مقر وحدة مكافحة الإرهاب بالشرطة البريطانية

فرضت الحكومة البريطانية إستراتيجية منذ عشرة أعوام لمكافحة التطرف داخل المملكة المتحدة، كانت أحد أبرز الملامح الجديدة لهذه الإستراتيجية التي تهدف إلى محاصرة منابع التشدد والتطرف منذ الصغر لدى الأطفال والشباب ما يعرف بأسلوب "المنع"، حيث أدت الاستراتيجية إلى منع الحديث والحوار داخل المدارس عن القضايا السياسية الكبرى وقضايا الإرهاب خشية إبلاغ السلطات.

إستراتيجية "المنع" التي تبنتها الحكومة لمواجهة ما تعده فكرًا متطرفًا رأها البعض أنها تؤدي إلى خنق النقاش والحوار في المدارس البريطانية، حيث أكدت جمعيات أهلية إن الإستراتيجية تخنق النقاش حول قضايا مهمة، حيث يتجنب الأساتذة مناقشة القضايا المهمة، مثل الانفجارات، خوفًا من أن ينقل الطلاب الحديث إلى آخرين بتهمة ظهور علامات تطرف.

يعتبر "برنامج المنع" جزءًا من إستراتيجية حكومية لمكافحة الإرهاب في بريطانيا، ويقوم على محاولة الاكتشاف المبكر لمن تظهر عليهم "علامات تطرف" والتعامل معهم قبل تحولهم لمتطرفين، كما يهدف لمنع العناصر البريطانية من السفر للقتال بالخارج ضمن صفوف الجماعات الجهادية.

البرنامج يسعى للتحديد الدقيق للأفراد والجماعات المتطرفة عبر تعاون المدارس والمساجد والجامعات مع الشرطة، والإبلاغ عن أي علامات تطرف تظهر على الأفراد والجماعات.

الحكومة البريطانية مقتنعة تمامًا بهذا الأسلوب، وتقول مدافعة عنه أن هذه الإستراتيجية أسهمت في إنقاذ كثيرين من الانجذاب إلى الفكر المتشدد، فيما روجت له الحكومة عبر وسائل الإعلام البريطانية التي تجاوبت مع رغبة الحكومة.

حيث وصفت صحيفة إندبندنت الإستراتيجية بأنها ذكية وبارعة، وقالت أيضًا أنه لكي يكون لأي إستراتيجية تجاه التطرف أمل في النجاح فإن المشاركة الحقيقية والشخصية وطويلة المدى مع السكان المسلمين شرط لا غنى عنه.

أما صحيفة التايمز أثنت بشدة على هذا البرنامج الحكومي مؤكدة أنه "نداء للعقل، وأن مكافحة التطرف هي التي ستحدد العصر الذي نعيش فيه، وقد نضطر إلى إعادة رسم الخط الفاصل بين خطاب حرية التعبير وخطاب الكراهية للتأكد من أن يسود التعقل".

وعلى جانب المسلمين البريطانيين أحد أهم المعنيين بهذا البرنامج فكان التفاعل مع الاستراتيجية ضئيلًا جدًا بحسب الإحصاءات التي تشير إلى ضعف مشاركة المسلمين فيه، وهو ما يتجلى من خلال قلة المعلومات الاستخباراتية الواردة لوحدة مكافحة الإرهاب من أعضاء الجالية المسلمة، مما عكس ضعف الثقة في هذه الإستراتيجية، بحسب محللين.

فمن بين أكثر من ثلاثة آلاف معلومة استخباراتية وصلت للبرنامج، جاء أقل من ثلاثمئة معلومة من المسلمين، وعلى الرغم من ذلك تصر بريطانيا على تعاون المسلمين التام مع الاستراتيجية والبرنامج.

فقد رأى البعض سبب هذا العزوف في اعتبار التطرف من جانب الجالية المسلمة في بريطانيا فقط، وهو ما يتعبره المسلمون هناك اتهامًا مباشرًا لهم بالإرهاب، كما يرونه رنامجًا غير واضح المعالم، ولا يحدد بشكل علمي وعادل نوع الممارسات التي تدل على التطرف، كما أن الحكومة لم تشارك هذه الجالية المسلمة الضخمة في إعداد هذا البرنامج بشكل يضمن التعاطي من قبل المسلمين مع الأمر بشكل أفضل.

البرنامج بصورته الحالية عرضة لإساءة لاستخدام من قبل أي شخص، فبحسب إجراءاته الحالية لمكافحة التطرف، يتوجب على العاملين في المدارس والجامعات والمساجد والمؤسسات الأخرى، وأي مواطن، التبليغ عن أي شخص تظهر عليه علامات تطرف، أو جماعات تحمل أفكارا متطرفة، بدون أية ضمانات لذلك ودون توضيح ماهية تلك العلامات.

وهو ما أعربت عربت منظمات المجتمع المدني التابعة للجاليات المسلمة في بريطانيا عن استيائها منه، معتبرة الأمر بهذه الصورة خاطئ، وقد وصف المتحدث باسم لجنة الشؤون العامة للمسلمين في بريطانيا رضا نديم الخطة الحكومية بأنها خاطئة، وأنها ستتسبب في مزيد من التفكك والمشاكل.

فالجميع يطرح تساؤلات من قبيل هل إذا ما ارتاد شاب مسلم المسجد للصلاة هل هذا دليل على التطرف، أم المسلم الذي يقلع عن شرب الخمر يمكن اعتباره متطرفًا؟!.

هذه الخطة البريطانية التي تنتوي منع نشر رسائل متطرفة عبر وسائل الإعلام والإنترنت، والسيطرة على الأفكار المتطرفة في المدارس والجامعات والسجون، أثارت مخاوف من انتهاك الخصوصية من قبل الحكومة تحت زعم مكافحة الإرهاب، وكذلك شكلت مخاوف من فرض رقابة على الحريات في الجامعات والمدارس تحت نفس الذريعة.

لذلك لا يعرف حتى الآن ما إذا كانت هذه الاستراتيجية ستنجح في مواجهة التطرف في بريطانيا أم ستفرض عزله على المجتمع الإسلامي هناك بما يفرز تطرفًا أكثر، خاصة وأن خنق الحوار وإستراتيجية الوشاية التي يتبعها هذا البرنامج، ستغلق كل سبل النقاش الحقيقي والجدي خوفًا من إبلاغ شرطة مكافحة الإرهاب.