ثلاث انتخابات رئاسية أمريكية متوالية ومازالت آثار أزمة 2008 الإقتصادية مستمرة إلى وقتنـا الراهــن مخلفـة تبعاتها على حياة المواطن الأمريكي، فقد أدت أزمة الرهن العقاري إلى تغيير جذري في حياة الكثيـر من الأسر الأمريكية بالأخص الطبقة المتوسطة الدخل، شمل ذلك فقدان الكثير من وظائفهم وتسوية بوظائف أقل دخـلا وخسارتهم لأموالهم وعدم القدرة على سداد ديون الرهانات العقارية مما أدى إلى خسارتهم منازلهم وبيعها من قبل مؤسسات الرهن العقاري مخلفـة ديون متراكمة يحاول نسبة كبيرة من المجتمع الأمريكي دفع ثمــنها إلى يومنا هذا.

ولكن يبقى هناك خيـاراً كان متاحا للفرد الأمريكي فقده الآن، وباب قـد أغلق إبان الإنتكاسة الإقتصادية وهو القدرة على الإقتراض من البنوك والاستفادة من الخدمات الإئتمانية، مجبرة إيــاه على تخفيض النفقات المعيشيـة، تاركـة آثارا سلبية على المستوى المعيشــي. حيث غالبا ما كانت تساهم القروض في ميزانية الأسر الأمريكية ولكن مع غياب حياة الإئتمان والقروض ومع فرض شروط صارمة للإقتراض والتدقيق بشكل أكبر عند التقدم بطب الدين، تغير الوضع الإقتصادي لميزانيات الأسر الأمريكية.

أثـر أزمـة الديـون على حيـاة المـواطـن الأمريكـي

وبغياب هذا الخيار الذي كان متاحـا قبل الأزمة المالية باتت الكثير من الأسر الأمريكية تشعر بحياة خالية من الرفاهية بما يتضمن ذلك الحصول على مستوى معيشي جيد حتى وإن كانت ممولة بالقروض والأقساط. فمعدل الصرف على الرفاهيات والأنشطة الإجتماعية كانت بنسبـة أكبر بما فيها زيارات للمطاعم والأماكن الترفيهية وقضاء الإجازات في أماكن مختلفة أو شراء سلـع وخدمات بما في ذلك مشتريات أعياد الميلاد والتي عادة ما تصرف الأسر الأمريكية مبالغ كبيرة عليها، قد تقلصت بشكل كبير وذلك لعدم وجود خيار الإئتمـان والقروض وأصبح الإعتماد على الراتب بشكل رئيسي للمصروفات الأساسية بما في ذلك دفع الديون المتراكمة.

وعلى الرغم من إثارة الموضوع للجدل إلا أنه من وجهة المواطن الأمريكي متوسط الدخل كانت القروض تساهم بحياة أفضل في فترات النمو الإقتصادي، وتجعل الحياة أكثر تحملا في الفترات الركود الإقتصادي.  وبالرغم من المحاولات المستمرة للولايات المتحدة لإنعاش الإقتصاد إلا أن بطـئ النمو الإقتصادي مازال يقوض القدرة الإستهلاكية والشرائية. فبيــن عام 2002 إلى 2007 كانت نسبة القروض الإستهلاكية ما يقارب 330$ مليار إلا أن هذا المبلغ قد تقلص كثيرا في السنوات الخمس الأخيرة. ومنذ عام 2009 تـم صرف حوالـي 150$ مليار من قبل الأسر الأمريكية لدفع القروض الفردية شاملة أقساط الرهانات العقارية، والتعليم، والسيارات  مما أثر سلبا على القوة الشرائية لهذه الأسر.

نظـرة إقتصـادية مختلفــة

من زاوية أخرى وبالنسبة للإقتصاديين فالوضع مختلف تماما. إن إنخفاض الديون الإستهلاكية هو مؤشر صحي إقتصاديا يشير إلى وضع مالي أفضل للأسر الأمريكية تكون فيه نسبة الديون منخفضة، وهو ما أشارت إليه جانيـت يلين مديرة الإحتياطي الفيديرالي قبل أسبوعين وذكرت أن الديون الإستهلاكية قد إنخفضت تقريبا بنسبة 20% والتي كانت قد وصلت إلى نسبة ضخمة في 2008 تقارب 78%. وهذا ما يعكس إيجابيا على ميزانيات الأسر ووضعها المالـي، وخاصة إن إنخفاض أسعار الفائدة لمستويات تاريخية منذ بدء الأزمة جعل دفع القروض أكثر يسرا. قد يبدو الوضع الإقتصادي على المستوى العام متفائلا ولكن على مستوى الأفراد القصة مختلفة تماما.

منذ عام 2000 وإلى منتصف عام 2007 كان النمط المعيشي السائد هو الإعتماد على الديون بما في ذلك شراء الوحدات السكنية من قبل الغالبية من الأسر الأمريكية  عن طريق الرهانات العقارية. معظم القرارات الشرائية كانت معتمدة على القروض، حيث كانت القروض ميسرة وبشكل كبير سواء لشراء المنازل أو للتعليم الجامعي وحتى لتحسين الوضع المعيشي للفرد الأمريكي. هذه الثقافة التي أدت بالدرجة الأولى إلى تفاقم مشكلة القروض والديون وإستغلالها من قبل المؤسسات المصرفية والبنوك الاستثمارية والتي بنهاية المطاف أدت إلى إنهيار سوق الرهن العقاري بالدرجة الأولى مخلفة ضحايا أكثرهم ضررا هم من ذوي الدخل المتوسط والذين خسروا الكثير. وشعور الفرد الأمريكي بالغضب أمر مفهوم لا سيما أن البنوك الإستثمارية والمؤسسات المالية المتخصصة في الرهن العقاري التي بدأت لعبة القروض والتي كانت على وشك الإفلاس بالمقابل قد أنقذت بأموال الضرائب المدفوعة من الناس في حين أن الكثير قد خسروا منازلهم ووظائفهم للأبد وتوقفت حياتهم بسبب هذه الأزمة التي مازالت تبعاتها مستمرة.

أزمــة الديــون ..ورقة إنتخابية رابحـة

 وهذا ما يفسر بشكل كبير الشعور الطاغي بالإحباط والرغبة إلى التغيير من قبل الناخب الأمريكي وذلك بدفعه إلى إنتخاب المرشـح الجمهوري دونـالد ترامـب أو الديمقراطي بيـرني سانـدرز، والذي يبدو أنهما قد فهما الشعور الحالي للمواطن الأمريكي ويريدان توصيل رسالة مفادها أنهما يتفهمان سبب إمتعاض معظم الأمريكيين ذوي الدخل المحدود ورغبتهم في تغيير الحالة الإقتصادية الراهنة.

وبينما يعد المرشح ساندرز الطلاب والفئة الجامعية بالإعفاء كليا من رسوم الكليات والجامعات العامة تعهدت المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون بتخفيف ديون الدراسة للطلبة، وهو ما يعتبر من أكبر الديون حاليا وأسرعها في نموا في أمريكا مثقلة كاهل الطلبة المتخرجين الذين  يضطرون إلى سداد الأقساط الدراسية  بعد التخرج وعلى مدى سنوات طويلة من حياتهم العلمية.

ويبدو أن السياسيين اليوم يدركون تماما أن الحالة الإقتصادية للمواطن الأمريكي من أهم المواضيع في أجنداتهم وورقتهم الرابحة، لجذب أكبر عدد من الناخبين وتحقيقهم الفوز بالإنتخابات من خلال تلك الوعود التي أطلقوها لكي يخففوا من الوضع الاقتصادي المتقشف الذي يعيشه الفرد الأمريكي اليوم..فالديون أصبحت جزء من الورقة السياسية التي يلعب بها المرشحين الجــدد وقد تكون ربما هي ورقة الفوز لأي مرشح رئاسي في سباق الرئاسي إلى البيت الأبيض في الإنتخابات الحالية.