اختُتِمت الأربعاء فعاليات القمة الأولى لقادة شباب منظمة التعاون الإسلامي المنعقدة بمدينة إسطنبول بين يومي 11-13 أبريل 2016 كأحد أهم المبادرات الشبابية التّي يطلقها فرع المنظمة الشبابي في إسطنبول "منتدى شباب المؤتمر الإسلامي للحوار والتعاون" تحت رئاسة السيد ألشاد إسكانداروف، تأتي القمة في الوقت الذّي يجتمع فيه قادة وزعماء منظمة التعاون الإسلامي بإسطنبول لمناقشة قضايا العالم الإسلامي في دورتهم الثالثة عشر أين ستنتقل راية المنظمة من القاهرة إلى أنقرة، لذا تأتي هذه القمة الشبابية بالموازاة لتؤكد رغبة تركيا والمنظمة في الاستثمار في الطاقات الشبابية التّي يزخر بها عالمنا الإسلامي كونها محرك النهضة الأول، محاولةً أن تعكس آمال وتطلعات كل شاب مسلم يعيش عالمه الإسلامي أحد أكثر اللحظات التاريخية حسما.

   اذ استضافت مدينة اسطنبول حوالي 200 مشاركا شابا من كافة بقاع العالم الإسلامي بينهم 60 ممثلا شابا كسفراء لبلدانهم يمثلونها في مجلس شباب المنظمة، كان لنا فيها شرف تمثيل الشباب الجزائري في دورة دامت ثلاثة أيام ابتدأت بجولة سياحية-ثقافية لأبرز المعالم التاريخية الإسلامية بالمدينة وتضمنت محاضرات وكلمات مختلفة المواضيع ألقتها وجوه سياسية، أكاديمية وثقافية مؤثرة وكذا ورشات تدريبية للشباب قدّم فيها السفراء الشباب مقترحاتهم وأفكارهم لتجسيد عشرة أهداف سطرتها هذه الدورة في أجنديتها الحالية ارتبطت بإصلاحات النظام التعليمي وبكيفية تطوير الجامعات في دول المنظمة والإرتقاء بها إلى مصاف ال500 جامعة الأولى في العالم، مشكلة البطالة، الجهل الثقافي أو الصور المسبقة التّي تكونها المجتمعات المسلمة عن بعضها البعض، البيئة، الجندر، تمكين الشباب والمرأة في العمل السياسي والمجتمعي، ظاهرة تنامي العنف والتطرف والإرهاب الذّي لا يزال يستقطب كثيرا من شبابنا المسلم، فضلا عن إشكالية العدل والتنمية المستدامة وحوار الحضارات.

   وفي كلمته الإفتتاحية أعرب رئيس المنتدى الشبابي للمنظمة السفير ألشاد إسكانداروف عن إيمان المنتدى بمحورية دور الشباب المسلم في نهضة الأمة وأنّه ينبغي أن يُمنح كل الأولية وتُمهد له كل الطرق في سبيل ذلك، فإذا كان العالم الإسلامي –يضيف السفير- يزخر بموارده النفطية والغازية الثمينة فإنّ موارده الشبابية أثمن وأغلى وأنّ الإستثمار فيها أعظم منفعة وأدوم حالا خاصة وأنّ العالم الإسلامي عالم شبابي من حيث تركيبته السكانية، كما يضيف أيضا أنّ على منطقة "الشرق الأوسط" لوحدها أن تُوجد خلال الخمسة عشر سنة القادمة حوالي 80 مليون منصب شغل جديد فقط لأجل المحافظة على التوازن في مجتمعاتها مع النمو السكاني المتزايد الذّي تشهده، حتّى تتمكن من الاستثمار في شبابها بالشكل اللائق بدلا من أن يتّم استثماره من قِبل جماعات العنف والإرهاب، ولهذا تأتي هذه القمة الشبابية لتكون جزءً من قرارات زعماء وقادة دول المنظمة ال57 في قمتهم المنعقدة هذه الأيام كما يقول، مقترحا على دولها إنشاء هيئة وقفية لدعم شباب دول المنظمة في تحقيق مشاريعهم الحضارية.

 

من الوجوه العربية المشرقية التّي كان لها صوت في هذه القمة كانت السيدة اليمينة توكل كرمان الحائزة على جائزة نوبل للسلام نظيرا لنشاطها الحقوقي- المدني نُصرةً لقضايا المرأة في بلدها، اذ أكّدت كرمان أنّ السلام والعدالة هما العنصران الأساسيان لتحقيق تنمية مستدامة في عالمنا الإسلامي، وأنّ تنامي ظاهرة الإرهاب في منطقتنا العربية بالضبط ما هو إلاّ نتيجة حتمية لغياب العدالة والتنمية وحضور القهر والإستبداد فضلا عن الفهم المغلوط لنصوص الشرع، كما لم تفوّت الفرصة في الإعراب عن موقفها المناهض لنظام الأسد في سوريا والداعم للمحور السعودي-التركي الساعي لإسقاطه بإعتباره أحد أهم مصادر تنامي الإرهاب والدواعش حسبما تزعم.  

من جهته كان للمغرب العربي حضّه من التمثيل عبر كلمة السيد ماهر بن دهية وزير الشباب والرياضة التونسي الذّي حاول خلال الجلسة المتعلقة بمناقشة موضوع "دور الحكومات في ضمان التنمية الشبابية" أن يقدّم زبدة التجربة التونسية خلال ما يُسمى "بثورة الربيع العربي، " التّي انفجرت شرارتها الأولى من أرض البوعزيزي، ففي هذا السياق رأى الوزير أنّ مرحلة ما بعد الثورة في تونس كانت أصعب بكثير من مرحلة الثورة ذاتها وأنّ تونس صمدت -ولا تزال- ضدّ الإرهاب والعنف خلافا لكثير من الدول الأخرى بفضل جودة التعليم وقوة المجتمع المدني أيضا.. كما أضاف أنّ الإرهاب الذّي إبتُليت به منطقتنا لهو ظاهرة مركبة الأسباب لكنّي "أرى أنّ أهم سبب لظهوره وتصاعده هو إهمال الدول للطاقات الشبابية فيها..."

 من التدخلات القوية التّي أثارت إعجاب الشباب المشارك كانت  مداخلة السيد خيري جمال الدين وزير الشباب والرياضة الماليزي الذّي وضع يده بشكل مباشر على ما يحتاجه الشباب عمليا في حياتهم اليومية وفي طموحاتهم التعليمية والجامعية منتقدا حكومات الدول الأعضاء في تهميشها لهذه الطاقات عبر طرق عدّة أولها اللاعدالة والقهر المعيق لكل إبداع مؤكدا أنّ: "الشباب ليس مرادفا –كما علّمونا- للمستقبل وحسب إنّما هو الحاضر بعينه لأننا لسنا مستعدين لننتظر إلى الغد حتّى ننهض بأمتنا".

   أمّا عن التدخلات التركية فقد لفتنا تدخلين اثنين، كان الأول من سياسي تركي والثاني من أكاديمي مرموق، أمّا عن الأول منهما فقد تضمنته كلمة السيد عاكف تشاطاي كليتش وزير الشباب والرياضة التركي الذّي عبّر عن طموح تركيا في استثمار رئاستها المقبلة لدعم كل المشاريع الشبابية المثمرة مستثمرة في الإنسان قبل كل شيء حتّى تحارب كل حركات التطرف والإرهاب من جذورها الأولى، ولم تخل كلمته من إعرابه عن دعم بلاده لكل القضايا العادلة في عالمنا الإسلامي بدءً بالقضية السورية، اسقاط الأسد ومحاربة الدواعش وانتهاءً بالدعم المطلق للجارة اذربيجان في نزاعها التاريخي مع أرمينا حول إقليم ناغورنو كاراباخ.

  أمّا عن الكلمة الثانية فقد ألقاها البروفيسور محمود إيرول كليتش الأمين العام لمبادرة "إحتواء العنف من خلال التنمية". بحكم تخصصه في الفلسفة والتصوف فقد كانت كلمته مشبّعة بالحكمة، جاءت في شكل توصيات فكرية تعالج مشكلة العنف والإرهاب من جذورها الأولى ألا وهي عالم الأفكار، كما ألّح على أن تُدرِّس نُظمنا التعليمية والجامعية شباب الأمة الفلسفة وتعلمها الحكمة حتّى يكون للمسلمين فلاسفة ومفكرين كبار كما كان لهم في السابق، فدورهم الحضاري لَيُعّد دورا بنيويا في النهضة بعالم الفكر ومعالجة أمراض الأمة من جذورها الأولى.

   أمّا من المتدخلين الأجانب فقد لفتتنا كلمة السيد أرسلان سليمان مبعوث منظمة التعاون الإسلامي في وزراة الخارجية الأمريكية الذّي ألقى كلمة حول موضوع: "حوار داخل -ما بين الحضارات/الثقافات"، فبعد حديث مطول عن ظاهرة الإسلاموفيا وأسباب تنامي جماعات العنف والإرهاب في الغرب كان لنا على كلامه تعليق شخصي (حينما فُتح مجال النقاش مع الشباب) أشرنا فيه إلى أنّ النزعة التدخلية للدول الغربية الفاعلة في عالمنا الإسلامي تحقيقا لمصالحها القومية والإستراتيجية لتُعّد أيضا أحد الأسباب المركزية في تنامي ظاهرة الإرهاب والعنف الذّي يتضرّر منه هؤلاء أيضا كردّ فعل فيزيائي عمّا تمارسه دولهم في منطقتنا من سياسات تدخلية منذ عقود وليست متعلقة فقط بعوامل داخلية نابعة من تراثنا الديني أو ظروفنا السياسية أو تدهورنا الحضاري، بناءً على ذلك طرحنا على السيد المبعوث إشكالية نراها مهمة عن السبيل الأمثل الذّي يجب أن تتبعه دول منظمة التعاون الإسلامي في تحقيق التوازن المطلوب بين رغبتها في تحقيق هذه الطموحات المنشودة-كمنظمة- في محاربة العنف والتطرف المضّر بصورة الإسلام في الغرب (وغيرها من المشاريع الطموحة) وبين مصالحها القومية في علاقاتها –كدول- بالفواعل المؤثر في هذا الغرب كالولايات المتحدة خصوصا وأنّ كثير من دول المنظمة منغمسة في تحالفات استراتيجية مع الغرب تمنعها في كثيرا من الأحيان من ممارسة الضغط المطلوب أو الفعل السياسي الصائب تحجيما لهذه التدخلات ما أمكن، لأحظى في النهاية بإجابة دبلوماسية بعد أن أقّر الأستاذ أرسلان من جهته أنّها نقطة إشكالية في عمل المنظمة عصيّة على التعامل.

اختتمت القمة يوم الإربعاء 13 أبريل، بعد إقرارها لنقاطٍ عشر سيسعى لتجسيدها المنتدى الشبابي للمنظمة بدعم من قمة دول المنظمة الثالثة عشر عبر مشاريع سيساهم شباب الأمة في بناءها وبلورتها على أرض الواقع.. في كلمة واحدة نقول أنّ قمة قادة شباب دول المنظمة لا تقل أبدا أهميةً عن قمة زعماء وقادة دولها، وكما كانت هذه القمة الشبابية بمثابة جسر تواصل، تعارف ومحبة بين شباب مسلم من كافة بقاع الأرض نرجو أن تكون قمة الزعماء السياسية أيضا جسرا متينا يمكّن الأمة من تجاوز مشكلاتها البينية ويعبر بها إلى برّ الأمان، فتحدّيات النظام الدولي المشتكل واحدة بالنسبة لعالمنا الإسلامي لذا يبنغي أن يكون هذا العالم الإسلامي في حاضره  بناءً واحدا مرصوصا يشّد بعضه بعضا كما أوصى بذلك قائد الأمة ونبيّها الكريم محمد صلى الله عليه وسلم.