الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، والرئيس الأمريكي باراك أوباما، في قمة الثمانية في إنيسكيلين بأيرلندا الشمالية في عام 2013.

ترجمة وتحرير نون بوست

لم أكن أتصور بأننا بحاجة لـ11,5 وثيقة لمعرفة أن أغنياء العالم لا يرغبون حقًا بدفع الضرائب المستحقة عليهم، ولكن قيمة أوراق بنما تظهر من خلال كشفها للمدى الذي قد تصل إليه النخب العالمية بغية إخفاء أموالها، حيث توضح هذه الوثائق، التي ألقت الضوء على  40 عامًا من عمل شركة محاماة موساك فونسيكا، كيف يتم تأسيس مئات آلاف الشركات الوهمية التي لا يمكن تعقبها في ولايات قضائية خارجية، كجزر العذراء البريطانية وجزر سيشل، وغاية كل ما تقدم هي واحدة وبسيطة: التهرب من دفع الضرائب.

الرغبة في إخفاء النقود توحّد قادة العالم، البنوك العالمية، المجرمين، المشاهير، المحسنين، والجواسيس، وهي لا تبدأ، ولا تنتهي، بمكتب محاماة بنمي واحد؛ فكما يقول نيكولاس شاكسون، مؤلف الكتاب الأكثر مبيعًا "جزر الكنز" الذي وثّق ضمنه شبكة شركات الملاذات الضربية الخارجية منذ عدة سنوات، لقناة دويتشه فيله الألمانية: "بنما هي أحد رؤوس أفعى الملاذات الضريبية، إنه نظام عالمي بدأ بالظهور منذ باشر عصر العولمة المالية".

أسفرت هذه الكشوفات مسبقًا عن استقالة رئيس وزراء أيسلندا، كما أدت إلى قيام وكالات إنفاذ القانون في جميع أنحاء العالم بفتح تحقيقات حول هذه المسألة، على الرغم من أن العديد الأوراق قد تكون مشمولة بامتياز حماية المعلومات ما بين المحامي وموكله مما يفقدها حجيتها كوسيلة إثبات مقبولة في المحاكمة، ولكن يجدر بنا القول، بأنه في حال عزم زعماء العالم حقًا على وضع حد للملاذات الضريبية والشركات الوهمية الخارجية، فيمكنهم القيام بذلك ربما خلال ما لا يتجاوز الـ15 دقيقة.

في يوم الأربعاء الماضي، استعرضت شبكة العدالة الضريبية، وهي مجموعة دولية تضم محللين متخصصة بالتهرب من دفع الضرائب، عددًا قليلًا من الطرق التي يمكن من خلالها التخلص من صناعة الملاذات الضريبيية الآمنة، حيث تبين في الواقع بأن أسهل طريقة هي مراقبتها، وهذا يتطلب إنفاق بعض الأموال على السلطات الضريبية المحلية، ورفدها بالمحققين والمحامين، وعائدات هذا الاستثمار، إذا فرضنا بأن قيمة العائدات المفقودة في جميع أنحاء العالم من التهرب الضريبي لا تتجاوز الـ200 مليار دولار سنويًا، ستكون مرتفعة للغاية.

فضلًا عن ذلك، فإن قيام الدول المتقدمة بممارسة نفوذها لفرض الشفافية، سيقدم ذات درجة الفعالية المطلوبة؛ فعلى سبيل المثال، المملكة المتحدة تتطلب تسجيل جميع الشركات الوهمية، مشاريع التراست، والمؤسسات باسم مستفيديها الحقيقيين، ويمكن لكل بلد في العالم أن يفرض مثل هذا النوع من التسجيل، ولهذه الغاية، يتمتع الغرب بعدة وسائل لممارسة الضغط على البلدان، حيث يمكن للقوى العالمية أن تحجب الضرائب المترتبة على المعاملات الدولية تجاه أي دولة ترفض تبادل البيانات، أو يمكن عزل هذه الدولة عن النظام المالي العالمي من خلال رفض قبول دفوعاتها.

يجدر القول، بأنه لم يكن لدى تحالفات الدول الغربية أي مشكلة بفرض عقوبات دولية على إيران أو كوريا الشمالية لتحقيق أهداف سياسية، ومن هذا المنطلق، يمكن أن يمارسوا ذات الأمر لوضع حد للملاذات الضريبية الخارجية.

بطبيعة الحال، وبغية ضمان فعالية هذه الإجراءات، يجب على العالم ملاحقة أكبر معقل سيء السمعة للتهرب من الضرائب، الولايات المتحدة الأمريكية؛ فالواقع يشير إلى أن أمريكا هي أكبر ملاذ ضريبي في العالم، وذلك من خلال قوانين ولاياتها العديدة، مثل ديلاوير ونيفادا ووايومنغ، التي تسمح ببساطة تامة إنشاء حسابات لشركات وهمية مجهولة، علمًا بأن حوالي 100 بلدًا في جميع أنحاء العالم اتفقوا مع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على إطار للتبادل التلقائي للمعلومات عن الحسابات المالية، ولكن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة حتى الآن التي ترفض صراحة الانضمام لهذا الإطار.

هذا يقودنا إلى النقطة الأهم التي تشرح سبب ازدهار صناعة التهرب من دفع الضرائب؛ فالولايات المتحدة سارعت لإدانة البنوك السويسرية، على سبيل المثال، لحمايتها العملاء الأثرياء من دفع الضرائب، ولكنها بذات الوقت لم تعمد لاتخاذ إجراءات صارمة ضد ولاياتها الداخلية التي تفسح المجال للقيام بذات العمل، ربما بسبب تكسّبها من رسوم التأسيس التي تصاحب إنشاء تلك الشركات الوهمية السرية، حيث يمكن القول بأنه مقابل كل سياسي يصب جام غضبه على تهرب شخص آخر من دفع الضرائب، يوجد دائمًا شخص ما من المقربين من ذاك السياسي، أو من الجهات المانحة التي تدعمه، أو حتى من أفراد أسرته، يمارس ذات العمل.

وإليكم هنا مثال آخر، إذا كانت الولايات المتحدة والاقتصادات الكبيرة الأخرى ترغب حقًا بوقف التهرب الضريبي، يمكنها ببساطة أن تشترط على البلدان التخلص من الملاذات الضريبيبة الآمنة التي تمتكلها لبيع السلع المستوردة في أسواقها، ولكن بدلًا من ذلك، أبرمت الولايات المتحدة اتفاقًا للتجارة الحرة مع بنما في عام 2011، دون إجبارها على تفكيك شبكة ملاذاتها الضريبية.

بشكل عام، يمكن القول بأن أمريكا معتادة على اشتراط مختلف الشروط ضمن صفقاتها التجارية، كإلزام الدول بمراقبة أسواقها المفتوحة، استخدام أنظمة الملكية الفكرية الصارمة، أو تخصيص الشركات الأمريكية بمعاملة تفضيلية، ولكن رغم عادتها بفرض مثل هذه الشروط، لم تمس الحكومة الفيدرالية الأمريكية ضمن اتفاقها مع بنما بالأمر الذي يهابه النخب الغنية: القدرة على تخبئة أموالهم هناك للتهرب من الضرائب، بل بدلًا من ذلك، وقعت الدولتان اتفاقية ضعيفة تسمح للولايات المتحدة بالحصول على معلومات مالية عن الشركات البنمية الوهمية "عند الطلب"، ولكنها تتيح لحكومة بنما رفض الكشف عن المعلومات إذا رأت بأن ذلك "يتعارض مع سياستها العامة"، بحيث يمكن وصف اتفاق بنما تمامًا كما وصفه بيرني ساندرز في كلمة استشرافية له في عام 2011 "إنه اتفاق سيمنع الولايات المتحدة من تضييق الخناق على الملاذات الضريبية الخارجية غير القانونية والمسيئة في بنما".

إذن، لم يكن من المحتم أن يصل العالم إلى هنا، لأن قوى العالم كان يمكنها بسهولة اتخاذ القرار الذي يحقق منفعتها المتبادلة لإنهاء إساءة الملاذت الضريبيية الخارجية الآمنة، وذلك من خلال فرض الشفافية بكل بساطة.

يمتلك العالم الكثير من الطرق ليطبق هذا النظام ويعاقب أولئك الذين يخترقونه، ولكن هذا الأمر كان وما زال خيارًا لم يستخدمه قادة العالم لأنهم لا يسعون حقًا لتقويض مصالح أصدقائهم ضمن النخبة الحاكمة في حماية أموالهم، ولا يهدفون لمنع أصدقاءهم الآخرين في البنوك الكبرى وشركات المحاماة المتنفذة من الاستفادة من عوائد هذه الحماية.

لقد قام المجتمع العالمي بجهد مثير للإعجاب لكبح الملاذات الضريبية الخارجية خلال السنوات الأخيرة، وكان يمكن للعالم أن يُنهي هذه المهمة في وقت قصير للغاية، ولكن القوى العالمية تندم ربما على اتخاذها لتلك الإجراءات، ويبقى علينا أن ننتظر اليوم لنرى فيما إذا كانت الضجة التي ستنجم عن 2,6 تيرابايت من البيانات المسربة ستخلق ما يكفي من النور والغضب لتفرض على حكومات العالم رفض الوضع القائم والاصطفاف إلى جانب الناس العاديين.

المصدر: فايس