هل تستمر مأساة فيلم البريء إلى الأبد؟

بالنظر سريعًا على خريطة الدول العربية التي تعتمد على التجنيد الإجباري في إقامة جيوشها، يستطيع المرء ملاحظة أن هذه الدول تحديدًا هي التي يمكن وصفها بخط نار النزاعات المسلحة في الأربعين عامًا الأخيرة.

فجيوش دول مثل مصر وسوريا والجزائر (وعراق صدام حسين) كانت وما تزال القوام الرئيسي للنزاع المسلح على طول المنطقة العربية، فإن كانت الخلافات الطائفية أو الأيديولوجيات الإسلامية هي العدو الذي يتغير من بلد إلى آخر، فإن الجيش النظامي المعتمد أساسًا على أبناء الشعوب هو الثابت في المعادلة في كل هذه البلاد.

وبناءً على السابق، كيف يمكن النظر إلى الزج بشباب شعوب هذه البلاد في صراعات داخلية دموية، فقط كي يضحي هؤلاء الشباب بأرواحهم وأعمارهم من أجل الدفاع عن مجموعة من الدول (ونعني بالدول هنا كيانات الدول وأجهزتها الإدارية لا البلاد نفسها) التي فشلت في تقديم أي ظروف معيشية كريمة لهذه الشعوب، هذا بطبيعة الحال إذا تغاضينا عن الحديث عن الحقوق السياسية والشخصية.

هنا نحاول النظر سريعًا إلى النقاش حول طبيعة عملية التجنيد الإجباري وأخلاقيتها المشكوك فيها، وليكن من الواضح للقارئ أن الكاتب وإن حافظ على موضوعيته وعلميته في تناول هذه القضية، إلا أنه يرفض بوضوح وصراحة مبدأ التجنيد الإجباري لأسباب ستتضح بعد شرح الجدل ونقاشه.

واجب قومي وتضحية من أجل الوطن؟

يعتمد أي تبرير للتجنيد الإجباري على مجموعة المفاهيم المؤسسة للدول الحداثية كعقد اجتماعي يرضاه كل مواطني أي بلد معين، في هذا العقد يسلم الأفراد إدارة شؤون حياتهم إلى دولة وحكومة، تكرس الدولة والحكومة من تحتها وقتها ومواردها من أجل تيسير حيوات الأفراد وإدارتها في أفضل السبل الممكنة، وفي المقابل يقوم الفرد بتكريس ولائه لهذه الدولة راضخًا لأحكامها ومسلمًا روحه دفاعًا عنها في حالة الحاجة إليها.

كل الحديث السابق يبدو لا بأس له للوهلة الأولى، إلا أن التأكيد على أن هذا ليس أكثر من تنظير يوتوبي تسعى الدول والمجتمعات للوصول إليه، وتنجح بعضها ويفشل الأغلب في موازنة هذه المعادلة.

إذ بالنظر إلى مكونات هذه المعادلة، نرى أن العدالة والقانون والحياة الكريمة هي كلها واجبات على هذه الدولة يجب عليها تقديمها للأفراد، وهي المقابل الذي يقبله الفرد كي يدعو نفسه مواطنًا في هذا البلد وحياة يمكن تقديمها في حالة الحاجة إليها.

وبالرغم من نجاح دول عدة في الشمال المتقدم كأوروبا وأمريكا الشمالية في تقديم جانبها من الصفقة لمواطنيها إلى حد كبير، إلا أننا نجد أن أغلب هذه الدول قد تخلت عن التجنيد الإجباري بشكل نهائي أو قننته في حالات الضرورة القصوى التي تهدد وجود الدولة ذاته، فلماذا قامت هذه الدول بهذا الأمر إذًا؟

أم عبودية وإهدار لزهرة الشباب؟

إذا نظرنا سريعًا على الشرائح السكانية المستهدفة من عمليات التجنيد الإجباري، نرى أن العامل المشترك بين كافة أنظمة التجنيد الإجباري في البلاد العربية هو استهدافها واعتمادها على شريحة الشباب من الذكور بين 18 و30 عامًا، وبالنظر إلى أن أغلب البلدان العربية تمتاز بمتوسط عمر منخفض للغاية إذا ما قورنت ببلدان أخرى، نبدأ في رؤية كيف ينتهي هذا الأمر بالتأثير على حيوات الملايين، بل وبالتأثير على مقدرات البلد الاقتصادية ذاتها، فبلد مثل مصر قد تصل هذه الشريحة فيها ربما إلى قرابة ثلث القوة العاملة للبلد ككل، أغلب هذا الثلث يقدم ما متوسطه 18 شهرًا من عمره بلا عمل أو دراسة ليعمل في خدمة جيش لم يدخل في حرب رسمية واحدة منذ 43 عامًا، كما يبقى حتى وصوله إلى الثلاثين من عمره على أحسن الأحوال تحت رحمة عدم تلقي أي استدعاءات مفاجئة كجزء من قوة الاحتياط، هذا بالطبع إذا لم نذكر تقييد الحركة غير المفهوم بمنع كل هؤلاء من السفر تمامًا بدون الحصول على تصريح مباشر من الجيش.

واقع الأمر أن مثل هذه السياسة الحمقاء لا تكتفي بإهدار قدر كبير جدًا من القوة العاملة التي قد تكون ذات قيمة كبيرة في تنمية اقتصاد البلد، ولا بأن تمنع مواطنيها من الحركة والسفر والتواصل الذي لا ينتهي غالبًا إلا بضخ المزيد من النقد الأجنبي في عجلة الاقتصادات المحلية، إلا أنها في ذات الوقت تجرم جريمتين شديدتي الضخامة في حق شعوبها.

هاتان الجريمتان هما أولًا، استغلال الشباب المجندين إجباريًا كجيش من العمالة المجانية لتحريك مصالح اقتصادية عملاقة يستفيد منها حفنة من ضباط الجيش ولا تساهم بأي شكل في الاقتصاد القومي، كما هو الحال في الإمبراطورية الاقتصادية للجيش المصري والتي يعمل بها المجندون بداية من خريجي كليات الهندسة والطب ونهاية بخريجي المؤهلات المتوسطة من العمال والحرفيين، بدون مقابل.

وثانيًا وهو الأخطر، إذ تجبر الأنظمة الحاكمة في أغلب البلدان العربية الأفراد من المجندين على الزج بهم في مجموعة من الصراعات المسلحة الداخلية أو عمليات القمع السياسي، ينتهي الحال بهؤلاء الأفراد موجهين أسلحتهم إلى أبناء وطنهم في نهاية الأمر، هذا ما حدث في عراق صدام حسين، ويحدث الآن في سوريا وسيناء، وإن كنا قد نسينا ما نتج عن أفعال صدام من تحول بقايا جيشه اليوم إلى أحد مكونات تنظيم الدولة داعش الرئيسية، فإننا لا يمكن أن نتخيل ما قد ينتج عن الزج بالمواطنين في صراعات كالحادثة في سوريا وسيناء.

لا يجب أن يقف تصورنا عن العبودية عند مجرد العمل سخرة بدون الحق في الحصول على المقابل المادي للعمل، وإنما العبودية هي حالة الملكية الكاملة لإنسان ذي حياة وإرادة، سابقًا وجدت العبودية في صورة فردية يملك فيها فرد أفرادًا آخرين، إلا أنها تتواجد اليوم وبشكل واضح كملكية لدولة أو جيش لحياة شريحة معينة من أفرادها؛ ملكية كاملة تعطيهم الحق في استخدام حيوات هؤلاء الأفراد للعمل في المصانع والمزارع بدون مقابل، وقد تصل إلى التضحية بحيواتهم لأجل الحفاظ على كيانات دول فاشلة لا تقدر على أداء دورها من العقد الاجتماعي ولا تقبل أي محاولة للوصول إلى عقد جديد ليست هي قوامه.

وبطبيعة الحال، إذا أراد الفرد عدم المشاركة في الواجب الوطني المتمثل في التجنيد الإجباري، فالسجن العسكري موجود دائمًا، وليس هذا فحسب، فستحرص الدولة كل الحرص على إفساد أي فرصة له في الحصول على وظيفة أو حياة كريمة بعد خروجه من السكن، فأنت كمواطن ملك لدولتك، ودولتك ملك لجيشها العظيم.