أعلن المركز الأمريكي لإحصائيات الصحة الأسبوع الماضي عن آخر دراساته لظاهرة الانتحار في الولايات المتحدة، ويبدو أن الأرقام غير مبشرة على الإطلاق.

في مقارنة مع نفس الأرقام عام 1999، أظهرت الدراسة زيادة معدلات الانتحار بأكثر من 24% لتصل إلى 13 فرد من كل مائة ألف. وبينما استمرت الزيادة بين الأمريكيين الأكبر سنًا ومتوسطي العمر، إلا أن المعدلات تضاعفت بشكل مرعب في المرحلة السنية بين 10 – 14 عام، إذ تزايدت معدلات الانتحار 300% بين الفتيات و200% بين الفتيان.

عمليًا، لا يمثل الانتحار خطر وبائي خارج المراحل السنية الأكبر عمرًا، إذ تمثل الشريحة العمرية بين 45-65 عامًا الأفراد الأكثر عرضة للخطر، يتبعها في ذلك الشريحة بين 25-45 بفارق بسيط. ولذلك تمثل الزيادة المضطردة لمعدلات الانتحار في الشريحة الأقل عرضة للخطر جرس إنذار لتطورات أكثر خطورة في المستقبل القريب.

فلماذا أصبح المراهقون من مواليد الألفية أكثر عرضة للانتحار؟ وما الذي سيصبح الحال عليه عندما يصل أبناء هذه الحقبة للشريحة الأكثر خطورة؟

أنت دائمًا مراقب، لا تنس ذلك!

 

كل هذا يصبح تجربة أكثر حدة وتركيزًا في عصر الشبكات الاجتماعية، تلك الشبكات التي يعتمد عليها أبناء جيل الألفية أكثر من أي جيل آخر، إذ تصبح الدائرة الاجتماعية التي على الشاب\ة التعامل معها والانتماء إليها أكبر بكثير، ويصبح شعور الفرد بأنه تحت النظر أكبر بكثير، مما أثبتت الدراسات أنه شديد التأثير سلبًا على معدلات التوتر والإحباط

يتأثر الانتحار بعدد ضخم جدًا من العوامل، أحد أهم هذه العوامل هو الاندماج مع المجتمع المحيط، وهو عملية معقدة تتطلب الحفاظ على معدلات وسطية، فانعدام الاندماج مع المجتمع المحيط يشعر الفرد أنه يفتقد أي معنى لوجوده؛ أن البشر من حوله مع بعضهم البعض بينما هو وحده في عزلته، وكل هذه الهواجس تمثل جزء مهم جدًا من التطور النفسي والذهني في مرحلة المراهقة بالذات.
أما في حالة الاندماج الشديد؛ فإن الفرد يبدأ بالشعور بالضغط الشديد عليه ممن حوله، فالأسرة مثلًا تنتظر اهتمامه ومشاركته ونجاحه الشخصي، وهو مما يزيد معدلات التوتر والانهاك بشكل مزمن.

كل هذا يصبح تجربة أكثر حدة وتركيزًا في عصر الشبكات الاجتماعية، تلك الشبكات التي يعتمد عليها أبناء جيل الألفية أكثر من أي جيل آخر، إذ تصبح الدائرة الاجتماعية التي على الشاب\ة التعامل معها والانتماء إليها أكبر بكثير، ويصبح شعور الفرد بأنه تحت النظر أكبر بكثير، مما أثبتت الدراسات أنه شديد التأثير سلبًا على معدلات التوتر والإحباط

أنظر إلى كل ما لا تستطيع تحقيقه أو النجاح فيه!

كل هذه الصور وتتابعها على عين الشاب\ة تبدأ في خلق توقعات معينة لهذا الفرد من حياته، فتصبح معدلات استهلاك معينة غالبًا لا يملك المال الكافي للقيام بها هي المتوقع، تصبح أشكال معينة للجسد ونسبة الدهون مقابل العضلات فيه هي المعيار الطبيعي.

عودة إلى الشبكات الاجتماعية مرة أخرى؛ تمتاز الأخيرة بأنها مساحات للتفاخر والتباهي من ضمن أشياء عدة، فلننظر مثلًا على شبكات مثل إنستغرام أو سنابشات وما تستخدم فيه؛ نرى مثلًا ظواهر مثل مشاركة صور الطعام في أفخم المطاعم أو مشاركة صور إنجازات الشباب في صالات الرياضة من كمال الجسام وبناء العضلات، ونرى صور الرحلات حول العالم والبلدان المختلفة.

كل هذه الصور وتتابعها على عين الشاب\ة تبدأ في خلق توقعات معينة لهذا الفرد من حياته، فتصبح معدلات استهلاك معينة غالبًا لا يملك المال الكافي للقيام بها هي المتوقع، تصبح أشكال معينة للجسد ونسبة الدهون مقابل العضلات فيه هي المعيار الطبيعي.

هذا هو سحر الشبكات الاجتماعية، سحر لم تسبقها إليه سوى السينما ووكالات الإعلان، قدرتها على تقديم أوجه معينة محدودة من حيوات قلة قليلة على أنها هي المعيار والطبيعي، لا يستطيع الفرد أن ينظر ليرى أن حيوات الناس من حوله لا تنطبق على هذه المعايير إطلاقًا، وذلك لأن نظره مثبت فقط على سيل الصور المتتابع الذي يشعره تدفقه أن هذا هو الواقع.

مع كل حركة لإصبع الفرد على شاشة جهازه المحمول، يرى كل ما ليس عليه، يرى كل ما لا يستطيع تحقيقه، يشعر أن العالم كله من حوله ينجح في ذلك، سواه !
وحده يبقى فاشلًا لا يستطيع تحقيق أي من هذه النجاحات، ويصبح أمامه اختيار من اثنين؛ إما أن يفعل كل ما بوسعه لتتبع هذا السراب والوصول إليه، أو أن يتخلى عن الأمل تمامًا ويقبل فشله ويبحث عن وسيلة يتمكن بها من التغلب على الألم؛ كالانتحار مثلًا.

هذا هو سحر الشبكات الاجتماعية، سحر لم تسبقها إليه سوى السينما ووكالات الإعلان، قدرتها على تقديم أوجه معينة محدودة من حيوات قلة قليلة على أنها هي المعيار والطبيعي، لا يستطيع الفرد أن ينظر ليرى أن حيوات الناس من حوله لا تنطبق على هذه المعايير إطلاقًا، وذلك لأن نظره مثبت فقط على سيل الصور المتتابع الذي يشعره تدفقه أن هذا هو الواقع.

ترغب في النجاح وفي حياة سعيدة؟ مع الأسف لا نضمن لك ذلك!

بالرغم من أن العالم أصبح ينتج ثروات ومنتجات أكثر من أي وقت مضى، إلا أن معدلات الفقر وانعدام العدالة وتدهور مستوى المعيشة حول العالم تتزايد بشكل غير مسبوق، قبل ثلاثين عامًا من اليوم؛ كانت فرص أي مواطن أمريكي أو أوروبي في ضمان وظيفة ذات أمان عالي وحياة كريمة أكبر بكثير من اليوم، يمتاز عصر الألفية بتقدم الدول النيوليبرالية لتستبدل دول العدالة الاجتماعية حول العالم، ذات التغير حدث في مصر وفي الولايات المتحدة في ذات الوقت، في ألمانيا وأستراليا واليابان.

بالتدريج؛ أصبح الحق الطبيعي في التعلم والوظيفة الآمنة والدخل الكريم مجرد إمكانية في عصر النيوليبرالية، إمكانية كغيرها من التشرد أو البحث عن وظيفة مناسبة لأشهر وسنوات، وكل هذه الإمكانيات قد تكون أفضل من سيناريو يضطر فيه خريج متخصص في الفلسفة أو الأدب المقارن للعمل في تقديم القهوة في وظيفة تضمن له الدخل الأدنى

يمكن لك أن تقوم بكل ما تحب في الساعات القليلة المتبقية من أسبوع العمل ذي الأربعين ساعة، ففي نهاية الأمر؛ الموسيقى والأدب والفنون لا تجلب الكثير من الأرباح في البورصة.

عصر النيوليبرالية يمتاز بشرخ واضح بين النجاح كإنسان والنجاح كموظف، فإن كنت تحب الموسيقى أو الأدب فلا مشكلة؛ طالما أنك لا ترغب في تكريس حياتك لها، فأنت مرحب بك أن تقوم بكل هذا على شرط أن تقوم بتتبع مسار وظيفي مضمون كالهندسة أو المحاماة مثلًا، يمكن لك أن تقوم بكل ما تحب في الساعات القليلة المتبقية من أسبوع العمل ذي الأربعين ساعة، ففي نهاية الأمر؛ الموسيقى والأدب والفنون لا تجلب الكثير من الأرباح في البورصة.