ركّزت معظم الدراسات في الفترة الأخيرة على فهم ديناميكية الاقتصادات الناشئة Emerging Markets  خصوصاً بعد الإختلالات التي أثرت في الاقتصاد العالمي، ولفهم أسباب هذا الاختلال لابد من فهم محركات الاقتصاد العالمي  Global Economic Drivers بدءاً من تركيا إلى البرازيل والهند والارجنيتين وجنوب أفريقيا وغيرها، واذا ما راجعنا هذه التجارب سنصل إلى حقائق مدهشة، لا بسبب عوائق الانتقال الاقتصادي التي واجهتها/تواجهها الآن؛ بل لانها ركنت إلى قواها الكامنة رغم شحّ الموارد، وقد أظهرت معظم الدراسات بعض الحقائق حول الاقتصادات الناشئة، حيث يمثل سكان الدول الناشئة 80% من سكان العالم، وهي غير مكلفة من ناحية التشغيل، مما يعطي مزايا تنافسية للمنتجات المعدّة للتصدير، إلا ان اقتصادات هذه البلدان لا تمثل سوى 20% من اقتصادات العالم، مما يعني أن الطريق لازالت طويلة، وهذا يدعو إلى ضرورة استمرارية التطوير لرفع معدلات النمو.

سميت هذه الدول بالدول الناشئة لاعتمادها سياسات اقتصادية تطويرية طويلة الأمد، ولانها اقتصادات انتقلت من مرحلة الانغلاق إلى مرحلة الانفتاح على الاقتصاد العالمي، وهي تعتمد بشكل كثيف على الاستثمارات المحلية والاجنبية المباشرة وغير المباشرة، إلا انها تواجه تحديات كبيرة منها ضعف الاستثمار في القطاع الاقتصادي الحقيقي، بالاضافة الى مخاطر فقاعات سوق الاسهم والعقارات واحتمالات توقف الاستثمار الاجنبي بسبب الازمات الجيوسياسية، واختلال العملات المحلية والاقتراض بالعملات الصعبة.

الاقتصادات الناشئة​

سنتناول من الاقتصادات الناشئة التجربة التركية (الاقتصادية) لانها أقرب التجارب إلينا في الثقافة والايديولوجيا والجغرافيا، حيث بات الناتج المحلي الاجمالي التركي يقترب رويداً رويداً من عتبة التريليون دولار، وبمؤشر نمو اقتصادي قياسي، ولفهم التجربة التركية لابد من دراسة المحركات الاساسية المتمثلة بالديموغرافيا والاقتصاد، حيث تحتل تركيا المركز 18 عالمياً بناتج محلي 799.5 مليار دولار، وبلغ نصيب الفرد من الدخل القومي 19,040 دولار، اما عدد السكان الاتراك وصل الى 75.84 مليون نسمة بمعدل نمو 1% علماً ان متوسط عمر 75 سنة، لتحتل المرتبة 17 عالمياً من حيث السكان محققة توازن مع المحيط الإيراني والعربي والأوروبي، جدير بالذكر ان تركيا تحتل المرتبة التاسعة عالمياً والسادسة اوروبياً في عمليات أطفال الأنابيب.

تركيا هذا البلد الذي انتقل من حالة من الفقر الى مرحلة الجد والعمل تصدر مواطنوها قائمة دول منظمة OCDE في معدل عدد ساعات العمل بمعدل 48 ساعة أسبوعيًّا، وهو رقم يسبق اغلب الدول الاوربية، بينما وصل مؤشر الفقر عند خط الفقر الوطني 6.1 % من السكان، وبلغ عدد مستخدمو الإنترنت في تركيا (لكل 100 شخص) 51 شخص.

والمدهش انها الامة الوحيدة التي لا يعرف شبابها تاريخهم بحكم اجتثاث لغتهم القديمة العثمانية الا أنها تحتل المرتبة 11 عالمياً في قراءة مواطنيها للكتب مسجلةً طباعة 630 مليون كتاب عام 2015.

وبالعودة الى العديد من التقارير نجد ارتفاعاً في حجم الصادرات التركية وانخفاضاً في العجز بين 2014 و2015 من 3 مليار و408 مليون إلى مليار و519 مليون دولار، كما أصبح بمقدورها توفير العديد من المواد الاستهلاكية والصناعية محققة مستويات قياسية من الاكتفاء الذاتي وخفّض التبعية الاقتصادية.

وهنا نورد ملاحظة هامة، فعلى الرغم من انخفاض قيمة الليرة التركية مقابل الدولار الامر الذي أثر على المواطنين إلا ان هذا التأثير آني، لان انخفاضها سيُكسب المنتجات التركية مزايا تنافسية مستدامة Sustainable Competitive Advantages دولياً (تركيا بلد تصديري) كما هو حال المنتجات الصينية حيث خفّضت الصين عملتها لتصل لنفس النتيجة، وهذا ما رصدناه عندما خفّ وميضّ الصناعة اليابانية نظراً لارتفاع قيمة الين الياباني مقابل الدولار، إلا انه لا يمكن لباحث ان يغفل حقيقة أن تركيا تستورد بعض السلع الاستراتيجية كالغاز الطبيعي والفولاذ والحديد والحبوب.

كما يلعب موقع تركيا دوراً هاماً في الصراع على خطوط امداد الطاقة، لهذا تعمل الان على ثلاثة محاور اساسية، بدءاً من مشروع خط الأناضول (TANAP) لنقل الغاز الأذربيجاني إلى أوروبا الذي سينتهي في عام 2018، وكذلك مشروع السيل التركي Turkish Stream لنقل الغاز الروسي، ورغم ان العلاقات المتوترة مع روسيا اثرت في تنفيذه، الا انه من المنتظر أن يبلغ حجم ضخ الغاز الروسي عبر شبكة “السيل التركي” 63 مليار متر مكعب، 47 مليار منها سيضخ للسوق الأوروبية، فيما سيخصّص 16 مليار متر مكعب للاستهلاك التركي، والاهم هناك مشاريع جديدة تماماً، حيث أظهرت تقارير متنوعة ان تركيا تجري مشاورات حول العديد من مشاريع خطوط نقل الطاقة مثل مشروع نقل الغاز الإيراني والتركمنستاني والإسرائيلي، وقد يُدهش المرء عندما يسمع بمشروع شركة خطوط أنابيب نقل البترول التركية ( BOTAŞ) لنقل الغاز القطري، ورغم صعوبته الا أنه يتوقع ان تظهر خفاياه نهاية العام الجاري.

البنية التحتية التركية

تلعب مشاريع البنية التحتية التركية الطموحة دوراً فاعلاً في دفع مسيرتها كاقتصاد ناشئ، حيث يتصدر قطاع المواصلات قائمة المشاريع التركية الطموحة بقيمة تبلغ 135 مليار دولار، وتشمل مشاريع مخطط لها أو قيد الإنشاء، وتشمل الطرق والجسور والسكك الحديدية والمطارات بمقاييس عالمية، مثّلت قفزة طموحة وضعت تركيا بموقع متقدم باتجاه تركيا 2050.

ويعتبر مشروع سكك الحديد بين مدينة أدرنة شمال غرب تركيا وقارس شرق تركيا من أهم المشاريع بقيمة تبلغ 35 مليار دولار، ولا ننسى مشروع المطار الثالث في إسطنبول بقيمة 11 مليار دولار، ومشروع قناة إسطنبول (تربط البحر الأسود ببحر مرمرة والمتوسط) بحوالي 10 مليارات دولار.

وهناك "مشروع القرن" العملاق لنقل المياه من مرسين إلى قبرص التركية من تحت البحر عبر أنبوب يبلغ طوله 66 كيلومتراً، جدير بالذكر أن المشروع كلّف 600 مليون دولار، وله قيمة استراتيجية تؤثر على مجرى المفاوضات القبرصية ويقوي موقف تركيا.

بينما يحتل قطاع الطاقة المرتبة الثانية في قائمة استثمارات البنية التحتية بقيمة تقدّر بنحو 125 مليار دولار، تتضمن مشاريع إنشاء محطات للطاقة النووية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح، كما  تبلغ قيمة مشروع مجمع الطاقة النووية الثالث 15 مليار دولار.

لم تتوقف تجربة تركيا عند هذا الحد بل اطلقت القمر الصناعي (Turksat 4B) للاتصالات الذي صنعته شركة يابانية من قاعدة “بايكونور” الفضائية وسط كازاخستان، والذي سيُستخدم لتوفير خدمات الإنترنت الفضائي، والبث التلفزيوني، وتخطط لإرسال أول قمر صناعي محلي الصنع إلى الفضاء بحلول عام 2018، وتسعى لإنجاز مشروع مذهل (ان صدق من صرح به) لنقل الطاقة الكهربائية، التي تنتجها الألواح الشمسية المثبتة في الفضاء إلى الأرض بواسطة أمواج الراديو بحلول عام 2035.

تعتبر تركيا بلد السياحة التي تدخل أكثر 34.3 مليار دولار سنوياً، حيث وصل عدد المسافرين خلال سبعة شهور في مطارات تركيا 100 مليون و800 ألف مسافر

اما في جانب السياحة، تعتبر تركيا بلد السياحة التي تدخل أكثر 34.3 مليار دولار سنوياً، حيث وصل عدد المسافرين خلال سبعة شهور في مطارات تركيا 100 مليون و800 ألف مسافر، كما تصنف الخطوط الجوية التركية بأنها أفضل ناقل أوروبي بإيرادات مبيعات النصف الأول 2015 بلغت 4.789 مليارات دولار، كما حققت أرباحاً تشغيلية في النصف الأول من 2015 بلغت 238 مليون دولار، علماً ان الخطوط التركية تأسست عام 1933 بأسطول مؤلف من 5 طائرات فقط، واصبحت الان شركة طيران عالمية، بأسطول يضم 291 طائرة ركاب وشحن، وتسير رحلاتها إلى 277 وجهة حول العالم، وبحسب استطلاع أجرته Skytrax المتخصصة في تصنيف خطوط الطيران في عام 2015 تم اختيار الخطوط التركية أفضل شركة طيران في أوروبا.

جدير بالذكر ان تركيا تحتل المرتبة السادسة في قائمة الوجهات السياحية الأكثر شعبية في العالم، والمرتبة الثانية بعدد شواطئها الحائزة على علامة العلم الأزرق، والمرتبة العاشرة عالمياً في مجال السياحة العلاجية.

تعتبر “العنقاء” – طائرة تركية بدون طيار– تصنّف الثالثة عالمياً بعد “بريداتور” الأميركية، و”هيرون” الإسرائيلية.

الصناعات الثقيلة

وفيما يتعلق بالصناعات الثقيلة، ولنأخذ شركة “توساش” للصناعات الفضائية والطيران التركية مثالاً عن الصناعة التركية، حيث تنتج طائرات من طراز ATAK T-129 و”العنقاء”، جدير ذكره أنه بوسع المروحية الهجومية أتاك T129 متعدّدة المهام تنفيذ عمليات هجومية وطلعات استطلاعية، كما يمكن تزويد الطائرات بأنظمة بصرية وإلكترونية وفق متطلبات الجيش التركي، بينما تعتبر “العنقاء” – طائرة تركية بدون طيار– تصنّف الثالثة عالمياً بعد “بريداتور” الأميركية، و”هيرون” الإسرائيلية.

مما يعني ان تركيا تحولت الى بلد يصنع الكثير من احتياجاته، بدءاً من المنتجات الاستهلاكية وصولاً إلى الصناعات الثقيلة والعسكرية متمثلة بصناعة الطائرات، كما تصدر نحو نصف مليون سيارة.

برعت تركيا ايضاً في مجال الطاقة المتجددة، حيث أنشأت مثلاً جامعة تركية أكبر محطة للطاقة الهجينة في حرمها الجامعي بمدينة إزمير غربي تركيا، ليكون مثالًا لمشاريع الطاقة المتجددة، بالاضافة لمحطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح كما تمتلك محطات طاقة كهرومائية واخيراً مشروع مفاعل أك كويو النّووي.

وتلعب الزراعة دوراً هاماً في تميز الاقتصاد التركي، حيث تحتل المرتبة الأولى عالمياً في العديد من المحاصيل الزراعية وتهدف إلى أن تصبح من بين أول خمسة منتجين، حيث تعـد الأولى أوربياً والسابعة عالمياً زراعياً، وتحتل المركز العاشر بين الدول المنتجة للقمح ورابع أكبر مصدري الفواكه في العالم بشكل عام، وحقّقت مرسين رقماً قياسياً بإنتاجها 160 ألف طن من الزيتون، كما وصلت صادرات الكرز إلى مستوى قياسي حيث بلغت 68.8 ألف طن خلال 2015، وتعتبر الأولى عالمياً في إنتاج وتصدير التين، وخلال ثلاث شهور انتجت تركيا حوالي 275 طنّا من التين، حيث يعتبر التين الأسود (تنتجه مدينة بورصة) من أكثر الأنواع رواجاً لندرته وأصبح علامة تجارية فريدة لتركيا.

ارتفعت مبيعات العقارات للأجانب بعد صدور قانون يسمح لهم بامتلاك العقارات عام 2012، لتصل العام الماضي الى 4 مليارات دولار

ولم تتوقف المشاريع عند هذا الحد بل تم رصد مبلغ بقيمة 40 مليار دولار لقطاع الإنشاءات في المدن تركيا مثل أنقرة وإسطنبول وإزمير، كما ارتفعت مبيعات العقارات للأجانب بعد صدور قانون يسمح لهم بامتلاك العقارات عام 2012، لتصل العام الماضي الى 4 مليارات دولار مع احتمال وصولها إلى 5 مليارات دولار في العام الحالي، وتدفقت مؤخراً كثير من الاستثمارات الخليجية، مثل مشروع سي بيرل أتاكوي بحجم استثمارات 2.7 مليار دولار بشراكة مع الديار القطرية المملوكة لجهاز قطر للاستثمار (حكومي)، كما أشار تقرير اقتصادي في دبي إلى أن قيمة مشاريع البنية التحتية الاماراتية قيد التخطيط والتنفيذ في تركيا تقدّر بأكثر من 350 مليار دولار أمريكي.

وعلى الرغم من المزايا السابقة، إلا ان الدراسات تؤكد ان الاقتصادات الناشئة ومنها الاقتصاد التركي تواجه جملة من التحديات المستقبلية وتعاني من خطر اعتمادها على تدفق رؤوس الأموال من الخارج، فمثلاً ارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة إلى الولايات المتحدة للاستفادة من العوائد الأعلى نسبياً.

على الرغم من انخفاض المديونية الحكومية لبعض الدول الناشئة الا أنها تعاني من خطر ارتفاع قروض الأفراد والأسر، ويبقى الخطر الأكبر استمرار ارتفاع اقتراض الشركات الخاصة من الخارج بالعملات الصعبة وبتكلفة مرتفعة، مع العلم أن عملات هذه البلدان تعاني اساساً من اختلالات مما يضاعف المخاطرة كما حدث في البرازيل والصين مؤخراً. هناك مثال آخر يمكن ذكره وهو على الرغم من ان البنك المركزي الصيني لديه حوالي 1.26 تريليون دولار سندات خزينة امريكية ويتقاضى عليها فوائد منخفضة بسبب التصنيف الائتماني لسندات الخزينة، وفي نفس الوقت فإن الشركات الصينية والتي اغلبها حكومية مقترضة من الخارج 1.1 تريليون دولار بفوائد اعلى بكثير من عوائد سندات الخزينة، هذا يعبر بشكل دقيق عمّا نقصده بالخلل الهيكلي والبنيوي في الاقتصادات الناشئة، ورغم كثرة المؤشرات الاقتصادية التي تدعو تركيا للتفاؤل الا ان هناك تحديات كبيرة تتعلق بالازمات الجيوسياسية داخل تركيا ودول الجوار، والمخاطر المتعلقة بفقاعات سوق الاسهم والعقارات، وكذلك احتمالات توقف الاستثمار الاجنبي، والاهم اختلال سعر الليرة التركية مقابل العملات الاجنبية، واشكالات اقتراض الشركات الحكومية والخاصة من الخارج بالعملات الصعبة، اما العوامل الامنية تعتبر العامل الذي شكل هاجساً لصانع القرار التركي والذي ينبغي لحظه في التوجه الاستراتيجي لتركيا 2050.

ختاماً، بعد مراجعة تجارب الدول الناشئة نجد أن الدول ذات الاداء المرتفع تشترك في تحديات واضحة منها ركود الاقتصاد العالمي وضرورة الركون الى القوى الكامنة وخصوصاً البشرية، وأهمية وضع حد لمشكلة المديونية والمحافظة على مستوى مديونية منخفض وتبني منظور الاستدامة الثلاثي  Triple bottom line المتمثل برأس المال البشري والمادي والبيئي، ولا ننسى معضلة الديموقراطية التي تمثل اهم نقاط قوتها واذا ما اهتزت تتعرض الدولة لخطر كبير.