لجماعات العنف وميداناً لا سيادة للقانون فيه، الأمر الذي سمح بحدوث العديد من الهجمات على خط الأنابيب. 

توقف ضخ الغاز المصري إلى الأردن في شهر مارس (آذار) من عام ٢٠١٢ بعد ثلاثة عشر هجوماً منفصلاً على مغذي خط الأنابيب في العريش منذ انطلاق الثورة المصرية في مطلع عام ٢٠١١. بعض هذه الهجمات قام بها إسلاميون وبعضها قام به البدو الذين يشكون من إهمالهم اقتصادياً ومن تمييز حكومة القاهرة ضدهم. ونتيجة لاستمرار الشح في الغاز داخل مصر نفسها ما لبث توريد الغاز إلى إسرائيل أن توقف تماماً. ثم عاد ضخ الغاز إلى الأردن من جديد ولكن بمستويات أدنى بكثير من الكميات المتعاقد عليها. بمعنى اخر، خط الأنابيب الآن مستخدم ولكنه مايزال مهدداً، الأمر الذي يبعث على التساؤل عما إذا كان استخدامه في مثل هذه الظروف مفيداً على الإطلاق.

وثمة خيار آخر، وهو أن تستورد مصر الغاز من إسرائيل عبر قبرص، فمصر وقبرص ترتبطان بعلاقات صداقة حميمة، وفي عام ٢٠١٢ كان البلدان قد أعلنا عن إبرام شراكة جديدة فيما بينهما حول الغاز الطبيعي بهدف تبادل الخبرات والتجارب. 

من المثير للاهتمام أنه في نفس الوقت الذي كان ينفي فيه المسؤولون المصريون التفاوض مع الإسرائيليين حول صفقة لاستيراد الغاز، أكد هؤلاء المسؤولون أنهم يتفاوضون مع قبرص حول شراء الغاز الطبيعي منها. وقد كشف وزير النفط المصري شريف إسماعيل قبل أيام قليلة (في ٢٢ نوفمبر ٢٠١٣) النقاب عن أن مصر تجري مفاوضات جادة مع قبرص لشراء الغاز الطبيعي منها. وأومأ إلى أن ذلك سيكون خياراً أفضل من التعامل مع قطر التي "تضخم سعر الغاز الذي تزود به مصر." والأكثر إثارة في الموضوع أنه صرح أيضاً بأن استيراد الغاز من قبرص سيكون في مقابل استخدام قبرص لمرافق الغاز الطبيعي المسال المصري في إدكو. 

إلا أن قبرص لن تكون جاهزة لتصدير غازها الطبيعي حتى العام ٢٠٢٠ كما أوضح ذلك تقرير صدر مؤخراً في صحيفة نيويورك تايمز التي أكدت بأن احتياطيي الغاز القبرصي في الحقول البحرية لم يتم استخراجه وأن هذه الحقول لم يجري تطويرها بعد. بل، إن قبرص حالياً تتفاوض مع إسرائيل لاستيراد الغاز منها لتوليد ما تحتاجه قبرص من طاقة كهربائية. إذن، فإن أي اتفاق لنقل الغاز من قبرص إلى مصر (أو إلى أي مكان اخر) يعني أن هذا الغاز سيأتي بالضرورة من إسرائيل على الأقل على المدى القصير. والأهم من كل ذلك أن مثل هذا الاتفاق بين مصر وقبرص سوف يسمح بإسالة الغاز الإسرائيلي في مرافق الغاز الطبيعي المسال في مصر مما سيفتح الأسواق أما الغاز الإسرائيلي بشكل مباشر وخاصة في جنوب شرق آسيا حيث يشتد الطلب على الغاز وحيث الأسعار هناك مغرية للغاية مقارنة بالأسعار في المنطقة أو في أوروبا. وبذلك فلن تحتاج إسرائيل إلى الانتظار حتى تنشئ مرافق الغاز الطبيعي المسال الخاصة بها أو إلى انتظار تجهيز مثل هذه المرافق في قبرص بحلول العام ٢٠١٦. فالتوقيت مهم للغاية حتى تتمكن إسرائيل من الحصول على أفضل الأسعار لغازها في أسواق جنوب شرق آسيا التي تعتبر حالياً أفضل الأسواق بالنسبة للسعر. ولكن أستراليا وموزمبيق وأمريكا وكندا وروسيا كلها تخطط الآن لتصدير الغاز إلى الشرق الأقصى ابتداء من عام ٢٠١٨ أو ٢٠٢٠. فإذا تأخرت إسرائيل أو قبرص فإنهما ستفقدان هذه الأسواق أو ستضطران إلى بيع الغاز بأسعار زهيدة مما يخفض أرباحهما، ولن يبقى أمامهما خيار سوى تصدير الغاز إلى أسواق أوروبا حيث الأسعار أدنى بكثير. ولذلك فإن صفقة مع مصر تمكن الإسرائيليين من استخدام مرافق الغاز الطبيعي المسال في مصر هي السبيل الأسرع لبيع الغاز الإسرائيلي بأحسن الأسعار، الأمر الذي ما كان يمكن أن يتحقق لو ظل مرسى في السلطة. 

مع ذلك، فإن حصول مصر على الغاز الإسرائيلي من خلال قبرص ستكون تكلفته أعلى بكثير مما لو وصلها عبر خط الأنابيب، إلا أن ذلك سيكون مهضوماً سياسياً إذا ما كان النظام الحالي في مصر حريصاً أن الحفاظ على سمعته أمام الشعب المصري، كما أن هذه الوسيلة ستجنب مصر المشاكل التي قد ترافق استخدام خط الأنابيب بسبب حالة الفوضى وانعدام الأمن في سيناء. 

من شأن احتياطيات النفط الجديدة أن تجعل إسرائيل مستقلة من حيث احتياجاتها للطاقة لأول مرة في تاريخها. كما أن البلد على ثقة بأن حقول الغاز البحرية ستولد أرباحاً طائلة قد تصل إلى ٦٠ مليار دولار خلال العشرين سنة القادمة، هذا رغم وجود خلافات داخلية كبيرة حول الطريقة الأفضل لإدارة هذا المورد كما تبين من معركة قانونية طويلة حول نسبة الغاز الذي سيخصص للتصدير. 

والآن، وبعد أن تقرر أن تكون نسبة الغاز الذي يخصص للتصدير هي ٤٠ ٪ من المنتج، فإن نسبة الأرباح لن تتوقف فقط على مصر وإنما أيضاً على الشراكة مع الجيران الآخرين. فمن المحتمل أن يباع الغاز الإسرائيلي إلى المناطق الفلسطينية، وإلى الأردن وإلى تركيا، وإلى آخرين. قال تشارلز دافيدسون، المدير التنفيدي لشركة نوبل للطاقلة، أمام مؤتمر للمستثمرين انعقد في ميامي نهاية الأسبوع الأخير أنه بالرغم من أن الغاز الطبيعي المسال سيكون جزءاً من مشروع تطويل حقل ليفياثان، إلا أن أسواق التصدير الرئيسية ستكون ضمن المنطقة ذاتها، وتحديداً في مصر والأردن، وأن هذه الدول سيصلها الغاز عبر خط الأنابيب. وهذا سيمكن الشركاء في مشروع ليفياثان، وهؤلاء يتضمنون شركة نوبل الأمريكية وشركة ديليك الإسرائيلية، من البدء بالتصدير في وقت أقرب وإنجاز ذلك بتكلفة أقل. 

من الواضح أن توريد الغاز الإسرائيلي إلى مصر عبر قبرص لن يكون الخيار الأفضل من حيث المال والزمن، ولكنه سيواجه بانتقاد أقل بكثير من قبل المصريين الساخطين على الوضع داخل مصر والذين لن يعجبهم المزيد من التعاون مع دولة إسرائيل المجاورة لهم. 

ويبقى توريد الغاز من حقل ليفياثان الإسرائيلي مباشرة إلى مصر محتملاً رغم إنكار رئيس شركة غاز مصر السيد عبد الرحيم للمزاعم بوجود تفاوض حول صفقة بين البلدين، فكلامه عن أن مصر سوف تتعامل "مع شركات وليس مع دول" يبقي حيزاً لإبرام صفقة مع شركة نوبل الأمريكية. المثير للسخرية في هذا المجال أن الوزير المصري تحدث عن تفاوض مع قبرص الدولة ولم يذكر أي شركات. مثل هذه التصريحات المتناقضة للمسؤلين المصريين تبدو كما لو كانت تستهدف إخفاء المفاوضات الحقيقية التي تجري بشكل مباشر مع إسرائيل. 

أياً كان الأمر، وعلى العكس مما ذهب إليه المسؤولان المصريان، بات واضحاً أن مصر ما بعد الانقلاب مهتمة بكل تأكيد بالحصول على الغاز من إسرائيل.   

مترجم من الميدل إيست مونيتر.