ترجمة وتحرير نون بوست

في البداية، يبدو الأمر وكأنه صغير ولا يذكر، حيث أفادت تقارير رويترز صباح أمس بأن الاتحاد الأوروبي يدرس فرض تأشيرة دخول (فيزا) على الزوار من كندا والولايات المتحدة الراغبين بزيارة أوروبا.

بالطبع سيحمل هذا الأمر في طياته –إن تم تطبيقه- قصر نظر كبير، وذلك بالنظر إلى التجارة السياحية المربحة التي تعوّل على سفر سكان أمريكا الشمالية إلى القارة الأوروبية، ومن هذا المنطلق، لن يتم إقرار هذا الأمر على الأرجح.

ولكن مجرد مناقشة هذا الأمر، والذي جاء استجابة لشرط الاستحصال على التأشيرة الأمريكية للزوار من المناطق الأكثر فقرًا في الاتحاد الأوروبي مثل رومانيا وبولندا وبلغاريا، يسلّط الضوء على رد الفعل العنيف ضد الأيديولوجية الاقتصادية المؤيدة للعولمة على مدى الـ25 عامًا الماضية.

وفق ما أشار إليه تقرير صدر في صحيفة وول ستريت جورنال مؤخرًا، يبدو بأن القوى الدافعة الرئيسية التي تقف خلف تأييد العولمة، والمتمثلة بزيادة معدلات التجارة وارتفاع تدفقات رأس المال الدولية، بدأت تتعثر اليوم بشكل واضح؛ فبشكل أو بآخر، تتهاوى هذه المفاهيم أمام أحد مفاهيم العولمة، والذي يشكل عقبة ما بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، والمتمثل بحرية تدفق الأشخاص.

في العقود الأخيرة، أسفرت حرية تدفق الأشخاص إلى دفع الحدود السياسية للعولمة في العالم الغني إلى حافة الهاوية، والدليل على ذلك يبدو واضحًا في كل مكان، سواء في تصريحات دونالد ترامب المسيئة حول المهاجرين المكسيكيين ووعوده ببناء جدار منيع بين الولايات المتحدة وجارتها الجنوبية، أو في شكاوى تدفق الأوروبيين الشرقيين إلى المملكة المتحدة، والتي تأجج الضغط اليوم من أجل تصويت بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي.

وفي ذات السياق، عقد الحزب اليوناني الفاشي الجديد، حزب الفجر الذهبي، مسيرات على غرار نورمبرغ في اليونان، وسط الضغوط الاقتصادية الجارية التي تعاني منها البلاد فضلًا عن تصاعد أزمة الهجرة الأخيرة، أما في ألمانيا، فاصطدمت وعود ميركل حول قدرتها على التعامل مع تدفق المهاجرين بشكل مباشر مع القلق المتنامي ما بين الناخبين، وانعكس ذلك على خسارة حزبها للكثير من الأصوات في الانتخابات الأخيرة التي شهدتها البلاد، خاصة لمصلحة حزب البديل من أجل ألمانيا المعادي للمهاجرين.

على صعيد آخر، يبدو قلق المواطنين من مبدأ حرية تدفق الأشخاص مبررًا وطبيعيًا وذلك في ظل استمرار سلسلة الهجمات الإرهابية (كهجمات سان بيرناردينو، باريس، وبروكسل) المرتبطة بالإرهابيين الذين جاءوا إما من بلدان أخرى أو عبروا الحدود من أجل التدريب أو التخطيط لتنفيذ العمليات الإرهابية، كما وجدت الدراسات منذ وقت طويل بأنه عندما يتعلق الأمر بتكوين مشاعر معادية للمهاجرين لدى المواطنين، فإن المخاوف غير الاقتصادية تبدو أكثر تأثيرًا من المخاوف الاقتصادية، كتأثير الهجرة على مستوى الأجور.

في هذا السياق، لا يمكننا أن ننكر تأثير العوامل الاقتصادية على تنامي مشاعر معاداة الهجرة وحرية تدفق الأشخاص؛ ففشل العولمة في تحقيق مكاسب حقيقية لغالبية السكان في الدول الغنية يتزامن مع ذاك القلق المطرد الذي نشهده اليوم بشكل معارضة شرسة ضد الهجرة وغيرها من عناصر أيديولوجية التجارة الحرة على حد سواء.

ولشرح هذا التأثير، يشير الخبير الاقتصادي السابق في البنك الدولي، برانكو ميلانوفيتشفي، في كتابه الأخير "عدم المساواة العالمية" إلى أنه ورغم الفوائد المالية الضخمة التي قدمتها العولمة، إلا أن الغالبية العظمى من تلك الفوائد استفادت منها الطبقات الأكثر فقرًا ضمن سلسلة توزيع الدخل العالمي، حيث انتشلت العولمة الكثيرين من براثن الفقر في آسيا، كما أنها أثرت الطبقة الثرية في العالم، أما أولئك الذين يُحتسبون كطبقة متوسطة في الدول الغنية في العالم، فبالكاد شهدوا تحسنًا في مستوى معيشتهم خلال عقود.

كثيرًا ما يشير الأشخاص إلى البيانات التي توضح انحسار الطفرة الأخيرة في الهجرة؛ ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تباطأت الهجرة غير الشرعية من المكسيك إلى الولايات المتحدة منذ نهاية الطفرة السكنية التي سبقت الكساد العظيم، وبشكل عام، وعلى الرغم من تزايد معدلات الهجرة إلى الدول الغنية الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، إلا أن الاتجاه التصاعدي الأخير لا يزال أدنى من أعلى مستويات الهجرة التي شهدناها في عام 2007.

في أعقاب انتشار العولمة وفشلها في توزيع الفوائد المنتظرة على الناخبين في الدول الغنية نسبيًا، اليوم فقط نشهد رد الفعل العنيف ضدها، وهذا لا يعني بأن رئاسة ترامب لأميركا أصبحت أمرًا مفروغًا منه، بل يعني بأنه ما لم تبدأ العولمة بتوزيع فوائدها المتوقعة والحقيقية على الناخبين في الدول الغنية، فمن المرجح أن يرث الجيل المقبل عالمًا يفيض بالجدران العازلة.

المصدر: كوارتز