تزداد حماسة متابعي سلسلة لعبة العروش (Game of Thrones) التلفزيونية تدريجيًا مع بقاء خمسة أيام فقط على بدء عرض الموسم السادس، الملحمة الفانتازية المبنية على سلسلة الكتب الأكثر مبيعًا ستبدأ هذا الموسم لأول مرة في تخطي أحداث الكتب المنشورة حتى الآن، أي أن ولأول مرة، لا يعلم أحد سوى الكاتب وفريق الإنتاج ما سيحدث بعد ذلك.

لعبة العروش الممتلئة بالعنف والدماء تدور في عالم ويستروس، عالم ينقسم لعدد من الدويلات التي تحكمها أسر حاكمة من مئات السنين، تتطاحن هذه الأسر في معارك على النفوذ تمامًا كما تتحالف في تحالفات تمتلئ بالغدر والخيانة لتحقيق أهداف معينة، ولا يبدو أن أي من سكان دويلات ويستروس الصغيرة يتساءل عن سبب حكم هذه الأسر وشريعته من عدمها.

يمتلئ توازن القوى في ويستروس بتشابهات مع الواقع المُر للمنطقة العربية، كما تتشابه أسره المالكة وقواه مع العديد من القوى السياسية للمنطقة، ولذلك نقوم بمقاربة سريعة بين هذه القوى وقريناتها من التي تقوم بتشكيل الواقع العربي بصراعها على السلطة والقوة، أي صراعها على العروش.

بيت جريجوي - نحن لا نزرع (نحصد فقط)

عندما يبدأ المرء في قراءة السلسلة أو مشاهدتها لا يستطيع سوى أن يرى تشابهًا غريبًا بين المنطق السياسي للجزر الحديدية التي يحكمها بيت جريجوي والمنطق السياسي للدولة المصرية، كلاهما دولة قوامها الجيش، دولة لا تعتبر الرجال من غير المحاربين مواطنين حقيقيين، وإنما عبيد يعملون لخدمة النخبة العسكرية، وعلى الرغم من كل هذا فإن تاريخ كلاهما العسكري لا يحمل في طياته سوى الهزائم العسكرية في كل حرب حقيقية شاركا فيها.

شعار بيت جريجوي هو: "نحن لا نزرع"، وهو إشارة إلى الاقتباس الإنجيلي القائل: "من أراد أن يحصد فعليه أن يزرع"، والمنطق هنا هو أن آل جريجوي لا يؤمنون بأن عليهم الزراعة، وإنما يحصدون فقط؛ يحصدون عبر استغلال المواطنين من غير المقاتلين كالعبيد، وعبر الهجوم على جيرانهم أو تأجير قوتهم العسكرية كمرتزقة يكسبون قوتهم بالقتال.

وعلى التوازي مع كل هذا يستمر حديث كبرائهم عن الأمجاد السابقة، عن الانتصارات الساحقة، وعن العزة والجبروت، فنرى الملك العجوز محاولًا مقاتلة الجميع لاستعادة هذه الأمجاد لينتهي به الأمر مهزومًا مرة أخرى، هزيمة توشك على إنهاء المملكة إلى الأبد.

بيت بولتون - نصالنا حادة

ربما قد يكون بيت بولتون هو البيت الأكثر كراهية بين جمهور السلسلة، ولا عجب في هذا، فهو بيت شعاره رجل قد سلخ جلده، وهو أيضًا بيت قد بنى إنجازاته السياسية كلها عبر تغيير ولاءه ضد حلفائه القدامى بأكثر السبل دموية وفي أكثر اللحظات خطورة.

بيت بولتون هو بيت قوام سياسته الأساسي هو الرعب في أكثر صوره بدائية ودموية، بيت يشتهر بالتعذيب الجسدي وتشويه أعدائه، بيت يتعمد إظهار قوته وانعدام رحمته علنًا، ويقوده رجل صامت أثبتت أفعاله نفعيته وخطورته، والأكثر رعبًا هو الشاب السادي المجنون الذي سيخلفه حال موته، الشاب الذي سيحكم البيت من مقره الرئيسي المسمى "حصن الهلع".

يستطيع المرء أن يربط الكثير من الخطوط بين بيت بولتون في حصن الهلع وبيت سعود في الرياض، فغالبًا لم يعد على الأرض دولة ذات هوس بالتعذيب الجسدي العلني بكافة أشكاله من الجلد حتى قطع الرؤوس سوى المملكة السعودية، كما لم ينم صمت المملكة على ما دار في بلدان كمصر وتونس عن فداحة ما ستقوم في تدخلات لصالح الدول العميقة والقوى المضادة للثورات في هذه البلدان في أكثر اللحظات دقة وصعوبة، فنصال آل سعود حادة للغاية، سواء كانت نصال أموالهم التي فعلت ما فعلته في معارضي الانقلاب المصريين، أو نصال سلاحهم التي حصدت الأرواح يوميًا في اليمن.

بيت لانستر - ابن لانستر دائمًا ما يوفي ديونه

يشتهر بيت لانستر في ويستروس بغناه الفاحش قبل كل شيء، فلسبب ما، احتوت أراضي بيت لانستر على عدد لا ينتهي من مناجم الذهب، الذهب الذي هو لون الأسد في شعار البيت كما هو لون شعر أعضاء البيت.

على طول السلسلة دائمًا ما كان الذهب هو السلاح الأكثر تأثيرًا في أيدي بني لانستر، فهم وعلى شهرة بعض أبنائهم بالمهارة القتالية، إلا أن جيشهم لا يعرف أبدًا بقوته، وإنما بجودة تسليحه وتجهيزاته.

دائمًا ما كان ملوك لانستر موجودين لإعارة الخزائن الملكية ما تحتاجه من الأموال في أوقات الحاجة، بشروط خاصة بطبيعة الحال، ليتحول آل لانستر إلى القوة السياسية الأكبر أثرًا في عاصمة ويستروس، وربما يمكن ربط أحداث الصراع كله في بداية الأمر إلى محاولة آل لانستر لبسط سيطرتهم على ويستروس كلها بمزيج من الرشاوي والدهاء.

هنا يصبح تشبيه دور آل لانستر وأموالهم في المنطقة بشكل آمن بدور تلك الدولة فاحشة الثراء على الخليج العربي، الإمارات العربية المتحدة، الدولة التي ولسبب ما يوجد لها ولأموالها دور لا ينكر في الصراع السياسي على طول المنطقة، تمويل ملياري للانقلاب العسكري في مصر، دعم سياسي ومادي لأجنحة فلسطينية ذات علاقات مشبوهة بإسرائيل، دعم تسليحي لفصائل دون أخرى في ليبيا، وما غير ذلك إلى ما لا نهاية.

قوة وإن كانت صغيرة فإنها تفرض وجودها ومصلحتها بشكل فج عبر ما حوته أراضيها صدفة من ذهب/ نفط.

المشاة البيض - الشتاء القادم

الاسم الأصلي لسلسلة الكتب المعروفة بصراع العروش هو: "أغنية الثلوج والنيران"، فالصراع الحقيقي في السلسلة والذي لا يدركه أي من المتقاتلين على العرش الحديدي ليس فيمن سيصبح الملك، وإنما في تلك المخلوقات بيضاء اللون التي تزحف نحو قلب ويستروس مش الشمال، مخلوقات تعرف بالمشاة البيض، مقاتلون عديمو الرحمة أتوا في الشتاء الطويل قبل 8000 عام على بداية السلسلة، ذات الشتاء الذي يتحدث عنه أبطال السلسلة من آل ستارك في قولهم الشهير: "الشتاء قادم".

كان أول أحداث السلسلة على الإطلاق هو تحذيرات من بداية ظهور المشاة البيض في شمال ويستروس، ليبدأ بعدها الصراع الطاحن على المُلك في ويستروس مانعًا الجميع من إدراك الخطر القادم من الشمال، خصوصًا مع كل الإشارات إلى أن الشتاء القادم سيكون شديد الطول، لا يلقي أحد بال إلى الخطر القديم الآتي مرة أخرى والقادر على إنهاء وجود ويستروس من الأساس.

من محض الصدفة أن قياسًا على منطقتنا العربية؛ تكون المناطق الخاضعة لسيطرة تنظيم الدولة (داعش) في أقصى الشمال قياسًا على باقي المنطقة، وأن منذ بداية الصراع في سوريا وربما حتى من قبل ذلك، لا يبدو أن أحد يلقي بالًا حقيقيًا أو يود أن يتوقف عن القتال مع أقرانه لإدراك الخطر الآتي من الشمال، الخطر القادر على جعل كافة كوابيس المنطقة حقيقة.