هو العناق الأول لهما، روحهما كما جسدهما باتت واحدة، تحاول البحث عن ملامح وجهه لتحفظها ولكنها تفشل مجددا، فمنذ أن شق الباب وهي تراه كتلة من نور، “حلم هو إذن.. نعم حلم” تقول محاولة إيقاظ نفسها، يصرخ أحدهم ويأمرهما بالوقوف بجانب بعضهما لالتقاط الصورة.

“كأنني لم أراه من قبل، لم أتخيل يوما أن تجمعنا صورة واحدة.. مر كأنه حلم لم أرهُ فيه إلا نورا دخل من الباب ثم حضنني”، لحظات قليلة تستذكرها زينة بكل تفاصيلها، كيف لا وخلالها عانقت والدها مجد بربر لأول مرة منذ ولادتها قبل (15 عاما)، فمجد اعتقل بعد ولادتها بـ15 يوما فقط”.

“كل الدنيا تغيرت بنظري، بدأت بالحياة من جديد… عندما حضنني شعرت أننا أصبحنا شيئا واحدا، صحيح لم أكن مستوعبة ما حصل ولكني لأول مرة أشعر بهذه السعادة، تلك اللحظات كانت أجمل شيء حصل في حياتي”، تعلق زينة على لحظات اللقاء المعدودة.

امتلأت عيناها بالدموع ولكنها بقيت حبيسة خلف قضبان جفونها، فالسجان واقف أمامها تماما، ولن تدعه يقتنص هذه الفرصة ليراها ضعيفة، لكنها لم تعد قادرة على الكلام، رسمت ابتسمت على وجهها وجلست تستمع لصوته وتحفظه. “أول مرة أشعر بدفئ العائلة، أمي وأبي وأنا في صورة واحدة لأول مرة.. مستحيل أنسى هذه اللحظات، وأتمنى أن أعانقه مرة ثانية وهو حر”.

موجعا كان فراق زينة لوالدها بعدما تعانقا للحظات قليلة في 17 نيسان، لتستوعب مجددا كيف أن الاحتلال يسلبها والدها ويحرمها منه، تقول، “أول مرة أشعر أني في المكان الصحيح، في حضني والدي.. ولكن عندما خرجنا من الغرفة، شعرت كم أني محرومة منه كما هو محروم أن يبقى بجانبي، تساءلت بداخلي لماذا تريدون إبعاده عني.. وهذه اللحظة كانت صعبة علي كثيرا”.

منذ اعتقاله، والأسير مجد (43 عاما) من حي رأس العامود في بلدة سلوان بالقدس، يطلب من إدارة السجون التقاط صورة مع طفلته، إلا أنه كان يتعرض باستمرار لنقل تعسفي بين السجون، ويرفض طلبه، قبل أن ينجح مؤخرا في انتزاع قرار من إدارة سجن جلبوع، ويلتقط الصورة الأولى مع طفلته زينة.

تقول فاطمة بربر زوجة الأسير، “هذه المرة الأولى التي يسلم أمجد على طفلته، يحضنها ويقبلها ويلتقط صورة معها.. والصدفة الأسعد لنا كانت بأن إدارة السجن سمحت لي بالدخول والاجتماع مع زوجي لأول مرة والتقاط صورة معه”.

دقات قلوبهم كانت تسمع بوضوح، فيما وقفت فاطمة بين نارين، فكم هي متشوقة لاحتضان زوجها والاجتماع به، وفي الوقت ذاته تريد أن تحصل طفلتها على حقها باحتضان والدها لأول مرة والحصول على بضع من الوقت برفقته. تضيف، “زينة كانت مصدومة واكتفت بالابتسام فقط، عيناها كانت مليئة بالدموع، فهي غير قادرة على استيعاب أنها بحضن والدها لأول مرة، ولم تجيب على سؤاله عندما سألها عن حالها”.

كما زينة، كان الأسير مجد.. فهو يذكر جيدا تلك الأيام حين حمل طفلته ولم تكن تتعدى الأيام القليلة من عمرها، علق مجد لزوجته مصدوما، “البنت كبيرة”.. أجابت، “صحيح يا مجد زينة أصبح عمرها 15 سنة”، ثم كرر مجد لزوجته عن حمله لطفلته، “لقد حملت بنت كبيرة وحضنتها، لم أتوقع أني احمل بنتي وعمرها 15 سنة، لم أتوقع ان احضن طفلتي وأصبحت شابة”.

وتصف فاطمة ما مرت به قائلة، “لم تتعد اللحظات التي جمعتنا خمس دقائق فقط.. لم أشعر بشيء حولي، لم أكن أرى السجان أو السجن… شعرت أن تلك الدقائق هي كل العمر، وعندما تركنا وخرج، شعرت أنني طفلة صغيرة أضاعت والدها.. وأنهم سلبوه مني الآن، كان الشعور صعبا جدا”.

وتتخوف فاطمة من عدم منحهم الصورة التي التقطت، فلأول مرة يُسمح لزوجة أن تلتقط صورة مع زوجها الأسير، فحتى هذا الحق يُحرم منه الأسرى وعائلاتهم في سياسة متعمدة للضغط عليهم نفسيا.

تشتاق زينة لوالدها الأسير مجد المحكوم بالسجن (20 عاما) في كل تفاصيل حياتها، وتحدث نفسها دائما قائلة، “بابا يجب أن يكون معي هنا.. يجب أن يشاركني، أن يخرج معي، أن ينام بجانبي”.

وتضيف، “أرى صديقاتي دائما مع آبائهن، يخرجن معهم ويقضين أوقاتا كثيرة، أنا دائما أشعر أنه يوجد شيء ناقص في حياتي فبابا ليس هنا ليسألني عن دراستي ويأخذني نزهة”.

“دائما يوجد كلام بداخلي أرغب بإخباره لوالدي، أريد دائما أن استشيره بأمور كثيرة في حياتي، ودائما أشعر بالحاجة لمساعدته لي”، تضيف زينة التي لم تدع أبواب السجن عائقا بينها وبين والدها الأسير، ولا تكتفي بزيارته كل أسبوعين وأحيانا كل شهر، فتكتب له الرسائل دائما وتبلغه بما تواكبه من تطورات في حياتها، “أحرص أن لا يشعر والدي أنه بعيد عني، أكتب له أول بأول كل ما يحصل معي، أحدثه عن أمنياتي وطموحاتي ولماذا أريد أن أول”.

فيما يحرص الأسير أمجد أن يبقى قريبا لزينة ونجله منتصر (16 عاما)، فيكتب لهما الرسائل باستمرار ويوجههما في حياتهما ويدعمهما، “يكتب لي الرسائل ينصحني ويشجعني ويدعمني، هو أكثر انسان يشجعني ويخبرني دائما أنني أستطيع أن أعمل كل ما أريد، يحاول أن لا نشعر أنه بعيدا عنا، ونحن نقدر له ذلك”، قالت مجد.

بعد اعتقاله درس مجد العلوم السياسية، ثم نال شهادة الماجستير في تخصص الديمقراطيات من الجامعة العبرية المفتوحة، ليصبح اليوم أستاذا للأسرى، يدرسهم ويشجعهم على إكمال الدراسة الثانوية. كما أصبح أستاذ معترفا به من قبل الجامعات، تعلق فاطمة، “يقول لي مجد دائما أنا أدرس اليوم أولاد الناس، وغير قادر أن أكون في البيت وأدرس أبنائي”.

15 عاما مضت وفاطمة هي الأم والأب لطفليها، ورغم أن الصدمة تملكتها لوقت طويل إلا أنها قررت الوقوف على قدميها، “صدمت كثيرا ولم أكن قادرة على استيعاب اعتقال مجد، كنت أقول أيام قليلة وسيخرج، وبعد أن مضت الأيام، قلت ربما ستة أشهر ليس أكثر، لأقع في الصدمة الكبرى عندما حكم عليه بالسجن 20 عاما”.

وحيدة كانت تجلس فاطمة في منزلها وفي حضنها طفلين، منتصر لم يتعدى العام ونصف، وزينة عمرها أيام فقط، وتوضح، “رغم أن كل من حولي كان يقف بجانبي ويشجعني، إلا أن الألم كان كبيرا، حيث لم أكن أتعدى الـ 23 عاما وقد ولدت زينة حديثا عندما خرجت لأول جلسة محكمة لزوجي مجد.. في الليل كنت أنظر حولي ولا أجد سوى طفلي، ذلك لم يكن سهلا أبدا”.

وتضيف فاطمة، “تفاجأت بيوم من الأيام، أن العائلة حضرت عيد ميلاد لزينة، لأصدم أن زينة كبرت عاما دون أن أشعر، فقررت بعدها أن أكون أقوى، وأعتني بنفسي وأطفالي، وأتحمل مسؤولية أن يصبح أبنائي من أفضل الناس”.

كبر الأطفال ليستوعبوا عاما بعد عام أن والدهم معتقل لسنوات طويلة في سجون الاحتلال، وهو ليسوا كباقي أصدقائهم الأطفال، لتمر عليهم مواقف صعبة كثيرة قبل أن يستطيعوا تخطيها.

تقول فاطمة، “عندما كان منتصر في الصف الابتدائي بأحد المدارس الخاصة، كان هناك درس عن ان السارق عقابه السجن.. فقال أحد الأطفال أن والد منتصر هو في السجن، إذن هو سارق.. ذهب للمدرسة وطلبت منهم أن ينظموا يوما خاصا يحدثون الأطفال عن الأسير الفلسطيني، ويفهموا أقران منتصر، أن والده مناضل وليس سارق”.

نُشر هذا المقال لأول مرة في شبكة قدس الإخبارية